في محاولةٍ لإخفاء التدخل الأمريكي في الانتخابات اللبنانية دعت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون إلى أنْ تجري الانتخابات التشريعية المقبلة في لبنان دون تدخلاتٍ خارجيةٍ، مؤكدةً دعم بلادها لما وصلته بأصوات الاعتدال في لبنان، في موقفٍ اعتبره مراقبون أنَّه في حدِّ ذاته تدخلاًَ في الشئون الداخلية اللبنانية، ومؤشرٍ على طرفٍ على حساب طرفٍ آخرٍ في لبنان، بما يزيد من تعقيدات المشهد السياسي والطائفي اللبناني.
وأعلنت كلينتون في مؤتمرٍ صحفيٍّ بعد اجتماعها برئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان في العاصمة اللبنانية بيروت، أنَّها سلمته رسالةً من نظيره الأمريكي باراك أوباما "نعرب عن دعمنا للبنان، وتشدد على الروابط القوية بين دولة لبنان والولايات المتحدة".
ووصلت كلينتون إلى بيروت في زيارةٍ مفاجئة استمرت ساعات قليلة هي الأولى لها منذ تسلمها مهامها في يناير الماضي كوزيرةٍ للخارجية.
وأفاد مصدر رئاسي لبناني لوكالة الأنباء الفرنسية (أ. ف. ب) أن أوباما أكد في رسالته "التزام الولايات المتحدة دعم المؤسسات الشرعية لتستعيد دورها، ودعم المؤسسات العسكرية والأمنية لتقوم بدورها في الحفاظ على الاستقرار" في لبنان.
وأشادت كلينتون بما وصفته بـ"شجاعة اللبنانيين من مختلف المجموعات الذين عملوا على بناء وطنٍ ديمقراطيٍّ ومستقلٍّ"، معتبرةً أنَّ الانتخابات "مؤشرًا مهمًّا في هذا المجال"، وقالت "نؤمن بقوة أن على الشعب أنْ يختار ممثليه في انتخاباتٍ نزيهةٍ وعادلةٍ دون القلق من تخييم أجواء عنفٍ وتهديدٍ، وبالتأكيد بعيدًا عن أيِّ تدخلاتٍ خارجيةٍ".
وأضافت: "ننضم إلى المجتمع الدولي في دعم جهود الحكومة في سبيل تحقيق هذا الهدف"، وأكدت أنَّ بلادها "ستواصل دعم أصوات الاعتدال في لبنان والمؤسسات الرسمية التي يعملون على بنائها".
وتتنافس في هذه الانتخابات الأكثرية النيابية والوزارية المدعومة من الغرب ودولٍ عربيةٍ من بينها مصر والسعودية، والمعارضة المدعومة من سوريا وإيران، والتي من المحتمل أنْ تؤدي إلى تغيير الأكثرية الحالية، وبالتالي إلى فوز حزب الله الذي تدرجه الولايات المتحدة على لائحة المنظمات الإرهابية.
إلا أنَّ كلينتون رفضت التكهن بنتائج الانتخابات، وقالت "لا يمكن أنْ أتوقع نتيجة الانتخابات، فالشعب هو الذي يقرر مَن سيمثله"، ولكنها أعربت عن أملها في أنْ تكون نتائج الانتخابات "الاستمرار في مسارٍ معتدلٍ يستفيد منه كل الشعب".
وكان مسئول رفيع في وزارة الخارجية يرافق كلينتون قد قال ردًّا على سؤالٍ من الفرنسية، عن موقف بلاده في حال فوز حزب الله بالأكثرية النيابية، وتاليًا بالأكثرية الحكومية في لبنان بالقول "إذا فاز حزب الله، ننظر في تركيبة الحكومة وخصوصًا في بيانها الوزاري، لنقدر (...) ماذا سيكون موقفنا، وماذا سنفعل في لبنان".
يُذكر أنْ الولايات المتحدة أكدت تكرارًا أنَّها "ليست مستعدة" للاقتداء بحليفها البريطاني، والسماح بإجراء اتصالاتٍ مع حزب الله؛ وذلك بعد سماح لندن بإجراء اتصالاتٍ على مستوًى ثانويٍّ مع الجناح السياسي لحزب الله، والذي لا تصنفه بريطانيا ضمن ما يُعرَف بـ"المنظمات الإرهابية".
في المقابل أكد نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم مؤخرًا أنَّ الغرب سيتعامل "بشكلٍ طبيعيٍّ" مع حكومةٍ تنتج عن فوز الأقلية الحالية- التي يشكل الحزب أبرز مكوناتها- في الانتخابات المقبلة، مستبعدًا تعرض الحزب للعزلة كما حصل مع حركة حماس في الأراضي الفلسطينية المحتلة في العام 1967م.
من جهةٍ أخرى شددت هيلاري كلينتون على دعم بلادها للجيش اللبناني، وقالت "قرارات مجلس الأمن واضحة لجهة أنَّ القوى المسلحة اللبنانية، هي القوات الشرعية الوحيدة التي يحق لها امتلاك السلاح في لبنان"، في إشارةٍ إلى استمرار حزب الله في الاحتفاظ بسلاحه.
وتنفذ الولايات المتحدة برنامجًا لمساعدة الجيش اللبناني تخطت تكلفته 410 مليون دولار منذ العام 2006م.
وجددت كلينتون دعم بلادها للمحكمة الدولية الخاصة بمحاكمة المتهمين باغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري في فبراير من العام 2005م، وقالت "أنا هنا أيضًا لأتعهد بالدعم الكامل للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وهناك حاجة لوضع حد نهائي لحقبة من عدم المعاقبة على الاغتيالات السياسية".
وأكدت كلينتون أنَّ المناقشات مع سوريا "لن تكون مطلقًا على حساب لبنان"، وأضافت "لن نفعل شيئًا يمكن أنْ يشكل خطرًا على سيادة لبنان".
يُذكر أنَّ مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية بالوكالة لشئون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان زار دمشق في مارس الماضي، ووصف محادثاته هناك بالبنَّاءة، عقب زيارات قامت بها وفودٌ برلمانيةٌ إلى دمشق.
وأبدت إدارة أوباما بعض الانفتاح على سوريا، بعد أن فرضت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن عزلةًَ شبه دوليةٍ على دمشق، التي أشارت تقارير تحقيق دولية إلى تورط مسئولين أمنيين سوريين في حادث اغتيال الحريري، وهو ما تنفيه دمشق.
وانسحب الجيش السوري من لبنان في 26 أبريل عام 2005م، بعد نحو ثلاثة عقود من وجوده في لبنان تحت ضغوط الشارع اللبناني وضغوطٍ دوليةٍ قادتها الولايات المتحدة.
وبعد لقاء الرئيس سليمان، توجهت كلينتون إلى وسط بيروت؛ حيث وضعت إكليلاً من الزهور على ضريح الحريري، بحضور نجله سعد الحريري زعيم تيار المستقبل، أكبر التيارات عددًا في مجلس النواب اللبناني.