كعادته كل عام دأب الحاج أبو حسين عودة، على جلب الأضحية هو وشركاؤه في "ليلة الوقفة" قبل صباح عيد الأضحى، ليربطها أمام بيته في عامود الكهرباء، وكان المشهد احتفاليًّا للأطفال في غزة المحاصرة، وهم فرحون ويهللون ويلتفون حول الأضحية.

 

أبو حسين سأله "إخوان أون لاين" عن أضحيته هذا العام، وهل هي عجل أم بقرة؟، فضحك وقال: "لا عجل ولا حتى خروف"، وعن السبب أضاف: "كل سنة نقوم نحن والجيران بالشراكة في الذبيحة، أما هذا العام، الأضاحي غالية جدًّا، وليس بمقدورنا أن ندفع ما يفوق طاقتنا.

 

ويشتكي الغزيون ممن ارتادوا أسواق الأغنام والأبقار في أرجاء قطاع غزة لشراء الأضاحي استعدادًا لحلول عيد الأضحى المبارك من قلة المعروض وارتفاع الأسعار بسبب الحصار الدولي الجائر المفروض منذ عامين وقضى على أبسط حقوق المواطنين، وسيضطر أهل غزة للاحتفال بعيد الأضحى بلا أضاحي، فقراؤها وأغنياؤها سيحملون أطفالهم إلى أقربائهم للتهاني والسلام وإلقاء التحية فقط لا غيرَ فلا غازَ لدى الكثيرين لاستضافةِ زائريه ولو بكأسٍ من الشاي.

 

وتبدو أيام غزة أقرب لما كابده السلف بالعصور الوسطى، كهرباء عزيزة المنال، وأضواء الشموع تخفت بين دقيقة وأخرى والنساء شمرن عن السواعد لإعداد ما أُتيح من الطعام على النار.

 

أما أضاحي "الأضحى" فهي وإن وُجدت فلا يمكن المغامرة بعدِّها لقلتها ولقلةِ مَن استطاع امتلاك واحدة منها أو المشاركة في حصةٍ من عجلٍ سمين هُرِّب عبر الأنفاق، وهذه حصة لا يستطيعها سوى المقتدرين بعد أن طرق ثمنها حاجز خمسمائة دينار أردني.

 

العديد من المواطنين لأداء هذه السُّنة المطهرة حاول بيع مصاغ زوجته المتبقي وذلك بعد أن اكتشف أن غزة بلا أضحية وأن ما هرَّبته أنفاقها عبر مصر إلى رفح ليست للذبح لصغر سنها فيما ارتفع ثمن الخراف إلى حدٍّ لا يُطيقه الفقراء وهم يشكلون 80% من سكان القطاع المحاصر منذ 17 شهرًا.

 

في سوق الحلال الواقع شرق مدينة غزة كما يطلق عليه بدت علامات الذهول والدهشة والوجوم واضحة على وجوه عشرات الـمواطنين ممن ارتادوا السوق لشراء الأضاحي.

 

بعض المواطنين وصفوا الأسعار بالخيالية، وآخرون نعتوها بالفلكية، وغيرهم غادروا السوق قبل دخولها، ومنهم مَن أطلق عبارات سخرية مثل "بنضحي بدجاجة أو أرنب".

 

فلم يتمكَّن المواطن أبو رمزي مشاركةَ إخوته هذا العام في أضحية العيد ككل عام بسبب سوء الأحوال الاقتصادية التي يعاني منها، وارتفاع أسعار اللحوم بشكلٍ لم يسبق له مثيل.

 

وقال: "سأشتري لأبنائي لحمة مجمدة بدلاً من الأضحية لطعام الغداء ولإدخال الفرحة عليهم فلا يوجد لحم طازج وحتى اللحوم المجمدة أصبحت أسعارها مرتفعة أيضًا".

 

أما المواطن أبو محمد رجب فقد قرر الذهاب إلى سوق المواشي في المنطقة الجنوبية؛ حيث هناك الأسعار أقل من غزة لقربها من الأنفاق والأبقار والخراف متوفرة بأعداد أكبر وبالرغم من ارتفاع أسعارها إلى أنه اضطر للذبح هذا العام لأنه اعتاد على ذلك، ولم يستطع الـمواطن أبو العبد الغرابلي أن يستوعب ما قاله البائع حين سأله عن ثمن خروف متوسط الحجم، وقال: ثمنه في الأعوام الـماضية لـم يكن يتجاوز 160 دينارًا أردنيًّا، والآن يُباع مقابل 500 دينار، فلن أضحي هذا العام.

 

وأوضح أنه سمع بأن أسعار الأضاحي مرتفعة لكنه بعد أن علـم بدخول خراف وأغنام مصرية من خلال الأنفاق قرر زيارة السوق عله يتمكن من شراء أضحية كما اعتاد منذ سنوات طويلة، لكنه سرعان ما قرر مغادرة السوق دون شراء حين استفسر عن الأسعار.

