جاءت الدعوة التي وجهها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية حماس يوم الأربعاء 28/1/2009م، لتأسيس مرجعية سياسية جديدة للشعب الفلسطيني، كمحاولةٍ لتصحيح المسار الفلسطيني وإعادة ضبط عجلات قطاره على قضبان المقاومة في مواجهة محاولات تعديل مسار القطار الفلسطيني لتسير على خط التسوية الوهمية مع الكيان الصهيوني، ما يؤدي بالقطار إلى الهاوية التي يحاول الصهاينة- وتابعوهم على الساحة الفلسطينية- جاهدين دفع القطار إليها بكل الوسائل السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وقد جاءت الدعوة التي أطلقها مشعل في إطار احتفالية شهدتها العاصمة القطرية الدوحة تحت عنوان "وانتصرت غزة"؛ وهو الأمر الذي ينطوي على العديد من الدلالات الخاصة بالعلاقة بين تلك المرجعية الجديدة وبين ما تحقق في قطاع غزة منذ أيام من انتصار للمقاومة الفلسطينية بقيادة حماس على الكيان الصهيوني بقواه العسكرية ومخططاته السياسية.
ومن الضروري في هذا الإطار محاولة إلقاء الضوء على الأبعاد المختلفة التي حدت بمشعل إلى الإعلان عن ذلك الاتجاه الذي وصفه بأنه "مفاجأة" تهدف إلى بناء مرجعية جديدة بعدما تحولت منظمة التحرير الفلسطينية "إلى إدارة لانقسام البيت الفلسطيني"، بل وإلى عائق في سبيل استعادة الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة من الكيان الصهيوني بعدما كبلته الشخصيات القائمة على المنظمة باتفاقات قيل زورًا عنها إنه تم توقيعها باسم الشعب الفلسطيني.
لماذا الآن؟!
خالد مشعل

لقد أعلن مشعل أن هناك العديد من الفصائل الفلسطينية تنوي بناء مرجعية جديدة للشعب الفلسطيني بدلاً من منظمة التحرير الفلسطينية.
ويرجع هذا التحرك إلى أن المنظمة لم تعد قادرةً على تحمُّل مسئولية القضية الفلسطينية لانحرافها عن طريق المقاومة إلى طريق التسوية الوهمية التي لم تقد في النهاية إلا إلى الانقسام الفلسطيني؛ الذي يحاول الصهاينة ومن وراءهم الغرب استغلاله لتصفية القضية الفلسطينية، إما بتكريسه لإدخال القضية الفلسطينية في التيه، أو محاولة تغليب الطرف الموالي لهم على الساحة الفلسطينية، وهو الأمر الذي يؤدي أيضًا إلى تصفية القضية الفلسطينية بصورة نهائية.
ولكن لماذا الآن؟! يُمثل التوقيت عاملاً مهمًّا في أي مخطط يتم سواء كان شأن هذا المخطط عظيمًا أم قليلاً؛ فما بالنا بمخطط يرمي إلى تحقيق وحدة الصف الفلسطيني في مواجهة العدوان الصهيوني على الأرض والمقدسات الإسلامية؟!
فإعلان خالد مشعل عن ذلك الاتجاه جاء في إطار إحدى الاحتفاليات بما تحقق في غزة من الانتصار السياسي والميداني لتيار المقاومة على الكيان الصهيوني والتيار الموالي له على الساحة الفلسطينية بالتبعية، وهو التيار الممثل في جماعة الانقلابيين في حركة فتح، والتي تسيطر على السلطة الفلسطينية وتمسك بقياد منظمة التحرير الفلسطينية.
فالانتصار الذي شهده القطاع جاء ضد كل محاولات الصهاينة والغرب إنهاء حركة حماس؛ وهي المحاولات التي لاقت دعمًا من تيار الانقلابيين وتمثلت في الحصار السياسي برفض الحوار مع الحركة أو الحصار الاقتصادي المفروض على القطاع أو من خلال العدوان الصهيوني الأخير الذي انتهى إلى فشل صهيوني فادح.
أي أن ما حققته المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها كتائب الشهيد عز الدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، جاء ضد القوى الداخلية والخارجية الرافضة لتيار المقاومة والداعية لتسوية لا طائلَ من ورائها وفق ما أثبتته الأيام وتطورات الأمور، وبالتالي بات من حق المقاومة أن يكون لها تمثيل على الساحة الفلسطينية في مواجهة تيار التسوية الاستسلامية.
وهو ما يجعل إعلان مشعل عن التوجه لإنشاء تلك المرجعية تكريسًا سياسيًّا لانتصار المقاومة الذي لم يكن ليوجد لولا المناخ الذي صنعته حركة حماس في قطاع غزة، والذي مثل حاضنة للمقاومة تحميها من كل تيارات التسوية.
