مع تنامي محاولات مخابرات الاحتلال الصهيوني تجنيدَ عملاء من الصيَّادين الفلسطينيين؛ تتكشَّف جوانب من حرب الأدمغة الخفية بينها وبين فصائل المقاومة الفلسطينية وأجهزة الأمن العاملة في قطاع غزة.
فبعد أن ضربت أجهزة الأمن الفلسطينية التابعة لوزارة الداخلية الفلسطينية غالبيةَ شبكات العملاء التي جنَّدتها مخابرات الاحتلال على مدار سنوات، وأضعفت قدرتها على جمع المعلومات- وهو ما ظهر جليًّا في الضعف الاستخباري الذي غلَّف عمليات الاحتلال خلال الحرب الأخيرة- سَعَت المخابرات الصهيونية إلى محاولة إعادة بناء صفوف عملائها، غير أنها في كل مرة كانت تجد أجهزة الأمن حاضرةً لكشف أساليبها وملاحقتها.
ملاحقة خطط الاحتلال
وأكدت مصادر أمنية فلسطينية لـ(المركز الفلسطيني للإعلام) أن الأجهزة الأمنية التابعة لوزارة الداخلية- بالتعاون مع فصائل المقاومة- وضعت على أولوياتها إفشال محاولات الاحتلال تجنيد العملاء، وكشْف من يتم تجنيدهم، بما يقود في النهاية إلى شلِّ قدرة الاحتلال على العمل الاستخباري كما كان سابقًا في قطاع غزة.
وأكدت المصادر أن القدرة الاستخبارية للاحتلال أُصيبت بضربة قوية عندما سقطت الأجهزة الأمنية السابقة إبَّان الحسم العسكري؛ بعد أن كانت تُستغل بشكل مباشر أو غير مباشر كأكبر مزوِّدٍ ومُسهِّل لتدفق المعلومات إلى الاحتلال.
ولم تتوقَّف بعد ذلك محاولات الاحتلال الاستفادة من الشبكات القائمة أو محاولة تجنيد شبكاتٍ جديدةٍ وبوسائلَ مبتكرةٍ، مستفيدًا من إمكانية الالتقاء بالشبكات التي يجنِّدها خلال التوغُّلات أو التنقُّل عبر المعابر، خاصةً التجارية، إلى جانب معبر بيت حانون.
العملاء باتوا يد العدو الصهيوني الطولى في الحرب على غزة!

وقالت المصادر الأمنية إن الأجهزة وضعت آلياتٍ وخططًا محكمةً لإفشال كل هذه المخطَّطات، ونجحت بالفعل في الحدِّ من قدرة الاحتلال على تجنيد عملاء جددٍ، وهو ما دفع الاحتلال إلى اللجوء إلى فكرة الاتصالات العشوائية بالمواطنين وأبناء الفصائل واستغلال حالة الانقسام والخلافات بين الفصائل.
وتؤكد المصادر أن هذا الخيار فشل أيضًا بسبب يقظة أجهزة الأمن الفلسطينية وعمليات التوعية التي قامت بها، إلى جانب تعاون فصائل المقاومة وثقتها في الحالة الأمنية الموجودة في قطاع غزة.
مواجهة محتدمة
ويقدِّر المراقبون أن حرب "الفرقان" شهدت- إلى جانب الحرب المدمِّرة التي صبَّت فيها قوات الاحتلال آلاف الأطنان من المتفجرات والقذائف- حربًا أخرى لا تقل ضراوةً بين مخابرات الاحتلال وأجهزة الأمن وفصائل المقاومة الفلسطينية.
وأكدت المصادر الأمنية أن الاحتلال فشل بشكلٍ ذريعٍ استخباريًّا، وأن محاولته تحقيقَ إنجازاتٍ دفعته إلى الضغط على عملائه للتحرُّك، وهو ما جعل غالبية هؤلاء يسقطون في دائرة المتابعة من أجهزة الأمن والفصائل التي قامت بتصفية عددٍ منهم، مشدِّدًا على أن عنوان نجاح أجهزة الأمن والمقاومة هو فشل الاحتلال في ضرب الأهداف الخفية للمقاومة وقادتها بصورةٍ كبيرةٍ، إلى جانب سقوط هذا العدد الكبير من العملاء.
