من الأهمية دائمًا العودة لأصول المسائل، حتى نستوعب ما يدور الآن، وحتى لا نكرر أخطاء الماضي:
انطلق الميثاق الوطني الفلسطيني الصادر في عام 1968م من ذات الثوابت التي حكمت الشعب الفلسطيني والمقاومة الفلسطينية منذ فجر المشروع الصهيوني في المنطقة، أي منذ بداية القرن العشرين.
وأهم ما يتضمنه الميثاق هو:
* إن فلسطين، كل فلسطين أرض عربية.
* وإن دولة إسرائيل غير مشروعة ولن تكون.
* وإن المقاومة المسلحة هي الطريق الوحيد لاسترداد الأرض.
من هذا المنطلق المبدئي انطلقت (م.ت.ف) في حركتها منذ 1965 وإلى ما بعد عام 1982،
ففي عام 1982 اجتاحت القوات الصهيونية بيروت وأمرت بإخراج كل القوات الفلسطينية من لبنان بعيدًا عن الحدود "الإسرائيلية" وإلا سترتكب مذبحة، فخرجوا في ظل صمت عربي وتواطؤ دولي كالمعتاد وتم نفي القيادة إلى تونس.
في تونس مورست كل أنواع الضغط على أبو عمار ورفاقه، وتم تسويتهم على نار هادئة من أجل دفعهم إلى التسوية مع "إسرائيل"؛ الأمر الذي نجح في النهاية، وتم إخضاع إرادتهم وأوصلهم إلى توقيع اتفاقيات أوسلو في عام 1993.
ما هي خلاصة اتفاقيات أوسلو:
* هي التنازل عن فلسطين 1948.
* والاعتراف بمشروعية دولة "إسرائيل" وحقها التاريخي في هذه الأرض.
* والقبول بأن فلسطين هي الضفة الغربية وغزة فقط.
* والتنازل عن المقاومة المسلحة كطريق لتحرير الأرض المحتلة (الضفة وغزة).
* واعتماد طريق المفاوضات طريقًا وحيدًا للحل.
* ونزع السلاح الفلسطيني وتفكيك أي بني عسكرية فلسطينية.
* والاكتفاء بقوات شرطة قوامها 9000 جندي في الضفة وغزة معًا، تسلم قوائم بأسمائها إلى "إسرائيل".
* مجمل تسليحها لا يتعدى 7 آلاف قطعة سلاح شخصية خفيفة و120 مدفعًا رشاشًا من عيار 3 بوصة و5 بوصة و45 عربة مدرعة ذات عجلات من طراز يتفق عليه الجانبان.
* واعتبار أي سلاح ما عدا ذلك هو سلاح غير مشروع يجب نزعه.
* واعتبار أي شخص يحمل السلاح غير أفراد الشرطة إرهابيًّا.
* والتزام فلسطيني بتنظيف الأرض من أي أعمال أو منظمات إرهابية فيما أسموه بالبنية التحتية للإرهاب.
* وأن يتم ذلك من خلال لجنة التنسيق الأمني الفلسطيني- "الإسرائيلي" المشترك.
ماذا أخذت السلطة الفلسطينية في المقابل:
* وعدًا بالانسحاب التدريجي مع إعادة انتشار لقوات الاحتلال في مساحات محدودة.
* وأن يتم الانسحاب بشكلٍ متناسب مع إنجاز السلطة الفلسطينية لمهماتها الأمنية.
* وأن يتم التفاوض على مراحل وصولاً إلى مفاوضات الحل النهائي التي لم يصلوا لها أبدًا ولن يصلوا.
* في هذه الأثناء ستتولى "إسرائيل" مسئولية الدفاع وستسيطر على الحدود مع مصر والأردن وعلى المعابر والطرق الرئيسية والمياه الإقليمية والمجال الجوي.
* وستحتفظ بعددٍ من المغتصبات في الضفة الغربية وستتكفل قواتها بحمايتهم.
* وتؤجل قضايا القدس واللاجئين والحدود والمياه... إلخ إلى الحل النهائي.