 

أما المواطن أيمن رجب، فأكد أنه زار السوق الأسبوع الـماضي لشراء أضحية لكنه لـم يشترِ نظرًا لارتفاع الأسعار، وقرر حينها أن لا يضحي هذا العام.

 

وأكد رجب أن اختياره وقع على خروفٍ متوسط الحجم وبعد جدالٍ كبيرٍ اشتراه مقابل 460 دينارًا أردنيًّا، مطلقًا عبارات السخرية: ثمن كيلو اللحم في هذا الخروف يتجاوز 120 شيكلاً.

 

الـمواطن أبو محمود عاشور أشار إلى أنه فرَّ من أسعار الأبقار الـملتهبة وقرر الـمجيء إلى سوق الخراف عله يجد أضحية أقل ثمنًا مما رآه بالأمس، لكنه فوجئ بأن أسعار الخراف ليست بأفضل من أسعار الأبقار، وبيَّن أنه ينوي الانتظار ربما يتمكَّن الـمهربون من إدخال كميات أكبر من الأضاحي تُسهم في خفضِ الأسعار.

 

طلب متزايد

من جانبهم، أكد تجار خراف وبائعو أضاحي العيد أن الطلب الـمتزايد على شراء الأضاحي وقلة الخراف والأبقار الـمعروضة للبيع أديا إلى ارتفاع الأسعار بصورةٍ لـم تحدث في تاريخ قطاع غزة.

 

فقد بيَّن أحد كبار التجار بغزة أنه ليس لديه أي مخزون من المواشي كونها لم تدخل منذ شهرين وهو يعمل على ذبحها أولاً بأول لتغذية السوق بها.

 

وذكر التاجر أبو إسماعيل أنه في ضوءِ منع سلطات الاحتلال من إدخال المواشي وإغلاق المعابر اضطروا لجلبها من الأنفاق والتي تكلف كثيرًا في نقلها كما أن قدرة الأنفاق على جلبها تعتبر محدودةً، إضافةً إلى صعوبةِ ذلك.

 

وفيما يتعلق بالارتفاع الكبير والمتواصل في أسعار الأبقار، أشار أحد التجار إلى أن أسعار اللحوم ارتفعت عالميًّا، كما أن إغلاق الـمعابر ومنع إدخال أبقار جديدة للقطاع في هذا الوقت بالذات أدَّى إلى رفع الأسعار بصورةٍ كبيرة، لافتًا إلى أن ثمن كيلو العجل الحي كان يُباع بـ20 شيكلاً قبل نحو أسبوعين لكنه الآن ارتفع ليصل إلى 25 شيكلاً، وربما أكثر.

 

البديل.. لحوم مجمدة

وأقسم المواطن نزار أبو سمرة المتعطل عن العمل أن أبناءه وعائلته لم تذق لحم الضأن واللحم البقري منذ عيد الأضحى الماضي إلا مرات عديدة وخلال المناسبات.

 

وقال إن جُلَّ طعام عائلته اقتصر خلال العام الماضي على "المقالي" وبعض اللحوم المجمدة، مؤكدًا أنه وأبناءه ينتظرون العيد بفارغ الصبر حتى يعوضوا الأيام الصعبة، ولفت إلى أنه والعديد من أقرانه الفقراء يتداولون ويترقبون أخبار الأشخاص الذين اعتادوا على الانتفاع من صدقاتهم وأضحيتهم أملاً في سماع أخبار جيدة.

 

وقال إن زوجته تنتظر موسم الأضاحي لعمل العديد من الطبخات والأطعمة الشعبية التي تحتاج إلى كمياتٍ كبيرةٍ من اللحوم، منوهًا بأن معدل ما يتلقاه سنويًّا من الأضاحي يزيد على عشرة كيلو جرامات، وفي بعض السنوات وصل إلى ضعفِ هذا الرقم.

 

وبدا التردد واضحًا على الكثيرين ممن أرادوا وبيتوا النية على الذبح بعد الارتفاع الملموس في الأسعار.

 

ولم يحسم الموظف رائد مصباح موقفه من شراء الأضحية، مشيرًا إلى أنه سينتظر حتى يوم العيد أملاً في انخفاض الأسعار، وقال إن وضعه المادي لا يسمح له بشراء أضحية يزيد سعرها على 300 دينار أردني، وأردف قائلاً إن أضحيةً خفيفةَ الوزن لن تُفيده، خصوصًا مع ارتفاع أعداد أرحامه والفقراء في منطقته.

 

يُذكر أن الارتفاع المذكور في الأسعار قد يحرم آلاف الأسر الغزية من الذبح والتضحية هذا العام.

