تشهد قضية تبادل الأسرى الفلسطينيين بالجندي الصهيوني جلعاد شاليط نشاطًا وحراكًا سياسيًّا مكثفًا على غير العادة، وتبدو الساعات القادمة حاسمةً في تحديد مصير الجندي الاسير؛ حيث من المتوقع أن يعقد رئيس الوزراء الصهيوني إيهود أولمرت الاجتماع الأخير لحكومته اليوم الإثنين لاتخاذ قرار نهائي في هذه القضية، وذلك استعدادًا لتسليم زمام الأمور لرئيس الوزراء الجديد بنيامين نتنياهو؛ الذي أوعز لأولمرت بإنهاء قضية شاليط.
وثمة عدة مؤشرات بتسارع التوصل إلى حسم هذه الصفقة خلال الساعات القادمة؛ حيث أفاد التلفزيون الصهيوني أن مصر دعت خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس ورمضان شلح أمين عام حركة الجهاد الإسلامي لزيارة القاهرة لحسم صيغة توافقية يتم بموجبها إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني، وإنقاذ الحوار المتعثر بالإضافة لصفقة شاليط.
وقالت مصادر فلسطينية في القاهرة: إن المسئولين المصريين قرَّروا دعوة مشعل من أجل حسم الخلافات، ووضع "الرتوش الأخيرة" لمختلف القضايا والانتهاء منها.
وأوضحت المصادر أنه بالإضافة لمصر فإن هناك دولاً عربيةً تمارس ضغطًا كبيرًا على الفصائل الفلسطينية للتوصل إلى اتفاق يُنهي حالة الانقسام الفلسطيني الداخلي، مشيرةً إلى أن 3 دول عربية (السعودية وسوريا وقطر) ترفض الاشتراطات التي تضعها الإدارة الأمريكية والدول الأوروبية.
وكان أولمرت أوعز إلى مبعوثَيه يوفال ديسكن وعوفر ديكل بإكمال محادثاتهما في القاهرة بخصوص الجندي شاليط وإطلاعه على نتائجها.
قاب قوسين
حوار الفصائل الفلسطينية بالقاهرة

وتدل السجالات الدائرة في أروقة الإعلام والسياسة في الشارع الصهيوني على أن هناك شيئًا يجري التحضير والإعداد له، وأن مسألة التوصل لاتفاق بشأن الجندي شاليط قد باتت قاب قوسين أو أدنى، على الرغم من نفي كلا الطرفين.
ومما زاد اليقين بصحة المعلومات المتفائلة عندما نشرت وسائل الإعلام أن مصدرًا فلسطينيًّا أكد أن دولة الكيان الصهيوني وافقت على إطلاق سراح كل من ورد اسمه في اللائحة التي تقدمت بها "حماس"، وتضم أسماء 450 أسيرًا نوعيًّا، وأن النقاش الدائر حاليًّا هو حول المطلب الصهيوني بأن يطرد 90 أسيرًا منهم إلى الخارج.
وأكد الوزير في الحكومة الصهيونية مائير شطريت دعمه هذه الفكرة، وقال في مقابلة إذاعية: "إن من شأن ذلك دفع المفاوضات حول إطلاق سراح الجندي جلعاد شاليط"، وقال: "إنه يجب على الدولة أن توجِّه إلى كل جندي في الجيش "الإسرائيلي" رسالةً؛ مفادها أنها ستبذل قصارى جهدها لإعادته إلى ذويه"، لكنه قال: إن ذلك "لن يكون بثمن تركيع دولة إسرائيل"، على حد تعبيره.
وتوَّج هذه الأجواء التفاؤلية أولمرت نفسه؛ الذي يعتبر أكثر العاملين في الموضوع، فقال خلال لقاء وداع مع رؤساء البلديات: إنه يصلي لأن ينجح في إنهاء الصفقة خلال الأيام القادمة؛ لكي يسجَّل إطلاق سراح شاليط في عهده، وأوضحت مصادر مقربة منه أن رئيس الحكومة المكلف بنيامين نتنياهو أبلغه أنه شخصيًّا لا يوافق على التجاوب مع كل مطالب حماس، ولكنه لن يقف عقبةً أمام أية صفقة يحرزها أولمرت.
نجاح المقاومة
أبو عبيدة الناطق الرسمي لكتائب القسام

وكانت كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس أكدت أن التصريحات الصهيونية بموافقتها على شروط حماس بشأن شاليط دليل على نجاح كبير للمقاومة الفلسطينية وفشل العدو الصهيوني لإنهاء هذه الصفقة بالطرق العسكرية.
وأضاف أبو عبيدة الناطق باسم كتائب القسام في تصريح صحفي مساء الأحد أن هذه الصفقة هي مسألة إنسانية يجب إنهاؤها بالالتزام بشروط المقاومة، وكان الاحتلال الصهيوني يستطيع إنهاء هذا الملف منذ الأيام الأولى للعملية، وذلك بدفع الثمن الذي طلبته المقاومة الفلسطينية.
