"صوتنا وأقلامنا ستعلو صواريخكم".. بهذا الشعار عادت صحيفة (الرسالة) للصدور من جديد بعد تعرضها للقصف الصهيوني؛ الذي أتى على كل ما يحتويه مقرها الكائن بحي النصر غرب غزة في الثالث من يناير الجاري.
فبعد أسبوع واحد من عودة الحياة إلى طبيعتها في قطاع غزة وتوقف الحرب الصهيونية التي طالت الأخضر واليابس والعديد من وسائل الإعلام والصحفيين؛ عاد العاملون والصحفيون في الصحيفة ووسط تحدٍّ لعنجهية الاحتلال لاستنهاض مسيرة الصحيفة من جديد؛ حيث من المتوقَّع صدور أول أعدادها بعد الحرب اليوم الإثنين، وذلك رغم ركام المباني المدمرة والمتناثرة والتي تروي قصة نجاح كبيرة ومتميزة تسجَّل للصحيفة على مدار العشر سنوات الماضية.
أنقاض متناثرة
وأدخلت مشاهد أنقاض مبنى الصحيفة "الجديد" المتناثرة والمدمرة- إلى جانب مكاتبها وبعض أدوات الصحفيين- الحزنَ والأسى على قلوب العديد من الإعلاميين؛ الذين زاروا المقر المدمَّر للتعبير عن وقوفهم ومساندتهم للصحيفة وإدانتهم لما تعرضت له من العدوان.
واستنكر الصحفيون والعاملون في الصحيفة ما تعرَّض له مقرُّهم، معتبرين ذلك جريمةَ حرب جديدة متوافرة الأركان؛ تهدف لإخماد وإخفاء الحقيقة وتضاف لسجل الجرائم المدعومة أمريكيًّا.
وكانت طائرات الاحتلال الصهيوني أغارت على مقر الصحيفة بمدينة غزة ما أدى إلى تدميره، بالإضافة إلى تدمير البناية المكونة من خمسة طوابق، ويأتي قصف مقر الصحيفة بعد يومين من قصف وتدمير مماثل تعرض له مقر فضائية (الأقصى) القريب، كما تعرضت مكاتب إذاعة (صوت الأقصى) للتدمير في الرابع من يناير، كما أغار الطيران الصهيوني على مطبعة الرنتيسي التي تطبع الصحيفة في مدينة غزة؛ ما أدي إلى تدميرها واشتعال النيران فيها.
وقال شهود عيان إن مقر الصحيفة اشتعلت فيه النيران، كما أصيب 5 مواطنين من جيران المبنى بجراح ونُقلوا إلى مشفى الشفاء بمدينة غزة.
وقدَّر الدكتور جواد الدلو رئيس مجلس إدارة الصحيفة حجم الخسائر بـ60 ألف دولار، مشيرًا إلى أن القصف الصهيوني طال جميع محتويات المقر المادية والعينية؛ ما أسفر عن تعطلها فترةً من الزمن لا تتعدى الأيام.
واستنكر د. الدلو في تصريح خاص لـ(إخوان أون لاين) ما تعرَّضت له (الرسالة) من العدوان، مشيرًا إلى أنه يأتي في إطار طمس الإعلام الصادق وإسكات صوت الصحفيين من خلال إرهابهم وترويعهم.
كما أدان الدلو استهداف العديد من الصحفيين والمؤسسات الصحفية، ومن بينها مقرات فضائية وإذاعة (الأقصى) وبرج الصحفيين "الشروق والشوا والجوهرة"، وشدَّد على أن قصف مقر الصحيفة محاولة وسياسة صهيونية مبرمجة ويائسة؛ تستهدف طمس الحقيقة وإسكات صوتها الحر، والذي وقف طيلة عشرة أعوام إلى جانب شعبنا الفلسطيني وعبَّر عن همومه ومعاناته.
سنواصل المسيرة
آثار العدوان واضحة على جريدة الرسالة

وأضاف: "لكن الصحفيين أخذوا على أنفسهم مواصلة المسيرة مهما كلَّف الثمن، وسطَّروا بدمائهم أروع الملاحم البطولية؛ حيث عبَّروا طيلة فترة الحرب الشعواء عن ضمير هذا الشعب الحيِّ، وكشفوا من خلال رسائلهم المختلفة للعالم أن هذا الشعب حيٌّ وقادرٌ، ويستحق الحياة، وأن مقاومته تتصدَّى لهذا العدوان ببسالة وقوة.
وأكد د. الدلو أن العدوان الصهيوني لن يؤثر على مسيرة الصحيفة التي رافقت مسيرة النضال الفلسطيني منذ أكثر من عقد، مشيرًا إلى أن الجهود تضافرت وبكل الوسائل لإعادة هذا الصوت الحر، والذي يعبِّر عن ضمير الأمة الحي إلى جانب طموحات شعبنا الفلسطيني، مضيفًا: "سنواصل مسيرتنا مهما كلفنا الثمن".
وأشار إلى أن الصحيفة وكغيرها من المؤسسات والمساجد التي تعرَّضت للقصف فوق رؤوس أصحابها بانتظار إعادة فتح المعابر وإدخال المواد اللازمة لإعادة ترميم مقرها، مؤكدًا أن ذلك لن يستغرق طويلاً والتجارب أثبتت ذلك.
