- مريم.. البسمة لم تغادر وجهها رغم احتراق جسدها!

- ريم.. يومان من النزيف تحت الأنقاض بدون ماء أو طعام!

غزة- كارم الغرابلي:

لم تعد ملامح الخوف والرعب مسيطرةً على نفوس أطفال غزة؛ الذين تحدَّوا الحرب الصهيونية بكل غطرستها وعنجهيتها ليقولوا للعالم نحن أطفال فلسطين "صامدون" رغم الخرب والحصار والدمار وقتل العديد من أشقائنا، ورغم أن صرخات العديد منا لم تشفع لنا من قذائف وصواريخ الاحتلال.

 

الطفلة مريم التي لم تتجاوز العام من عمرها لم تغادر البسمة وجهها البريء، رغم احتراق أجزاء من  جسدها ووجهها بفعل قذيفة مدفعية "فسفورية" سقطت على منزلهم وهي بين ذراعي والدتها التي احتضنتها لاطعامها بعد ساعات من صراخها "جوعًا"؛ فقد حاولت والدة الطفلة مريم بركة من سكان خان يونس مرارًا وتكرارًا أن تحمي رضيعتها من شظايا القذائف الصاروخية والفسفورية التي تطلقها دبابات الاحتلال غير آبهة بحياة الآلاف من الأطفال والنساء الحوامل.

 

وتعرضت منطقة خزاعة في خان يونس جنوب قطاع غزة إلى قصف بالقنابل الفوسفورية التي أدَّت إلى إصابة المئات من المواطنين خلال يوم واحد بحروق وتشوُّهات، من بينهم الطفلة مريم.

 

ولم تعلم الطفلة أن جسدها الصغير سيكون حقل تجربة للقنابل الفسفورية التي استهدفها بها جيش الاحتلال عندما سقطت إحدى هذه القذائف على منزلها، بينما كانت تحتمي بين ذراعي والدتها ليطال جسدها بفعل الغاز الأبيض الذي تخلَّل بين ذراعي الأم وأحرقها  بعدما تحوَّل إلى نيران.

 

تقول والدة الطفلة: بينما بدت ملامح الصمود والتحدي ترسم ملامحها: "قذيفة واحدة التي سقطت.. لكنني رأيتها لما انفجرت تلوِّن المكان وتنفجر بشكل رهيب، من شظايا إلى غاز، وبعدها إلى نار، حرقت كل المكان.. حاولت أن أحمي مريم لكني فوجئت بها تحترق".

 

وتساءلت عما إذا كانت وجبة الإفطار التي كانت تتناولها طفلتها حينما سقطت القذيفة تشكل خطرًا على الكيان الصهيوني؟!

 

وتضيف الأم بمزيد من الصمود والرضا بقدر وقضاء الله: "هربت بها من كل مكان في القطاع لكي أحميها من القصف، ولم أجد فرصةً حتى لأطعمها، وهي تصرخ جوعًا، فما إن جلست في الغرفة لأطعمها سقطت القذيفة ولا أعلم من أين جاءت، فالغرفة آمنة، ولا أدري إن كان سكوت مريم وتناولها الطعام يؤذي إسرائيل؟!".

 

النيران التي طالت وجه ورقبة الطفلة مريم أدَّت إلى تآكل منطقة الفم والرقبة، وأضحت الطفلة غير قادرة حتى على الصراخ نتيجة تألمها من الحروق، ورغم ذلك لم تفارق البسمة والضحكة وجه الطفلة البريء في صورة تُظهر مدى الصمود والتحدي الذي يبديه أطفال غزة.

 

محمد.. وحيدًا

وبالرغم من أن الطفل محمد عيسى فقد والديه إلى جانب ساقه اليمنى ويده اليسرى ويرقد في مشفى الشفاء بغزة إلا أنه كان أكثر صمودًا؛ حيث أعرب عن رضاه بما قسمه له الله تعالى.

 

 

 الصورة غير متاحة

مجازر بشعة لأطفال غزة بفعل القنابل الفسفورية!!

وقف الطبيب المعالج أمام محمد عاجزا عن الإجابة على تساؤلاته عن أهله وأقاربه؛ خوفًا على نفسية محمد من ناحية وعجزه عن وصف المجزرة التي أودت بحياة أهله ولم ينجُ منها إلا هو من ناحية أخرى.

