أكد تقريرٌ توثيقيٌّ هو الأول من نوعه في كلٍّ من فيينا وغزة عن الاعتداءات العسكرية الصهيونية على المؤسسات الأهلية الفلسطينية خلال الحرب على غزة، التي نشبت خلال الفترة من 27 ديسمبر وحتى 18 يناير الماضيين، أنَّ الكيان الصهيوني عمد إلى تدمير مؤسسات المجتمع المدني في القطاع بشكلٍ ممنهجٍ، بلغ عدد الجمعيات غير الحكومية المدمرة خلال الحرب 182 جمعية على الأقل.

 

ويحمل التقرير عنوان "تدمير المجتمع المدني منهجيًّا"، وصدر بالتعاون بين منظمة "أصدقاء الإنسان الدولية" المعنيَّة بالدفاع عن حقوق الإنسان ومؤسسة "الثريا للاتصال والإعلام"، وهي مؤسسة رصد وإعلام.

 

ويُعنى التقرير بالمنظمات غير الحكومية، وهي الهيئات ذات الطابع المدني التي تعمل ضمن مجالات تنموية مختلفة تطوعية وحرة، وتتناول القضايا والمصالح العامة، وتتسم بالعمل الإنساني والإنمائي المتبادل وتهدف إلى خدمة المجتمع.

 

وقال التقرير إنَّ هذه المنظمات والمشروعات التابعة لها تعتبر "جزء مهم من النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وتقوم بأدوار مهمة في ظل الحصار الذي يعاني منه الفلسطينيون في قطاع غزة"، وهو ما يعني كثرة المتضرِّرين منها ومن حجم الدمار الذي لحق بها.

 

وقد شكلت "أصدقاء الإنسان الدولية" و"الثريا للاتصال والإعلام" فريق عمل قام بعملية مسح كبيرة للمنظمات والجمعيات الفلسطينية الأهلية غير الحكومية المتضررة من جرَّاء الحرب الصهيونية على غزة، التي أدت إلى استشهاد حوالي 1500 فلسطيني وإصابة 5400 آخرين، وتدمير 16 ألف منزلٍ تدميرًا جزئيًّا، و4 آلاف أخرى تدميرًا كليًّا، وقد تبيّن من خلال ذلك أن عدد الجمعيات غير الحكومية المدمّرة كليًّا أو جزئيًّا هو 182 جمعية على الأقل.

 

 الصورة غير متاحة

أضرار بالغة لحقت بمبنى التشريعي الفلسطيني

وبيَّنت نتائج الزيارات وعمليات الرصد لمقرَّات هذه المنظمات والمقابلات مع مسئولي الكثير منها، نتائج كارثية حلَّت بمبانيها ومشاريعها، وأن حجم الضرر شاملٌ في بعض الأحيان؛ حيث تم تدمير مباني بعض الجمعيات ومشاريعها وبعد ذلك تجريفها وإزالتها بشكلٍ كليٍّ.

 

وفي أحيانٍ أخرى تضرّرت نتيجةً للقصف العنيف عدة مبانٍ تابعةٍ لجمعياتٍ تضم مشاريعَ متنوعةً؛ فعلى سبيل المثال نجد أن مبنى واحدًا مدمرًا يضم عيادات طبية متنوعة ومصلى وجمعية خيرية وروضة للأطفال.

 

ويوضح التقرير التوثيقي أنَّ أكثر الجمعيات الأهلية تضررًا من ناحية العدد كانت رياض الأطفال، وعددها 72، ثم النوادي الرياضية وعددها 32، ويظهر تصنيف منظمات المجتمع المدني وأعدادها المدمرة أو المتضررة، خلال الحرب على قطاع غزة، أن منها 72 من رياض الأطفال، و31 من المؤسسات الرياضية، و14 من الجمعيات الثقافية، و11 من المؤسسات الصحية، و8 من بيوت العبادة التي تشتمل على جمعيات مجتمع مدني، و7 من الجمعيات التعليمية، و6 من الجمعيات التنموية، و6 من الجمعيات الخيرية، و5 من الجمعيات التأهيلية، و5 من الجمعيات الإعلامية، و4 من المؤسسات الزراعية، علاوةً على 13 جمعية من تصنيفات أخرى، وبهذا يبلغ العدد الكلي لتلك الجمعيات 182 مؤسسة مدمرة.

