وسط المحرقة الصهيونية في غزة، تساءل كثيرون غاضبين: هل يمكن محاكمة هؤلاء المجرمين الصهاينة سواء السياسيون الذين أصدروا قرارات العدوان أو الطيارون الذين ألقوا القذائف المحرمة دوليًّا على النساء والأطفال، والذين لم يتورعوا عن تدمير 8 مساجد وقتل 60 طفلاً؟!

 

وتساءل آخرون: لماذا لا تُبادر الدول العربية أو خبراء القانون في العالم العربي أو المواطنون الفلسطينيون المتضررون من العدوان الصهيوني بتقديم عرائض اتهام ضد هؤلاء المجرمين، خصوصًا أن القانون يسمح بهذا سواء أمام المحاكم العربية أو الأوربية أو الأمريكية أو المحكمة الجنائية الدولية.

 

في هذا التحقيق يتحدث عددٌ من خبراء القانون الدولي حول إمكانية محاكمة الصهاينة يتهم ارتكاب جرائم حرب، ومَن يقوم برفع هذه القضايا وأين؟ وأمام أي محكمة؟.

 

المفاجأة الأولى كانت أن هؤلاء الخبراء أكدوا أنه يمكن بالفعل محاكمة هؤلاء، ولكنهم أرجعوا عدم محاكمتهم، لما أسموه "التهاون" العربي وعدم توافر "الإرادة" وعدم الإصرار على القيام بهذه الخطوة وعدم مساندة الحكومات العربية أو تحمسها لذلك، فضلاً عن سعي الصهاينة للاعتماد على أمريكا في الإفلات من هذه المحاكمات.

 

والمفاجأة الثانية أن هناك أدلةً قانونيةً قويةً بالفعل تسمح بمحاكمة القادة السياسيين والعسكريين الصهاينة، بل وضباطهم وجنودهم أمام المحاكم المحلية العربية أو الدولية الأمريكية والأوروبية، وأن هذه المحاكمة يمكن أن يقوم بها أي مواطن عربي بحيث يطالب بمحاكمة أفراد مثل وزير الدفاع الصهيوني أو رئيس الوزراء أو حتى ضابط أو طيار أو جندي صهيوني يستطيع أن يعرف اسمه ويقدمه إلى محكمة محلية أو أوروبية أو دولية.

 

 الصورة غير متاحة

 د. عبد الله الأشعل

د. عبد الله الأشعل مساعد وزير الخارجية الأسبق يقول: إن أركان جرائم الحرب متوافرة في القادة الصهاينة من قتلٍ متعمدٍ لأطفال ونساء وضرب منشآت مدنية في غزة عمدًا من قِبل الطائرات الصهيونية مثل سيارات الإسعاف والطواقم الطبية والمساجد ومخازن الطعام والأدوية والوقود وكل موارد الحياة وكل هذه محمية بالقانون الدولي الإنساني.

 

ويكشف عن أن الصهاينة بادروا بالتحرك قبل العرب وقدموا مذكرة شكوى للأمين العام للأمم المتحدة ضد قادة حماس بحجة تهديدهم للسكان الصهاينة بصواريخهم الإرهابية في حين لم تتحرك الدول العربية أمام محاكم محلية أو محاكم دولية "الجنائية الدولية" أو حتى المحاكم الأمريكية والأوروبية العادية التي تقبل هذه القضايا.

 

ويحدد د. الأشعل الجهات التي يمكن تقديم مذكرات محاكمة واعتقال عن جرائم الحرب الصهيونية أمامها في ثلاث جهات، هي المحاكم المحلية العربية والمحكمة الجنائية الدولية عبر تحريك المدعي العام للمحكمة لويس مورينو أوكامبو الدعوى ضدهم بناءً على شكاوى عربية، وأيضًا المحاكم الأمريكية والأوربية الاعتبارية، وهي مفتوحة أمام إدانة القادة الصهاينة على غرار ما حدث في محاكم بلجيكية وبريطانية في عام 2002م.

 

وأوضح أنه يمكن محاكمة القادة الصهاينة السياسيين والعسكريين وحتى الجنود أمام هذه المحاكم؛ بتهم ارتكاب جرائم حرب لو تمت معرفة أسماء بعض مَن يشاركون منهم في جرائم حرب غزة؛ لأن المحاكمة فردية.

 

المحكمة الجنائية

د. السيد مصطفى أحمد أبو الخير الخبير في القانون الدولي والمنظمات والعلاقات الدولية أعدَّ دراسةً موثقةً عنوانها "محاكمة الكيان الصهيوني وقادته في القانون الدولي" فيقول إن عدم توقيع الكيان الصهيوني على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية لا يُسقط عنه مسئولية هذه الأعمال الجنائية؛ لأنها أفعال مجرمة في ضوء بنود الاتفاقيات الدولية والقانون والعرف الدوليين، وهو ما يُعرف دوليًّا بمصطلح الاتفاق التعاهدي، خاصةً أن مثل هذه الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم، ويظل مقترفو هذه الجرائم مطلوبًا محاكمتهم وفقًا لقواعد القانون الدولي مهما طال الزمن، بل ويحق لأي دولةٍ معاقبتهم متى وُجدوا على أرضها.