* وفي جميع الأحوال ستكون الدولة الفلسطينية إن قامت دولة منزوعة السلاح.
المباركة الدولية والعربية:
* باركت الولايات المتحدة وشرعياتها الدولية هذه الاتفاقية فورًا من حيث هي أول اعتراف فلسطيني على مدى قرن كامل بثلاثة أمور:
* شرعية "إسرائيل".
* يهودية فلسطين 1948.
* نبذ المقاومة المسلحة كطريق للتحرير.
وبدأت حركة صهيونية أمريكية دءوبة لإعادة ترتيب كل الأوراق انطلاقًا من الثوابت الفلسطينية الجديدة ورتبوا نتائج خطيرة على هذه الثوابت، كان أهمها:
* أن أصبح كل من لا يعترف بإسرائيل إرهابيًّا.
* وكل من يطالب بباقي فلسطين إرهابي.
* وكل من يقاوم الاحتلال إرهابي، يجب استئصاله وتصفيته واغتياله.
* وبالطبع غير معترف به ومحظور التفاوض معه.
* وأصبح سلاح المقاومة غير مشروع.
* وصواريخها إرهابية مجرمة.
* وأصبح العدوان على غزة دفاعًا مشروعًا عن النفس.
* واعتبر منع السلاح عنها هو أولوية صهيونية وأمريكية ودولية قصوى.
هذه هي حكاية أوسلو وفيما يلي أسانيدها الموثقة:
أولاً من بنود الميثاق الوطني الفلسطيني الصادر عام 1968:
* المادة 9 "الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين وهو بذلك إستراتيجيًّا وليس تكتيكًا".
* المادة 19 "تقسيم فلسطين الذي جرى عام 1947 وقيام إسرائيل باطل من أساسه مهما طال عليه الزمن لمغايرته لإرادة الشعب الفلسطيني وحقه الطبيعي في وطنه".
* المادة 20 "يعتبر باطلاً كلٌّ من وعد بلفور وصك الانتداب وما ترتب عليهما وأن دعوى الترابط التاريخية والروحية بين اليهود وفلسطين لا تتفق مع حقائق التاريخ ولا مع مقومات الدولة في مفهومها الصحيح".
* المادة 21 "الشعب العربي الفلسطيني معبرًا عن ذاته بالثورة الفلسطينية المسلحة، يرفض كل الحلول البديلة من تحرير فلسطين تحريرًا كاملاً ويرفض كل المشاريع الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية أو تدويلها".
تم إلغاء هذه المواد ضمن 12 مادة أخرى من قبل المجلس الوطني الفلسطيني، بناء على طلب "إسرائيل" وتطبيقًا لاتفاقيات أوسلو وفي حضور الرئيس الأمريكي كلينتون في 14 ديسمبر 1998.
ثانيًا من نص خطاب اعتراف (م.ت.ف) بإسرائيل في 9 سبتمبر 1993:
* "تعترف منظمة التحرير بحق دولة إسرائيل في العيش في سلام وأمن".
* "إن المنظمة تلزم نفسها بعملية السلام في الشرق الأوسط وبالحل السلمي للصراع بين الجانبين، وتعلن أن كل القضايا الأساسية المتعلقة بالأوضاع الدائمة سوف يتم حلها من خلال المفاوضات.
وطبقًا لذلك فإن المنظمة تدين استخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى، وسوف تأخذ على عاتقها إلزام كل عناصر أفراد منظمة التحرير بذلك من أجل تأكيد التزامهم ومنع الانتهاكات وفرض الانضباط لمنع هذه الانتهاكات".
* "منظمة التحرير تؤكد أن بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تنكر حق إسرائيل في الوجود.. أصبحت الآن غير ذات موضوع ولم تعد سارية المفعول".
ثالثًا: من نصوص خطة تينت المُوقَّعة بين إسرائيل والسلطة في عام 2002:
* تبدأ السلطة الفلسطينية، فورًا، عمليات التحقيق واعتقال الإرهابيين في الضفة الغربية وغزة، وتزود اللجنة الأمنية بأسماء المعتقلين، فور اعتقالهم، وتفاصيل الإجراءات، التي اتخذت.