 

وإلى جانب ذلك تم تدمير 67 من المدارس في قطاع غزة بشكلٍ عامٍّ؛ منها ما عدده 36 تتبع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا".

 

وقد تم قصف بعض المدارس وهي تعج بالأطفال والفارِّين من القصف؛ ما أدى إلى سقوط 45 فلسطينيًّا في مدرسة الفاخورة وحدها شمال قطاع غزة، بتاريخ 6 كانون الثاني (يناير) 2009.

 

ويُظهر التقرير أن المشاريع الصحية الحكومية وغير الحكومية قد طالتها ضربات عنيفة للغاية من جانب الجيش الصهيوني؛ ما أدى إلى حرائقَ في المستشفيات والعيادات وتدميرٍ واسعٍ فيها وفي سيارات الإسعاف التابعة لها.

 

 الصورة غير متاحة

 طفل غزاوي يمر فوق ركام خلفته الآلة الصهيونية الغاشمة

وقد قامت القوات الصهيونية بقصف 11 مستشفى وعيادة غير حكومية، وكذلك ما عدده 33 عيادة تابعة لوزارة الصحة وبعض مرافق "مجمع الشفاء الحكومي".

 

ويشدد التقرير على أن استباحة القوات الصهيونية المؤسساتِ الأهليةَ المدنيةَ في قطاع غزة، وعدم ترددها في إلقاء القنابل عليها، على اختلاف ميادين عملها وكذلك أعدادها وحجم الدمار الذي لحق بها؛ تُعَد مؤشرات على أن الهدف وراء ذلك كان مواصلة تحطيم دعائم المجتمع الفلسطيني، وأن تلك القوات لا تلتزم باتفاقيات "جنيف" وتعتبر نفسها فوق المحاسبة بسبب الدعم غير المحدود الذي تتلقاه من الولايات المتحدة الأمريكية والكثير من دول الاتحاد الأوروبي.

 

وقالت منظمة "أصدقاء الإنسان الدولية" ومؤسسة "الثريا للاتصال والإعلام" إنهما إذ تنظران بقلقٍ بالغٍ إلى عمليات الاحتلال العسكرية ضد المدنيين والمنشآت المدنية في قطاع غزة، فإنهما تؤكدان ضرورة تحييد المنظمات غير الحكومية في حالة حدوث عمليات عسكرية، وتعتبر أن تبرير قيادة الاحتلال عملياتِ القصف بنسبة بعض الجمعيات لأطراف سياسية، غير مبرَّرة؛ لأنّ تلك المنظمات مدنيةٌ والقائمين عليها مدنيون وخدماتها كذلك.

 

ودعا التقرير إلى حماية المدنيين ودَعم الشعب الفلسطيني والوقوف بجانبه في مواجهة العدوان، وكذلك إعمار ما تم تدميره خلال الحرب، مؤكدًا حق الشعب الفلسطيني الطبيعي في تشكيل التجمعات وممارسة الأنشطة المدنية من خلالها.

 

وحذر التقرير من أنَّ "هذه الجرائم المتعمَّدة من جرائم الحرب الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة تعكس مدى استخفاف تلك القوات بأرواح المواطنين الفلسطينيين وجمعياته الخدمية والأهلية وأماكنه المقدسة، معتبرًا أنها أعمال انتقاميةٌ وعقابٌ غير عادلٍ للفلسطينيين خلافًا للمادة الثالثة والثلاثين من اتفاقية "جنيف" الرابعة لعام 1949م بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب.