كثُر في الآونة الأخيرة الحديث عن عقد المؤتمر السادس لحركة "فتح" كرافعة لإنقاذ الحركة، وإعادة لمِّ شملها وكأنه الدواء السحري الذي سيشفي "فتح" من أمراضها المعضلة، لكن بعض المراقبين بأحوال حركة "فتح" يقولون إن من الأفضل للحركة ألا تعقد مؤتمرها؛ لأنه في حال انعقاده في أجواء كهذه سيكون بمثابة إعلان شهادة وفاة للحركة، وليس لملمة لصفوفها وتياراتها المختلفة.
تشير آخر المعلومات إلى أن حركة فتح قررت أخيرًا وبعد عشرين عامًا من الصراع والتفكك عقد مؤتمرها السادس في الحادي والعشرين من شهر مارس المقبل، الذي يصادف ذكرى معركة الكرامة، مع التوجه بالتئامه في الأردن، بعضوية تتراوح بين 1200 – 1500 عضو.
وكانت اللجنة التحضيرية العليا للمؤتمر الحركي لفتح على مدار ثلاثة أيام من نهاية الأسبوع الماضي في عمَّان برئاسة مسئول مكتب التعبئة والتنظيم في الحركة محمد غنيم "أبو ماهر"؛ لاستكمال الترتيبات النهائية لعقد المؤتمر الذي قالت اللجنة إن عقده تزامنًا مع "ذكرى معركة الكرامة المؤرخة في الحادي والعشرين من شهر مارس المقبل تأكيدًا للعلاقات الفلسطينية- الأردنية"، حسب مصادر في اللجنة.
وقالت المصادر إن المقترح الخاص بمكان عقد المؤتمر يدور بين الأردن ومصر، مع ترجيح عقده في الأردن"، لافتةً إلى أن "كافة الترتيبات النهائية قد اتُخذت تقريبًا بشأن عقد المؤتمر في الوقت المنسب به؛ تمهيدًا لرفعها إلى اللجنة المركزية التي ستجتمع قريبًا لاتخاذ قرار نهائي بشأنها".
وأوضحت أن "اللجنة استقبلت خلال يومين من اجتماعاتها في عمان جزءًا من الأسماء الواردة من الأقاليم في الداخل ومن الخارج بخصوص عضوية المؤتمر، على أن يصلها في أي وقت من الآن الجزء المتبقي من الأسماء تمهيدًا لتدقيقها وفق معايير العضوية التي بحثتها اللجنة مؤخرًا".
وينص النظام الداخلي للحركة على أن يمثل كل إقليم في المؤتمر بـ11 عضوًا، و"لأن العدد سيكون كبيرًا، فإن اللجنة التحضيرية للمؤتمر ارتأت أن يتراوح بين 1200 – 1500 عضو".
وأشارت المصادر إلى أن "اللجنة أنجزت البرنامج السياسي وبرنامج البناء الوطني والنظام الداخلي للحركة، إضافة إلى شروط العضوية التي تحدد معايير الانضمام كالنظر إلى موقع العضو في الحركة ووضعه وسيرته النضالية، فيما توشك على الانتهاء من الملف المتعلق بعضوية المؤتمر".
ونفت "وجود خلافات بشأن القضايا المتعلقة بالتحضير للمؤتمر، وإنما وجهات نظر متباينة يتم التوصل بالحوار إلى قواسم مشتركة بينها"، لافتةً إلى أن "اللجنة في توافق تام حول الوثائق الأساسية المتصلة بالمؤتمر".
وتدَّعي اللجنة دومًا- ورغم إدراكها حقيقة الصراع بين تيارات فتح- أن "الأوضاع في الأراضي المحتلة والترتيبات، وليس الخلافات، هي التي تقف وراء عدم عقد المؤتمر حتى الآن منذ أن بدأت التحركات في هذا الاتجاه، مع الحرص على إنهاء كل الملفات وكافة الأوراق للذهاب بجاهزية كاملة للمؤتمر".