وقال أبو عبيدة: إن حركة حماس لم تبلَّغ حتى الآن رسميًّا بموافقة الاحتلال الصهيوني على الإفراج عن 450 مقابل شاليط من قبل الوسيط المصري، "ولم نبلَّغ رسميًّا بأن الاحتلال الصهيوني قد وافق على الشروط كاملةً"، وأشار إلى أن الاحتلال الصهيوني يشترط في بعض الأسرى الفلسطينيين الإبعاد وليس العودة إلى أرض فلسطين؛ بمعنى الإبعاد خارج فلسطين، وهذا ما تم رفضه.
المصير المجهول
ويشير المراقبون والمحللون في الشأن الصهيوني إلى أن الكيان الصهيوني بات أمام ثلاثة سيناريوهات فيما يتعلق بقضية الجندي شاليط؛ أولها الخضوع لشروط الفصائل الآسرة وإبرام صفقة يتم بموجبها الإفراج عن المئات من الأسرى الفلسطينيين وفي المقابل يفرج عن الجندي جلعاد شاليط، أو أن يكون مصيره كمصير نحشون فاكسمان إذا حاولت القوات الصهيونية تحريره إن علمت مكانه، أو أن يكون مصيره كمصير الطيار الصهيوني رون أراد الذي سقطت طائرته في جنوب لبنان.
وأشار الكاتب والخبير السياسي ناصر اللحام إلى أن الكيان الصهيوني اعترف رسميًّا وشعبيًّا بهزيمته في مفاوضات تبادل الأسرى، وبات يبحث عن شكل "يحفظ ماء وجهه" في عملية تنفيذ التبادل؛ لذلك يحاول تغيير أسلوب اللعبة الإعلامية التي يقوم بها في هذه القضية.
وأضاف أن ما يتسرَّب عبر وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة هو مجرد لعبة إعلامية في المضمون فقط، لتهيئة الرأي العام الصهيوني للثمن الباهظ الذي سيدفعه ذلك الكيان لإتمام الصفقة بالشروط التي طلبتها المقاومة الفلسطينية الآسرة للجندي شاليط.
واعتبر اللحام أن ما يشهده الشارع الصهيوني في هذه الأيام من اعتصامات ومطالبات للإفراج عن الجندي شاليط بأي ثمن هو السبب الرئيسي في تعجيل المفاوضات لإتمام تلك الصفقة، موضحًا أن الذين يريدون إتمام الصفقة شعبيًّا وإعلاميًّا ورسميًّا داخل الكيان الصهيوني هم أكثر من المعارضين.
وشدَّد اللحام على أنه في حال فشل تلك المفاوضات سيتم ترحيل ذلك الملف إلى حكومة نتنياهو المجبَر على التعامل بحكمة مع هذا الملف؛ لأنه يريد أن يبدأ بحكومة لها صدى لدى الجمهور الصهيوني، رغم اعتقاده أن أولمرت يسابق الزمن لإتمام الصفقة قبل رحيله عن الحلبة السياسية، فهو معنيٌّ بأن تتم في عهده وليس في عهد نتنياهو؛ لأن ذلك ليس في صالحه، ولم يستبعد اللحام في الوقت ذاته أن يعلن في أي لحظة أن الصفقة جاهزة وقيد التنفيذ.
ترقب وحذر
![]() |
|
مظاهرة لأهالي أسرى الفلسطينيين |
وأكد غنيم أن صفقات التبادل هي الأمل الذي يعيش عليه الأسرى، وقال: "منذ بدء الحديث عن صفقة تبادل يبدأ الأسرى كذلك بتجهيز أنفسهم للحرية؛ لأن خلاله يتم كسر المعايير الصهيونية وتطغى المعايير الوطنية"، وقالت المواطنة أم نضال شقيقة عميد الأسرى المقدسيين: إن ملف أسرى القدس والداخل غُيِّب مرارًا وتكرارًا، وتم تهميشه في كافة الاتفاقيات وعمليات تبادل الأسرى السابقة.
وأضافت أم نضال: "نعتبر المفاوضات الحالية حول الإفراج عن شاليط مقابل الأسرى الفلسطينيين هي الأمل الأخير لنا، فإلى متى سنبقى ننتظر الإفراج عن أخي؟ هل سيتم الإفراج عنه بعد استشهاده داخل السجن؟ هذه المرة إذا لم يتم الإفراج عنهم ستكون نهاية آمالنا".
وأشارت أم نضال إلى أن أهالي أسرى القدس عاشوا خيبات أمل كثيرة وهم ينتظرون الإفراج عن أبنائهم، خاصةً لدى علمهم بنية الجانب الصهيوني الإفراج عن أسرى أو عند حدوث أي صفقة تبادل والتي كان آخرها صفقة حزب الله عام 2004م.
وطالبت أم نضال السلطة الوطنية الفلسطينية ومحتجزي شاليط بعدم الإفراج عنه إلا بعد الإفراج عن كافة الأسرى القدامى القابعين في السجون الصهيونية، مؤكدةً أنها لا تتوقع من الجانب الصهيوني أي شيء؛ لأن وعوده دائمًا كاذبة.