ظهير سياسي
خالد البطش

ويؤيد هذا الرأي ما أعلنته حركة الجهاد الإسلامي من موافقة على ضرورة البحث عن مرجعية جديدة للشعب الفلسطيني تكفل له حماية خياره الوحيد وهو المقاومة، فقد أشار خالد البطش القيادي في حركة الجهاد الإسلامي إلى أن الحركة تؤيد فكرة تشكيل مرجعية وطنية جديدة لـ"فصائل المقاومة الفلسطينية"؛ وذلك "باعتبار أن منظمة التحرير تتبنى خيار التسوية في الوقت الراهن"، موضحًا في الوقت نفسه أن الحركة ترفض إلغاء المنظمة أو إيجاد بديل لها.
كذلك يأتي كلام أنور رجا المسئول الإعلامي في الجبهة الشعبية- القيادة العامة ليؤكد الحاجة الماسة لوجود مرجعية فلسطينية تعبر عن خيار المقاومة، فقد قال إن هذه الدعوة تمثل "سياسة منبثقة عن قراءة دقيقة للواقع الذي أفرزته حرب غزة"، معتبرًا أن الشعب الفلسطيني "بحاجةٍ لمن ينطق باسمه ويعبر عن إرادته المقاومة"، كذلك أشار إلى أن الساحة الفلسطينية في الفترة الحالية تعاني من فراغ سياسي نتيجة لحالة "الموت السريري" الذي تمر به منظمة التحرير الفلسطينية.
وهذان الرأيان، بخاصة تصريحات خالد البطش، يتفقان مع قواعد الديمقراطية التي ينادي بها الجميع على الساحة الفلسطينية، فطالما كان هناك تيار للمقاومة فيجب أن يجد هذا التيار الظهير السياسي الذي يستند إليه حمايةً له ومنعًا للتيار المنادي بالسلام من الاستئثار بالساحة السياسية الفلسطينية والتحكم فيها.
كما أن الدائر حاليًّا من مفاوضات حول الحوار الوطني الفلسطيني يحتم إنشاء مرجعية جديدة، فقد نادت حركة حماس بضرورة إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس وطنية من أجل ضمان فعالية ونجاح الحوار الوطني الفلسطيني.
إلا أن القائمين على شئون المنظمة رفضوا إجراء تلك الإصلاحات، وقد استدعى ذلك الموقف المتصلب أن تعلن حماس عن نية إنشاء المرجعية البديلة، وقد عبر خليل الحية القيادي في حماس عن هذه النقطة في احتفالية بالانتصار يوم الجمعة الماضي في غزة بقوله إن حركة حماس دعت كثيرًا للحوار، وطالبت بإعادة بناء المنظمة "إلا أن أصحاب المقاطعة السوداء في رام الله وضعوها في ثلاجة الموت واستحضروها في وقت التنازلات".
الجانب الآخر!!
كذلك يأتي التوقيت مناسبًا من زاوية أخرى وهي زاوية التيار الذي ضبط حساباته على التقويم الصهيوني، فقد كشف العدوان الصهيوني على غزة الغطاء الذي حاول ذلك التيار التواري خلفه من كونه يسعى للوحدة الفلسطينية.
عزام الأحمد

ففي أعقاب فشل العدوان الصهيوني، خرج رئيس كتلة فتح البرلمانية عزام الأحمد ليزعم- في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" خلال برنامج "في الصميم"- أن قطاع غزة لم يكن يعاني من نقص في الأدوية أو الأغذية خلال الفترة السابقة على العدوان الصهيوني على القطاع!!.
على الرغم من أن وكالة الأونروا- وغيرها من الوكالات الإغاثية- أعلنت أن قطاع غزة على شفا أزمة إنسانية قبل الحرب الصهيونية، وهو الأمر الذي يوضح الغياب التام للعقلانية عن المسئولين في حركة فتح؛ مما يعني أن أولئك المسئولين لم يعودوا يتمتعون بالقدر الكافي من الرشادة لقيادة الشعب الفلسطيني؛ الأمر الذي يحتم إنشاء مرجعية بديلة تتمتع بالشعبية والمصداقية و"العقلانية"، وهي الصفات التي يبدو واضحًا للعيان أنها مفقودة لدى قيادة منظمة التحرير الفلسطينية!.
كذلك فإن منظمة التحرير الفلسطينية لم تقم خلال العدوان الصهيوني الفاشل على قطاع غزة بالدور المطلوب منها كـ"ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني" كما يدعوها أنصار التيار الاستسلامي.
