أكد خبراء القانون الدولي أن محاكمة القادة الصهاينة داخل مصر على ما ارتكبوه من جرائم حرب وإبادة أثناء عدوانهم على غزة ممكنة؛ حيث إن مصر طرفٌ في جميع الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف وروما، بالإضافة إلى أن الدستور المصري ينص على أن المحاكم المصرية ملزمة بتطبيق كافة نصوص المعاهدات التي وقَّعت عليها مصر وأن تلك المحاكمة لا تمس سيادتها.
وأدان المشاركون في الصالون السياسي للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين مساء أمس تحت عنوان "محاكمة قادة العدو الصهيوني أمام محكمة الجنايات الدولية" إغفال منظمات حقوق الإنسان المصرية والعربية محاكمةَ مجرمي الحرب الصهاينة؛ في حين اهتمت منظمات حقوق الإنسان الغربية بهذه القضية بشدة، مطالبين بضرورة توحد الجهود في اتجاه توثيق الجرائم الصهيونية في غزة.
وشدَّد المستشار حسن أحمد عمر خبير القانون الدولي على أن الجهل بالأوضاع القانونية فوَّت على الفلسطينيين فرصة وقف المجزرة الصهيونية على غزة؛ حيث إن مساحة قطاع غزة- طبقًا لقرار تقسيم فلسطين عام 1948م- أوسع كثيرًا من المساحة الحالية، وعليه فإن صواريخ المقاومة التي تُطلَق على أراضي جنوب الكيان هي في حقيقة الأمر تُطلق داخل حدود القطاع.
المستشار حسن أحمد عمر

وفي سؤال بشأن اختصاص المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة الصهاينة على الرغم من أن الكيان ليس عضوًا فيها؟! أجاب عمر بأن اتفاقية روما عام 2000م حدَّدت 4 استثناءات تجعل اختصاص المحكمة ومدَّعيها العام وجوبيًّا دون النظر لمجلس الأمن أو لتصديق الكيان على اتفاقية روما من عدمه؛ حيث تسمح المادة 2 من ميثاق روما للمحكمة بنظر أي قصف أو عدوان على أحد مقار الأمم المتحدة أو وكالاتها، وهو ما رآه العالم بأسره في غزة.
وأضاف عمر أن الاستثناء الثاني يتمثل في القرار رقم 3103 لحماية حقوق المناضلين في الأراضي المحتلة، والثالث خاص بالوصاية، وتنص اتفاقية جنيف الرابعة في هذا الشأن على أن الدولة الحامية لإقليم محتل مسئولة عن حماية انتهاك واستباحة هذا الإقليم، وعليها مساعدته لنيل استقلاله، والدولة الحامية لفلسطين هنا هي الأمم المتحدة.
![]() |
|
جانب من الحضور |
وعن اتفاقية جنيف الثالثة يقول إنها تنص على محاكمة مبدئية للجنود المتهمين بارتكاب جرائم حرب؛ للتأكد من كونهم جنودًا مرتزقةً أو لا؛ لأنه لو ثبت عليهم كونهم مرتزقةً لوجبت محاكمتهم.
ودعا عمر إلى تشكيل لجنة تحقيق دولية في تفجيرات 11 سبتمبر لتوضيح العلاقة بين الأسلحة المستخدمة فيها والأسلحة التي استخدمها الكيان في عدوانه على غزة، رابطًا ذلك بحادث سقوط طائرة شركة "العال" الصهيونية على أمستردام عام 1994م، وما نتج من ذلك من حرائق وأدخنة تشبه إلى حدٍّ كبير تلك المتصاعدة نتيجة القصف الصهيوني على غزة.
كما طالب بعرض الجرحى الفلسطينيين في مصر والأقطار العربية على الطب الشرعي لبيان إصاباتهم والأسلحة المستخدمة ضدهم، وهو ما يشكِّل أدلةً ووثائقَ عمليةً تفيد مستقبلاً عند تقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية؛ لأن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم.
وطالب منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية بتشكيل لجنة إشرافية عليا؛ يكون لها مفوَّض عام يذهب للتعاون مع الدول التي تبحث في محاكمة الصهاينة وإمدادهم بالوثائق اللازمة، مبرِّرًا ذلك بأن القضاء الدولي أفضل للقضية من أي قضاء محلي؛ لأنه سيكون بعيدًا عن تهم المحاباة لصالح الفلسطينيين، كما أنه عمليًّا أوقع في الإعلام الغربي.
"أكون أو لا أكون"
ومن جانبه أكد الدكتور عبد الله الأشعل أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق أهمية توثيق جرائم الصهاينة؛ ليس بغرض استخدامها في الوقت الحاضر، ولكن لأن الصراع بيننا وبينهم قائم، ونهايته بالنسبة لنا أو لهم "أكون أو لا أكون".
وأشار إلى أن ما حدث في غزة من مجازر يمكن أن يصنَّف تحت كل أنواع الجرائم التي يحرِّمها القانون الدولي الإنساني، وهى جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والعدوان، مشدِّدًا على أن فكرة الجريمة والإبادة من الأدوات الطبيعية للمشروع الصهيوني القائم على التهجير والإبادة والإحلال.
د. عبد الله الأشعل

وأوضح أن الكيان الصهيوني لم يأتِ ليبني، ولكن ليقطع أوصال المنطقة، ويكون سرطانًا في جسد الأمة، مشيرًا إلى أن سيطرته على العقل المصري تحديدًا هي أهم خطواته إلى ذلك لتحقيق أهدافه.
وأعرب د. الأشعل عن تعجّبه مِن رفض المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية أوكامبو قبول شكاوى تدين الكيان بارتكاب جرائم حرب في غزة، وتطالبه بالتحقيق فيها؛ في حين لم يتوانَ لحظةً واحدةً في قبول الشكوى المقدَّمة ضد السودان.
وأشاد بالصمود الأسطوري لأهل غزة وعدم تركهم لأراضيهم؛ في سابقة هي الأولى في تاريخ البشرية حين يواجَه شعبٌ أعزل بتلك القوة المفرطة، ولا يثنيه ذلك عن التمسك بأرضه وبخيار المقاومة، مستنكرًا في الوقت ذاته إصرار ما يسمَّى بمحور الاعتدال على المفاوضات مع الكيان، متسائلاً: "كيف يمكن إقامة سلام مع هذا العدو الذي لا يقيم وزنًا لأي اتفاقيات؛ أهي المعاهدات أم الإرادة السياسية؟!".
وأكد د. الأشعل الدور المهم للبرلمانيين في التذكير الدائم بالمعاهدات والمواثيق الدولية التي تلزم مصر بتعديل سياساتها، وخاصةً مع توافر موقف عربي رسمي في قمة الكويت؛ الأمر الذي يشكِّل إطارًا حاميًا ومشجِّعًا لجهود منظمات المجتمع المدني.
شارك في الصالون الدكتور سعد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين والدكتور أحمد دياب الأمين العام للكتلة والدكتور حمدي حسن الأمين العام المساعد والدكتور أحمد أبو بركة عضو الكتلة، وأدارها صبحي صالح.