وكان نحو 20 عميلاً قُتلوا خلال حرب "الفرقان"، سواء كانوا معتقلين ومحكومًا عليهم بالإعدام أو آخرين تم ضبطهم في حالات تلبُّس من قِبَل فصائل المقاومة.
ولم يتوقف النجاح عند هذا الحد؛ فقد نجحت وزارة الداخلية وأجهزتها الأمنية، وفق ما أعلن الناطق باسمها إيهاب الغصين- في تصريحاتٍ سابقةٍ- في كشف العديد من شبكات العملاء خلال الحرب وبعدها، وتم اعتقال مجموعات خطيرة منهم.
وأكدت المصادر الأمنية لمراسل (المركز الفلسطيني للإعلام) أن جهاز الأمن الداخلي يحارب ظاهرة العملاء بمهنيةٍ أمنيةٍ وسريةٍ عاليةٍ جدًّا، مشدِّدةً على نجاحه في توجيه ضرباتٍ موجعةٍ إلى مخابرات الاحتلال؛ باعتقاله عددًا كبيرًا من أنشَط العملاء في قطاع غزة في الآونة الأخيرة؛ بما فيها مجموعات كانت مكلفةً بتنفيذ مهماتٍ عسكرية وأمنية خاصة.
في دائرة الاستهداف
![]() |
|
مراكب الصيد الفلسطينية تتعرض لاعتداءات صهيونية متكررة |
وأكد إسلام شهوان الناطق باسم شرطة غزة أن العدو الصهيوني لم يَأْلُ أيَّ جهدٍ في تجنيد عملاء لخدمته، ولم يترك وسيلةً تساعده في ذلك إلا استخدمها، مبيّنًا أن هذه الظاهرة (العملاء) ظاهرة قديمة حديثة.
وقال: "نتابع جيدًا هذه القضايا، ونقوم بالتحقيقات اللازمة؛ لعلمنا الجيد أن الاحتلال الصهيوني لديه الكثير من العملاء، ويسعى جاهدًا إلى تجنيد عددٍ أكبر منهم"، مبيّنًا أن الظاهرة الجديدة، التي يستخدمها العدو الصهيوني لتجنيد العملاء، هي اختطاف الصيَّادين وابتزازهم.
وأكد أنه أثناء التحقيق مع هؤلاء الصيادين يعرض عليهم التعاون الأمني والاستخباري مع الكيان الصهيوني؛ مما يشكِّل خطورةً لإمكانية ابتزازهم من خلال الترغيب والترهيب، خاصةً أن معظمهم من الطبقة غير المتعلمة.
جبهات أخرى
غير أن البارز أن صراع الأدمغة بين أجهزة الأمن والمقاومة في غزة من جهة، ومخابرات الاحتلال من جهة أخرى؛ لم يتوقف عند ضرب بنية العمل الاستخباري الصهيوني وكشف شبكات العملاء وتقليص قدرتها على العمل، بل تعدَّاه إلى تجنيد بعض هؤلاء العملاء للعمل بشكل مزدوج.
فقد كشف أحد القادة الميدانيين عن أن المقاومة استطاعت خلال الحرب الأخيرة على قطاع غزة تجنيد عددٍ من العملاء للعمل لصالح المقاومة؛ بعد أن كانوا قد وقعوا في شباك العدو، وأرادوا التكفير عن ذنوبهم وخطئهم، فلجئوا إلى المقاومة للاعتراف بذلك، فجنَّدتهم ليعملوا عملاء "مزدَوجين" لاختراق مخابرات العدو الصهيوني، مؤكدًا أن المقاومة حققت في ذلك نجاحًا كبيرًا.
وأكد القائد العسكري الفلسطيني في تصريحاتٍ نشرها موقع (المجد) الأمني مؤخرًا أن المقاومة نجحت في تجنيد عددٍ من العملاء لصالح المقاومة، وقد أخذوا الأمان، وهم الآن في بيوتهم.
وقالت مصادر مطلعةٌ لـ(المركز الفلسطيني للإعلام) إن حركة حماس وكتائبها القسامية، التي لها تاريخٌ حافلٌ في صراع الأدمغة والتجنيد العكسي؛ نجحت بالفعل في تحقيق نجاحاتٍ باهرةٍ في هذا المجال.
وتبقى حرب الأدمغة إحدى أبرز أشكال الصراع الخفي بين المقاومة والاحتلال الصهيوني، وعليها يترتب نجاح الحروب المباشرة أو فشلها.