 

وتجاوز عدد الأطفال الذين استُشهدوا منذ الحرب الصهيونية التي دخلت أسبوعها الرابع على قطاع غزة أكثر من 400 طفل سقطوا في مجازر عجزت قوانين حقوق الإنسان وحقوق الطفل عن وقفها.

 

الطفلة ريم القرم ذات الخمسة عشر ربيعًا، والتي هزَّت قصتها مشاعر كثير من الفلسطينيين؛ بعد أن ظلت تنزف الدماء لمدة يومين مختبئةً في منزل مهجور من قبل سكانه بسبب العملية العسكرية الصهيونية جنوب مدينة غزة.

 

وبينما كان يقوم صاحب المنزل الذي لجأت إليه ريم هربًا من القذائف بتفقد منزله بعد معارك وقعت في حي تل الهوى وحي الصبرة؛ شاهدها في ركن إحدى الغرفة مضرَّجةً بالدماء ولا تكاد تقوى على الحركة وشارفت على الموت.

 

ريم البطلة

وقد أصبحت ريم شاهدةً على ما حلَّ بأسرتها، وعندما وصلت إلى المستشفى تلقَّفتها أيدي الأطباء وأحضان والدتها التي لم تصدق أنها ما زالت على قيد الحياة، ووصفت ريم ما حدث لها بالكابوس؛ بعد أن أصيبت بجراح وقتل والدها وشقيقيها.

 

وأضافت وبراءة الطفولة تنطق من عينيها الصغيرتين: "لا أعرف كيف خرجت من المنزل، لقد قتلوا أبي وأخوتي أمام عيني، وأطلقوا باتجاهي قذيفةً فأُصبت في ساقي وفرَرْتُ من المكان؛ غير أنهم أطلقوا قذيفةً أخرى أخطأتني ووجدت باب منزل هجره سكانه خشيةً من القصف، فدخلت به ومكثت هناك وحيدةً أستمع لما يجري ولا أجرؤ على الصراخ أو البكاء من جراحي النازفة".

 

وقالت ريم: إن "الدبابة أطلقت قذيفة على المنزل؛ فقتل والدي فتحي القرم (42 عامًا)، وشقيقي عصمت (12 عامًا)، وعلاء (11 عامًا)"، وظلت ريم لمدة يومين تنزف وبدون ماء ولا طعام!.

 

وقالت والدتها التي هرعت إلى المستشفى بعد سماعها بأنه تم العثور عليها وهي تصرخ "ابنتي حبيبتي" وقد ظنت أنها قتلت مع والدها، وعندما رأتها الوالدة سقطت مغشيّةً عليها، وعندما استيقظت أخذت تبكي بحرقة غير مصدقة أن أحدًا من عائلتها ما زال على قيد الحياة، فيما تلقف أشقاؤها الآخرون منقذ طفلتهم بالأحضان، شاكرين الله على كرمه، وقد كانوا بالأمس فقط دفنوا أشلاء محتملةً لها مع والدها وشقيقها في قبر واحد.

 

وبينما كانت الأم في حالة صدمة كاملة، عمَّ المكان حالة ذهول تام، والصدمة قد شلّت حتى قدرة العائلة على الاستمرار في البكاء.

 

وقالت ريم: "كنت نائمةً وأشقائي ووالدي في الغرفة الأخرى وفجأةً استيقظت ووجدت نفسي تحت الأنقاض، كانت الأحجار تضغط بشدة على جسدي.. التفت حولي، كان أحد أشقائي تحت الأنقاض، كان ميتًا".

 

كان منزل ريم قد أصبح مجرد ركام لا يظهر منه سوى أتربة وحجارة ظهر في ثناياها بعض الملابس والكتب الدراسية، وقال عم الفتاة: "هل هذا يُعقل أن يُضرَبَ المدنيون وهم في منازلهم، لماذا يقتلوننا؟!" هل نضرب نحن صواريخ على إسرائيل؟!".

 

حالات كثيرة وقصص لا حصر لها هنا في غزة عن مآسي أطفال أصبحوا بلا عائلة أو أب، لكن الغريب أن الصمود كان عنوانهم والتحدي مشوارهم.

 

وقال أطباء فلسطينيون: إن هناك الكثير من الشباب والأطفال والفتيات الصغار بين الجرحى، وهناك من فقدوا منهم سيقانهم أو أذرعهم، وآخرون يرقدون عاجزين عن الحركة بسبب الأنابيب الموصَّلة بأجسادهم.