 

وأوضح أن الكيان الصهيوني نفسه استند إلى ذلك عندما اختطف القائد الألماني أيخمن وقدَّمه إلى المحاكمة وحكم عليه بالإعدام عام 1962م.

 

ويشدد أبو الخير على أن المسئوليةَ الجنائيةَ الفردية التي أقرَّتها المادة 227 من معاهدة فرساي لعام 1919م، وأرستها كمبدأ من مبادئ القانون الدولي محكمتا نورمبرج وطوكيو، وتم تطبيقها فعليًّا بحقِّ مجرمي الحرب الألمان واليابانيين هي نفسها ما يستند إليها كسوابق قضائية لإدانة الاحتلال الصهيوني غير المشروع دوليًّا لجرائمه المستمرة بحقِّ الشعب الفلسطيني؛ لأن جرائمَ الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي حُوكم بموجبها مجرمو الحرب في نورمبرج وطوكيو هي الجرائم نفسها التي يتعرَّض لها الشعب الفلسطيني.

 

ويؤكد د. أبو الخير أن هناك أسبابًا عدة تُعرقل محاكمة هؤلاء الصهاينة عن جرائم الحرب التي يقومون بها أبرزها:

1- عدم توافر الرغبة والإرادة الحقيقية فيمن يملكون استخدام هذا الحق قانونًا.

2- التواطؤ العالمي والإقليمي والمحلي على عدم استعمال هذا الحق من الدول والمنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.

3- الضغوط الدولية على مَن يملكون هذا الحق التي وصلت للتهديد العسكري.

4- النفوذ الصهيوني الهائل على المستوى الدولي، وخاصةً في وسائل الإعلام العالمية التي تُظهر جرائم الكيان بأنها دفاعٌ شرعي ضد ما يسمونه الإرهاب الفلسطيني.

 

ويؤكد د.  أبو الخير ضرورةَ ممارسة هذا الحق سواء عن طريق الشعب الفلسطيني حكومةً وشعبًا ومنظماتٍ وفصائل المقاومة أو إحدى الدول العربية والإسلامية، مؤكدًا أن هناك طرقًا عديدةً للمحاكمة، خصوصًا في أوربا؛ حيث صدر قانون في بلجيكا عام 1993م يسمح بمحاكمة كل مشبوهٍ بارتكاب جرائم الحرب سواء ارتكبت في بلجيكا أو خارجها حتى ولو لم يكن بلجيكيًّا، وبموجبه سبق أن رُفِعت دعوى ضد آرييل شارون عام 2001م من الناجين من مجزرة مخيم صبرا وشاتيلا.

 

لا تسقط بالتقادم

 الصورة غير متاحة

 د. صلاح الدين عامر

ويؤكد الدكتور صلاح الدين عامر أستاذ القانون الدولي أن جرائمَ الحرب التي يرتكبها الصهاينة لا تسقط بالتقادم، ويقول: يجب متابعة هؤلاء المجرمين وملاحقاتهم، وسيأتي اليوم الذي يحاكمون فيه، فهذه جرائم إبادة.

 

ويصف ما يدعيه الكيان الصهيوني زورًا عن حقِّه في ضرب غزة وزعمه أنه دفاعٌ شرعي قائلاً: إن صواريخ حماس هي حق لهم في المقاومة المشروعة للاحتلال وليست إرهابًا أو جرائم ضد المغتصبين، كما يقول الصهاينة.

 

ويتساءل د. عامر قائلاً: كيف يردون على المقاومة بطائرات تصبُّ الجحيمَ على الشعب الفلسطيني في غزة، مؤكدًا أن هناك قاعدةً قانونيةً تقول إنه لا يجوز الرد على المقاومة بعدوانٍ أكبر منه.

 

محكمة عربية

ويتساءل أبو الخير عن سبب عدم إصدار الدول العربية عن طريق الجامعة العربية قانونًا بشأن تشكيل محكمة جنائية لمحاكمة قادة وأفراد الاحتلال الصهيوني على جرائمهم في حقِّ العرب طبقًا لما سبق من اختصاصٍ عالمي، موضحًا أنه يمكن لمنظمة المؤتمر الإسلامي أن تفعل ذلك، ويمكن للدول العربية الإسلامية فرادى أو جماعات أن تصدر قوانين تحاكم فيه قادة وأفراد قوات الاحتلال الصهيوني عمَّا ارتكبه ويرتكبه من جرائم دولية في حقهم.

 

ومعروف أن مجلس الجامعة العربية سبق أن طالب على مستوى وزراء الخارجية في ختام أعمال دورته الاعتيادية رقم 116 في سبتمبر 2001م بتشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة ودعم المبادرات الهادفة إلى ذلك، وقد أكد المكتب التنفيذي لمجلس وزراء العدل العرب عزمه ملاحقة المسئولين بحق الاعتداءات والجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال الصهيوني ضد سكان الأراضي العربية المحتلة في دورته السابعة والثلاثين بالقاهرة، وطالب بإيجاد الآليات والوسائل القانونية لحماية الشعب الفلسطيني، بيد أن أيًّا من هذه المبادرات لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

--------------

* بالاتفاق مع المجتمع