وأعرب عن أسفه لمواقف المؤسسات الدولية والحقوقية مما تعرَّضت له المؤسسات الإعلامية، مشيرًا إلى أن موقفها يعرِّي مصداقيتها وينزع عنها الثوب الذي ترتديه؛ في تذرُّعها بأنها مؤسسات دولية تعمل بشفافية وموضوعية لحماية المدنيين والمؤسسات الإعلامية.
وأضاف: "للأسف في كثير من الأحداث الأقل دمويةً تدخلت الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية لحماية المدنيين والصحفيين؛ في حين أنه في حالتنا الفلسطينية المؤسسات تكيل بمكيالين.
من جهتها أكدت كتلة الصحفي الفلسطيني على ضرورة محاسبة قادة الاحتلال على جرائم الحرب التي ارتكبوها في قطاع غزة بحقِّ المدنيين والصحفيين؛ الذين استُشهدوا وأُصيبوا ودمِّرت مكاتبهم ومقارهم الإعلامية، وذلك عن طريق رفع الدعاوى القضائية في المحافل الدولية والعالمية.
تجاوز الخطوط الحُمر
وأشارت الكتلة في بيان وصل لـ(إخوان أون لاين) إلى أن قوات الاحتلال تجاوزت في حربها كافة الخطوط الحمراء والمعاهدات والمواثيق الدولية، ضاربةً بعرض الحائط جميع بيانات الاستنكار والشجب من مختلف المؤسسات الدولية؛ مما يدلل بصورة قاطعة على أن (إسرائيل) أصبحت الدولة الأولى في الإرهاب العالمي بكل امتياز.
وشدَّدت الكتلة على أن استهداف قوات الاحتلال للصحفيين والاعتداء عليهم يعدُّ جريمةَ حرب بحسب الاتفاقيات الدولية؛ حيث اعتبرت المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جينيف لسنة 1949 "أن الصحفيين الذين يباشرون مهمات مهنية خطرة في مناطق النزاعات المسلحة أشخاص مدنيون.. يجب حمايتهم بهذه الصفة بمقتضى أحكام الاتفاقيات وهذا البروتوكول".
وطالبت الكتلة الاتحاد الدولي للصحافيين ولجنة حماية الصحافيين والمؤسسات الصحافية الدولية والمجتمع الدولي بتوفير الحماية للصحافيين الفلسطينيين، بما يضمن السماح لهم فضح الجرائم الصهيونية ضد المدنيين والعزَّل في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة.
كما جدَّدت مطالبتها الأجهزة الأمنية الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة بإطلاق سراح جميع الصحفيين المعتقلين في سجون الضفة، والذين تم اعتقالهم خلال الحرب على غزة وآخرهم الصحفي خالد العمايرة.
وقالت الكتلة إن 5 إعلاميين استُشهدوا خلال العدوان على قطاع غزة، وعدَّدت الكتلة أسماء الصحفيين الشهداء والجرحى والعديد من المكاتب والمنازل التي تم استهدافها، إلى جانب المؤسسات الإعلامية التي تعرَّضت للتدمير والقصف.
عدوان متواصل
الدمار واضح على مبنى جريدة الرسالة

وقد تعرَّضت الصحيفة في وقت سابق وبالتحديد في السادس عشر من مايو 2006م لقصف صاروخي ألحق أضرارًا بالغةً بالمقر ومحتوياته، وذلك على إثر نشرها كاريكاتيرًا للفنانة أمية جحا عن مقتل 6 جنود في اجتياح حي الزيتون، كما تعرَّضت الصحيفة للإغلاق ومنع الطباعة والتوزيع وحرق وتكسير مكاتبها من قبل أجهزة الأمن الفلسطينية التابعة للرئيس عباس في محافظات الضفة الغربية.
وتعرَّضت الصحيفة إلى مسلسل متواصل من المعوِّقات؛ كان أبرزها اعتقال الصحفيين ورئيس تحريرها إلى جانب الإغلاقات المتكررة من قبل الأجهزة الأمنية الصهيونية واحتلال مقرها ومصادرة أجهزتها من قبل أجهزة السلطة الفلسطينية البائدة.
كما تعرض الموقع الإلكتروني للصحيفة لعمليات قرصنة في أكثر من مرة؛ كان آخرها في الثالث من يناير الماضي؛ حيث ما زال الموقع محجوبًا وممنوعًا من البث.
يشار إلى أن (الرسالة) هي جريدة يومية تصدر نصف أسبوعية مؤقتًا وتأسست في العام 1997م بقرار من حزب الخلاص الوطني الإسلامي، وتتبنَّى الصحيفة خطًّا مهنيًّا وسطيًّا يدعو إلى الأخلاق والقيم المستمدة من الشريعة الإسلامية، ويظهر هذا الأمر في سياستها المهنية والتحريرية بشكل واضح، ويعمل بالصحيفة أكثر من 30 محررًا أغلبهم في سن الشباب، وتُعارِض الصحيفةُ السلطةَ الوطنيةَ الفلسطينيةَ وبرنامجها، وتطالب بالنضال ضد الكيان الصهيوني حتى تحرير فلسطين بالكامل.
يشار إلى أن اتحاد الصحفيين العرب لم يصدر عنه أي ردود أفعال تضامنًا مع الصحيفة، وكذلك نقابات الصحفيين العربية والدولية.