سيناريوهات ثلاثة
وبين قرار الانعقاد وهاجس الفشل الذي يسود أوساط عدد كبير من أبناء فتح، يرى بعض المراقبين أن الواقع الفلسطيني والوضع الداخلي لحركة فتح، إضافة إلى الظرف الإقليمي والدولي المحيط بها، قد يضع مستقبل المؤتمر السادس للحركة أمام ثلاثة سيناريوهات.
وحسب المراقبين فإن السيناريو الأول يتمثل في التأجيل واستمرار عملية التفكك؛ بسبب "الخلاف الجدي الحاصل بين عدد من أقطاب فتح التاريخيين، مثل فاروق القدّومي وهاني الحسن وغيرهما مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس".
وأرجع بعض المراقبين هذا الاحتمال إلى "عدم نضج التسويات الداخلية بين مختلف التيارات المتناحرة، وخشية بعض الأطراف النافذة في فتح من احتمالات الخسارة، أو خشية أطراف خارجية من صعود تيار المقاومة على حساب تيار السلطة والتسوية".
![]() |
|
د. عصام عدوان |
وفي هذا الجانب شكك الدكتور عصام عدوان الخبير في شئون حركة فتح عقد المؤتمر في موعده المقرر، مشيرًا إلى تكرار الدعوة مسبقًا وعدم القدرة على تنفيذها، وفيما ألمح عدوان إلى أن الدعوة الأخيرة تحمل في طياتها بعض الجدية بالنظر إلى حديث القيادي في حماس خالد مشعل عن التوجه لتشكيل مرجعية وطنية بديلاً عن منظمة التحرير؛ توقع عدم عقده بسبب حالة التردي والضعف وتعدد التيارات التي تعايشها وتشهدها فتح، مضيفًا: "لذا أتوقع التأجيل لعدة شهور أخرى".
وأثبتت الأحداث الأخيرة والحرب التي شنها الصهاينة على قطاع غزة أن حركة فتح غير قادة على اتخاذ أي من القرارات على كافة المستويات؛ بسبب القيادة التقليدية للحركة وغير المؤهلة لاتخاذ أي من القرارات الجدية والإستراتيجية.
تيار مهيمن
وأوضح د. عدوان لـ(إخوان أون لاين) أن فتح مخطوفة من قِبَل تيار مهادن مع الكيان الصهيوني، ومتسبب في عدم انعقاد المؤتمر، مشددًا على أن عدم انعقاد المؤتمر يخدم مصالح وأغراض هذا التيار والذي يهيمن على جميع الهيئات القيادية لفتح.
ويرى د. عدوان أن عقد المؤتمر هو لمصلحة فتح وبرنامج المقاومة الفلسطينية والتخلص من تيار التسوية، مضيفًا: "دائمًا حركة فتح تستعيد حيويتها كلما عقدت مؤتمرًا عامًا، وقد تتعافى مما لحق بها من أمراض وتصدع في حال انعقاد المؤتمر السادس، وطُرد الفريق الذي لا يريد الخضوع لشعبنا الفلسطيني ومتطلباته الوطنية".
ويتمثل السيناريو الثاني في تكريس برنامج التسوية "الذي لا تختلف بشأنه التيارات المهيمنة في فتح، وإنما حول من يقود هذا البرنامج وكيف تتم إدارته في المرحلة القادمة".
غير أن حظوظ هذا السيناريو- بحسب المراقبين- "قد تتراجع بسبب احتمال غياب عدد من أقطاب فتح التاريخيين، كما أن هناك الكثير من عناصر فتح تنتقد مسار التسوية؛ الأمر الذي قد يفسح المجال للطعن بشرعية قرارات المؤتمر وقانونيتها، أو تعرض فتح للانشقاق".
ويقوم السيناريو الثالث على انعقاد المؤتمر والمزاوجة بين المقاومة والمفاوضات "والتوافق على ضرورة لمِّ شمل فتح لدعم شرعية عباس، والتقاء التيارات الفتحاوية المتصارعة على أساس برامجي مبني على حلٍّ وسط".