 

احتياجات غزة

من جهتها أكدت وزارة الزراعة الفلسطينية في غزة إلى أن إجمالي احتياج قطاع غزة من الأضاحي هو 20 ألف رأس أغنام وعجول، مبينة وجود 60 ألف رأس من الأغنام في القطاع منها 10 آلاف جاهزة للسوق المحلي وللأضحية، في حين يحتاج القطاع لعشرين ألف رأس، وهو ما يعني وجود نقص يبلغ 10 آلاف رأس.

 

أما بالنسبة للعجول فأشار د. إبراهيم القدرة، وكيل وزارة الزراعة لـ"إخوان أون لاين" إلى وجود كميات بسيطة من العجول، وأن غالبَ احتياج القطاع يتم استيراده من الخارج لمحدودية الإنتاج المحلي، مبينًا احتياج القطاع إلى 10 آلاف عجل في عيد الأضحى باستثناء الاستهلاك اليومي.

 

وحول تحديد تسعيرة للأضاحي، قال وكيل الوزارة القدرة: "إن الوزارة تتخوف في الوقت الحالي من التدخل في عملية تحديد السعر؛ نظرًا للحصار وقلة المعروض وعدم توفر كميات الأضاحي، وهذا يجعل الأمور غير واضحة، ويؤدي إلى صعوبةٍ في تحديد الأسعار.

 

وأضاف "إن عدم قدرة الوزارة على تحديد أسعار لإدخال كميات عبر الأنفاق والتي تم دفع تكاليف إدخالها وشرائها بأسعار معينة لا تعرفها الوزارة، وبالتالي لا تستطيع تحديد السعر، وهي لا تعرف كم تكلف هذه المواشي.

 

وتابع: "إن تحديد الأسعار قد يؤدي لظلم بعض التجار لأنه قد تكون تكلفته أكثر من ذلك، إضافة لعدم إمكانية اعتماد الأسعار التي يقولها التاجر، لاحتمالية عدم مصداقيتهم.

 

وأوضح أن تدخل الوزارة في أسعار المواشي يكون عندما تكون متابعة لتفاصيل العملية التجارية من بدايتها حتى نهايتها، وعلى علم بكيفية الاستيراد وتكلفته وسعر النقل والضرائب التي تم دفعها وكم يصل سعره في السوق، عند ذلك تتدخل الوزارة وتحدد نسبة الأرباح وسعر البيع.

 

صعوبة التحديد

وذكر أن وزارة الزراعة قامت بعدة خطوات في هذا المجال وتواصلت مع جميع وزراء الزراعة العرب ومعظم الجهات الدولية وقامت بشرح الوضع وخطورته وتأثيره على الصحة العامة وحياة الناس وطلبت منهم الضغط على (الاحتلال الصهيوني) من أجل فتح المعابر وتسهيل حركة البضائع والسلع ودخولها إلى قطاع غزة إلا أن الكيان الصهيوني يواصل تشديد حصاره على القطاع.

 

ولفت إلى أن عدم قدرة القطاع على الاكتفاء ذاتيًّا من اللحوم الحمراء لاحتياجها لكميات كبيرة من الأعلاف، نتيجة عدم توفر الأراضي الزراعية والزحف العمراني، وهو ما يحد من إمكانية توفير الأعلاف اللازمة واعتماده على استيراد العجول والأعلاف من الخارج.

 

ونوَّه القدرة بأن عدم الاستطاعة على توفير الأعلاف محليًّا يرفع سعر تربية الأغنام والعجول، وبالتالي الاستيراد من الخارج يكون أرخص وأقل تكلفةً وتصل اللحوم إلى المستهلك بأسعار أقل.

 

وأشار وكيل وزارة الزراعة إلى أن استيراد العجول من دول المصدر يكون أوفر وأرخص بكثيرٍ من تربيتها في قطاع غزة واعتمادها على الأعلاف المستوردة لوجود مراعٍ طبيعيةٍ وتوفر الأعلاف ما يجعلها أرخص للمستهلك والتاجر.

 

وحول كميات المواشي التي يتم إدخالها عبر الأنفاق، أشار القدرة إلى وجود لجنة حكومية مشكلة، وزارة الزراعة عضو فيها، لمتابعة كافة السلع التي تدخل عبر الأنفاق، مبينًا أن الوزارة بدأت بإحصاء كميات المواشي التي تم إدخالها، وبيَّن أن الوزارة تقوم بمتابعة هذه المواشي في المزارع وتقوم بفحصها بيطريًّا ومتابعتها صحيًّا وإن كانت تحتاج لتطعيمات وتحصينات وعلاجات، لافتًا لعدم وجود أرقام محددة لدى الوزارة قابلة للنشر لأعداد هذه المواشي التي يتم إدخالها.

 

ويبقى هذا حال العشرات من العائلات الغزية، والتي ستحرم فرحة الذبح في العيد بسبب الحصار وإغلاق المعابر في انتظار أي حلحلة قريبة في أوضاعهم.