فالمنظمة لم تهب للدفاع عن المواطنين الفلسطينيين في قطاع غزة، وتركتهم أمام الدبابات الصهيونية أملاً في أن ترتقي على جماجمهم لتعتلي عرش السلطة في القطاع، وهو الأمل الذي خاب بعدما انتصرت المقاومة.
وإلى جانب ذلك، فقد أظهرت الأيام أن تبني منظمة التحرير الفلسطينية لطريق السلام الوهمي بدلاً من خيار المقاومة أن هذا الطريق سيؤدي بالقضية الفلسطينية في النهاية إلى مقابر القضايا الوطنية التي باعها أصحابها مقابل مكاسب مادية وسياسية شخصية لا علاقةَ لها بالإطار العام للقضية الفلسطينية، فالمنظمة لم تدع المجلس الوطني لها للانعقاد منذ العام 1993م؛ وذلك وفق ما قاله شفيق الحوت ممثل المنظمة السابق في بيروت والقيادي البارز في حركة فتح.
فما قامت به قوات الاحتلال الصهيونية من اقتحام لسجن أريحا في العام 2006م لاختطاف أحمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- إحدى الفصائل الرئيسية في منظمة التحرير الفلسطينية- يوضح أن ما قامت المنظمة بتوقيعه مع الصهاينة من اتفاقات لا يعني الكيان الصهيوني في شيء لأن المنطقة التي كان السجن يقع فيها تخضع لـ"سيطرة" السلطة الفلسطينية!!!
ويمكن الإشارة إلى بعض ردود أفعال قياديين في فصائل بمنظمة التحرير الفلسطينية على دعوة مشعل.
محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته

فعلى الرغم من شفيق الحوت قال إنه لا يوافق على إلغاء منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا مفهوم لأن حركته العضو الرئيسي في المنظمة، إلا أنه أعلن أنه يؤيد مطالبة حماس بالبحث عن مرجعية جديدة للشعب الفلسطيني، كما حَمَّلَ رباح مهنا القيادي البارز في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين رئيسَ السلطة الفلسطينية المنتهية ولايته محمود عباس وعددًا من المتعاونين معه مسئولية تعطيل منظمة التحرير لأسباب شخصية تتعلق بعباس وزمرته مطالبًا بـ"إصلاح فوري" لها.
أي أن هناك إقرارًا من داخل منظمة التحرير الفلسطينية بأن المنظمة نفسها لم تعد قادرةً على الوفاء بتطلعات الشعب الفلسطيني وأنها أصبحت عاجزة عن حمل عبء المقاومة التي تمثل التيار الرئيسي في الشارع الفلسطيني ولم تعد تعبر إلا عن مصالح فئة ضيقة من المسيطرين على حركة فتح وبالتالي منظمة التحرير الفلسطينية.
إذن، الدعوة إلى إنشاء مرجعية جديدة للشعب الفلسطيني تضم فلسطينيي الداخل والخارج هي دعوة تلقى الكثير من الصدى في نفوس القيادات الفلسطينية على اختلاف تياراتها، إلى جانب الاستجابة الواسعة التي لاقتها هذه الدعوة من جانب شرائح عديدة داخل الشعب الفلسطيني، وهي الاستجابة التي تمثلت في مظاهرات التأييد الحاشدة للدعوة والتي خرجت في قطاع غزة منددة بالموقف المتخاذل لمنظمة التحرير الفلسطينية ضد العدوان الصهيوني، والذي وصل إلى حد التواطؤ مع جيش الحرب في عدوانه على غزة.
فعلى سبيل المثال امتنعت قناة (فلسطين) الفضائية التابعة للسلطة عن تقديم الدعم للمقاومة الفلسطينية، فلم تشر إلى الصواريخ التي تطلقها المقاومة على الكيان الصهيوني وتجاهلت البطولات الميدانية الرائعة التي قامت بها المقاومة في تصديها للاحتلال الصهيوني.
كل هذا يوضح أن المقاومة الفلسطينية باتت في حاجة إلى ظهير سياسي يقدم لها الدعم ويعمل على بلورة أهدافها وصياغة تضحياتها في صورة تصب في صالح القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني بأسره في الداخل والخارج، وهو الدور الذي ظهر جليًا خلال حرب غزة- وقبلها وبعدها- أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تعد قادرة على القيام به، وذلك بعدما سلمت قيادها لساسة صاغوا الأجندة السياسية الفلسطينية وفق أهوائهم الشخصية وربطوا تلك الأجندة بمخططات الاحتلال الصهيوني فما عادوا يستحقون البقاء في المشهد السياسي الفلسطيني.