* تمنع السلطة الفلسطينية جميع أفراد قوات الأمن من التحريض، أو المساعدة، أو إعداد هجمات، على أهداف إسرائيلية، بما فيها المغتصبات.
* يلجأ ممثلو الأمن، الفلسطينيون والصهاينة، إلى اللجنة الأمنية، ليزود كل طرف الآخر، وممثلي الولايات المتحدة، معلومات عن نشاطات إرهابية، بما فيها معلومات عن إرهابيين، أو من يشتبه في أنهم إرهابيون، ينشطون في مناطق خاضعة لسيطرة الطرف الثاني، أو يقتربون من هذه المناطق.
على السلطة الفلسطينية، اتخاذ إجراءات رادعة، ضد الإرهابيين وأماكن اختبائهم، ومخازن الأسلحة، ومصانع إنتاج قذائف الهاون، وتقدم تباعًا، تقارير عن نشاطها هذا، إلى اللجنة الأمنية.
* تعمل السلطة الفلسطينية وحكومة إسرائيل بصرامة، لمنع أفراد، أو مجموعات، من استعمال مناطق تحت سيطرتهما، لتنفيذ أعمال عنف، ويتخذ الطرفان إجراءات تضمن أن لا تُستغل المناطق الخاضعة لسيطرتهما، لشن هجوم على الطرف الثاني، أو لتكون ملاذًا بعد تنفيذ عمليات هجومية.
يبذل رجال الأمن، الصهاينة والفلسطينيون جهودًا مشتركة في البحث عن أسلحة غير قانونية ومصادرتها، بما فيها القذائف والصواريخ والمواد المتفجرة، في المناطق الخاضعة لسيطرتها. وتُبذل جهود قصوى، لمنع تهريب وإنتاج غير قانوني للأسلحة.
رابعًا: نصوص من خريطة الطريق الأمريكية الموقعة في 2003:
* تنشر القيادة الفلسطينية بيانًا تعترف فيه بشكلٍ لا يقبل التأويل، حق "إسرائيل" بالعيش بسلام وأمن، وتدعو، فوراً إلى وقف الانتفاضة المسلحة وكل النشاطات العنيفة ضد الصهاينة في كل مكان، وتتوقف كل المؤسسات الفلسطينية عن التحريض ضد إسرائيل.
* تعمل الدول العربية بإصرار من أجل وقف التمويل الشخصي والشعبي للتنظيمات المتطرفة، وتقوم بتحويل دعوماتها للفلسطينيين عبر وزارة المالية الفلسطينية.
* يستكمل الصهاينة والفلسطينيون الاتفاق الأمني الجديد على أساس خطة تينت، بما في ذلك فيما يتعلق بإقامة جهاز أمني فعال ووقف الإرهاب والعنف والتحريض بحيث يتم تطبيق ذلك على أيدي الجهاز الأمني الفلسطيني الذي يعاد بناؤه بشكل فعال.
* يتواصل التعاون الأمني، وتصادر كافة الأسلحة غير القانونية ويتم تفكيك التنظيمات المسلحة بما يتفق مع الاتفاق الأمني.
خامسًا: من رسالة تطمينات الرئيس الأمريكي إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي في 14 أبريل 2004:
* "وفقًا لخارطة الطريق يجب أن يُباشر الفلسطينيون بوقف فوري للنشاط المسلّح وكل أعمال العنف ضد الإسرائيليين في أي مكان، كما يجب أن توقف كافة المؤسسات الفلسطينية الرسمية التحريض ضد إسرائيل".
* "يجب أن تعمل القيادة الفلسطينية بصورة حاسمة ضد الإرهاب، بما في ذلك عمليات مستدامة، ومركّزة، وفعّالة لوقف الإرهاب وتفكيك القدرات والبنى التحتية الإرهابية.