ويعتقد د. عدوان أنه قد تجري عملية ترضية بين التيارات داخل فتح وإيجاد قواسم مشتركة، واللجوء إلى اتخاذ صيغ عمومية فيما يتعلق ببرنامج المؤتمر؛ بحيث تحتاج هذه الصيغ إلى جلسات ومؤتمرات عدة من أجل وضع النقاط على الحروف.
وأضاف: "ستكون القرارات فيما يتعلق بالبرنامج في ظاهرها منسجمة مع تاريخ فتح النضالي، ولكن في حقيقتها وعلى أرض الواقع منسجمة مع التيار الخاطف للحركة والمنغمس في مشروع التسوية.
وفيما يتعلق بإمكانية مساهمة المؤتمر في توحيد أطر وتيارات فتح استبعد د. عدوان إمكانية أن تجرؤ حركة فتح ذات التاريخ النضالي على أخذ قرارات تتبنى استراتيجيات جديدة تعارض تاريخها، مرجحًا أن تعمل قيادة الحركة على جسر الهوة بين التيارات ومع جميع حركات المقاومة الأخرى على أمل التخلص من المرض التي تعانيها.
منظمة التحرير
وتوقع د. عدوان أن يكون ملف إصلاح منظمة التحرير من أهم الملفات المطروحة على طاولة المؤتمر؛ بحيث يتم إفساح المجال لحركتي فتح وحماس لدخولها والانخراط في مؤسساتها، مشددًا على أن القرار بهذا الشأن بيد قيادة فتح التي تهيمن على جميع الهيئات القيادية للحركة.
![]() |
|
اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية |
وتعيش الحركة حالة من الصراع المحتدم و"كولسات وتحالفات" ما بين أعضاء القيادة العليا للحركة المتمثلة بأعضاء اللجنة المركزية؛ خاصة ما بين مفوض عام حركة فتح أحمد قريع والرئيس الفلسطيني المنتهية ولايته القائد العام للحركة محمود عباس، رغم المصالحة التي تمت بينهما على يد أبو ماهر غنيم قبل أسابيع في عمان.
وتتحدث أوساط فتحاوية عن أن الصراع بات ما بين النهج العرفاتي- نسبة للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات- ويقوده قريع وما بين النهج العباسي- نسبة لمحمود عباس-.
وحسب مصادر مطلعة في حركة فتح فإن اللجنة المركزية منقسمة ما بين فريق "يرقص" مع عباس، وآخر "يرقص" مع قريع، والضحية الحركة.
ويوجد في حركة فتح اليوم- وحسب المراقبين- أكثر من عشرة تيارات متناقضة، تختلف مصالحها وولاءاتها، ففي داخل اللجنة المركزية للحركة يوجد ثلاثة تيارات هي: تيار محمود عباس، وتيار هاني الحسن، وتيار عباس زكي، والتباينات بين هذه التيارات الثلاثة كبيرة وشاسعة.
أما داخل المجلس الثوري للحركة فإن الصورة أكثر قتامة من حيث تعدد جماعات المصالح والتوجهات المختلفة ومنها: تيار أحمد حلس وتيار محمد دحلان، وآخر أمني بحت يمثله توفيق الطيرواي، وتيار عزام الأحمد الذي بدأ يفقد ثقله داخل المجلس الثوري وتيار نبيل عمرو، ولكن الملاحظ داخل المجلس الثوري هو ولادة تيار جديد هو تيار سلام فياض، واستهداف وإضعاف تيار أصيل داخله هو تيار مروان البرغوثي.
وقد يستغرب البعض من أن يكون داخل المجلس الثوري لحركة "فتح" تيار يتبع سلام فياض الذي لا ينتمي لفتح أصلاً، ولكن -وكما يصفها محللون- فهذه "فتح" دائمًا تتعدد فيها الولاءات للخارج تبعًا للمصالح، ولعل هذا ما دفع تيارات داخل "فتح" إلى انتقاد الاجتماعات التي يعقدها فياض مع قيادات وكوادر الحركة، ويعتبرونها اختراقًا للحركة وشراء ولاءات قياداتها، فسلام فياض يستخدم سلاحي الأمن والمال في فرض سطوته على جهات داخل "فتح".