* "سوف لن يكون هنالك أمن للإسرائيليين أو الفلسطينيين إلى أن يتوحّدوا مع كل الدول في المنطقة وخارجها لمكافحة الإرهاب وتفكيك المنظمات الإرهابية".
* "تُعيد الولايات المتحدة التأكيد على التزامها القوي بأمن إسرائيل، بما في ذلك حدود آمنة يمكن الدفاع عنها، وحماية وتقوية قدرة إسرائيل على الردع والدفاع عن نفسها بنفسها ضد أي تهديد أو مجموعة من التهديدات المتوقّعة".
* "سوف تحتفظ إسرائيل بحقها في الدفاع عن نفسها في مواجهة الإرهاب، بما في ذلك القيام بأعمال ضد المنظمات الإرهابية".
* "سوف تقود الولايات المتحدة الجهود، وستعمل مع الأردن ومصر وآخرين في المجتمع الدولي لبناء قدرات وإرادة المؤسسات الفلسطينية على مكافحة الإرهاب، وتفكيك المنظمات الإرهابية، ومنع أن تُشكّل المناطق التي انسحبت منها إسرائيل خطرًا يجب معالجته بأية طريقة أخرى".
سادسًا: اتفاق فيلادلفيا بين مصر والكيان:
* تم توقيعه في أول سبتمبر 2005 بمناسبة الانسحاب الصهيوني من غزة وتم تعديله في 11 يوليو 2007 بعد استقلال حماس بغزة.
* وهو بروتوكول عسكري بالأساس.
* كما أنه ملحق أمني أضيف إلى اتفاقيات كامب ديفيد؛ أي أنه محكوم بمبادئها العامة وأحكامها.
* وهو ينص على أن تتولى قوة من حرس الحدود المصري في المنطقة المذكورة مهام منع العمليات الإرهابية ومنع التهريب عامة والسلاح والذخيرة على وجه الخصوص وكذلك منع تسلل الأفراد والقبض على المشبوهين واكتشاف الأنفاق وكل ما من شأنه تأمين الحدود على الوجه الذي كانت تقوم به إسرائيل قبل انسحابها.
سابعًا: من نصوص الاتفاقية الأمنية الأخيرة بين إسرائيل وأمريكا 16 يناير 2009:
* "وأن الأعمال العدائية والإرهابية، بما في ذلك تهريب السلاح، وتنمية قدرات الإرهابيين- على حد وصفهم- من تسليح وبنية تحتية، قد شكل تهديدًا لإسرائيل، وأن إسرائيل، مثل كل الأمم، لها حقها الكامل في الدفاع عن النفس، بما في ذلك الدفاع عن النفس ضد الإرهاب من خلال التحرك المناسب".
* "ورغبةً منا في تحسين الجهود الثنائية والجماعية لمنع المنظمات الإرهابية من حيازة السلاح، خاصةً تلك التي تدير غزة، مثل حماس".
* "ونؤكد على أن وقف إطلاق النار النهائي والدائم يعتمد على منع تهريب أو إمداد حماس في غزة بالسلاح، وهي منظمة إرهابية، وكل المنظمات الإرهابية الأخرى، وأن غزة يجب ألا تكون قاعدة تهاجم منها إسرائيل أبدًا".
الخلاصة:
إذن نحن أمام منظومة متكاملة من الاتفاقيات والتفاهمات والترتيبات، تمت صناعتها بمهارة على امتداد أكثر من 15 عامًا، بدأت بـ"أوسلو" و"بنيت" على أساس شرعيتها، بهدف تصفية المقاومة.
وأي رغبة جادة في التصدي للإستراتيجية الصهيونية الأمريكية الحالية الهادفة لنزع السلاح الفلسطيني عامة وسلاح غزة على وجه الخصوص لا يمكن أن تتم إلا بالانسحاب الفوري من اتفاقيات أوسلو التي تمثل الأساس والغطاء الشرعي للعدوان الصهيوني الأخير على غزة وأي عدوان قادم لا قدر الله، وأي حديثٍ آخر سيكون عبثيًّا.
-----------