بدا رجال المقاومة الفلسطينية الأسابيع الماضية أكثر حيطةً وحذرًا مع عودة طيران الاستطلاع الصهيوني "الزنانة" التحليق في أجواء غزة، معلنًا بدء جولة جديدة من العدوان وتصفية الحساب مع الفلسطينيين بعد 6 أشهر تم استغلالها من قبل أجنحة المقاومة الفلسطينية المختلفة في إعادة لياقة المقاتلين وتقييم قدراتهم وأدائهم من جديد.

 

وقد شنَّ الطيران الحربي الصهيوني خلال الأيام الماضية غاراتٍ مكثفةً على مواقع المرابطين في أنحاء متفرقة من قطاع غزة؛ مما أسفر عن استشهاد أكثر من 10 مقاومين وإصابة آخرين بجروح.

 

وتُعد هذه الغارات والخروقات الصهيونية الأكثر دمويةً منذ إعلان التهدئة بين الطرفين في 19 من يونيو الماضي؛ حيث ردَّت أجنحة المقاومة بمختلف مسمياتها بردود فاجأت قادة الكيان الصهيوني وكسرت موازين القوى؛ حين أطلقت كتائب القسام الجناح العسكري لحماس وجبات متتالية من صواريخ "جراد" روسية الصنع.

 

على بعد الكيلو ونصف الكيلو من معبر المنطار شرق غزة بدا مقاتلو المقاومة، وعلى رأسهم مقاتلو القسام، بعد أشهر عديدة قضوها في دورات عسكرية مكثفة ومتلاحقة أكثر استعدادًا وتأهّبًا لمواجهة أية تحركات للدبابات والجيبات الصهيونية التي تصطف على مسافة قريبة من المكان.

 

وسائل جديدة
 
 الصورة غير متاحة

المقاومة الفلسطينية تتصدى للصهاينة

مع اقتراب عقارب الساعة إلى العاشرة مساءً تبدو حدود شرق غزة وكأنها "مدينة أشباح" في حالة سكون إلا من نباح الكلاب التي تجوب المنطقة، لكن سرعان ما يفاجئك أحد المقاومين المموهين بالظهور مشهرًا سلاحه للاستفسار عن هويتك وسبب وجودك في المكان.

 

هناك وفي الليل الممزوج بالسواد القاتم وهبوب بعض الرياح الخفيفة والباردة ثمة عشرات من المقاتلين الذين يتخذون من عدة أماكن مموّهة ومتخفّية مواقع لهم وهم في حالة استعداد وتأهب قصوى.

 

ولأن المقاومين يتوقعون انهيار التهدئة في أي وقت أبقوا السواتر الترابية المعدة مسبقًا في المكان على حالها؛ حيث كان يتخفَّى خلفها بعض المجاهدين الذين كانوا يرتدون لباسًا عسكريًّا مصنوعًا من بعض المواد التي يعجز طيران الاستطلاع الصهيوني "الحراري" عن رصدها كما يشيرون.

 

أكثر ما يميز استعدادات فصائل المقاومة للجولة القادمة والمتوقعة استخدام المقاتلين وسائل تمويه جديدة لم تعهدها من قبل؛ ففي داخل بعض الأحراش القريبة من المكان والمغطاة بأشجار الزيتون كانت مجموعة من المقاتلين تلبد فوق الأشجار بلباس عسكري مغطًّى ببعض فروع وأوراق الأشجار؛ بحيث لا يمكن تمييزه أو رصده، فيما كان آخرون يرقدون داخل حفرة مصنوعة من برميل حديدي معدة لتنفيذ الكمائن واصطياد أفراد الوحدات الخاصة التي تتسلَّل إلى الأحياء القريبة لتنفيذ عمليات اغتيال أو اختطاف كما أخبرونا.

 

معركة بطعم جديد

على تلة جبلية كان المجاهد "عمار"- والذي يعمل في وحدة الرصد التابعة لكتائب القسام- يراقب بمنظاره المناطق المتاخمة لحدود شرق غزة، بينما يصدح جهازه اللا سلكي بإشارات عن تحليق متواصل لطيران الاستطلاع، وعلى الجميع أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر.

 

المجاهد عمار والذي آثر الحديث معنا عن استعدادات الكتائب للمرحلة القادمة بينما كان يراقب الحدود توقع في أية لحظة جولة جديدة من المواجهة ولكنها "بنوع وطعم آخر" كما قال لنا، وذلك في ظل الخروقات الصهيونية المتواصلة، والتي كان آخرها اغتيال 4 مجاهدين من ألوية الناصر صلاح الدين الأسبوع الماضي، بالقرب من المناطق الحدودية شرق غزة.

 

وبيقظة شديدة كان يراقب "عمار" معبر "كارني"؛ حيث تجوب عددًا من الجيبات بالقرب من السلك الحدودي مشعلةً أضواءها صوب غزة، بينما كان يضع أحد المجاهدين المرافقين له أصابعَ يده على زناد بندقيته الكلاشنكوف؛ في إشارةٍ إلى حالة الاستعداد والتأهب الشديد.

 

يُشار إلى أن المعبر استخدم منذ انطلاق الانتفاضة الثانية مكانًا لاصطفاف الآليات والدبابات الصهيونية التي تنطلق لتنفيذ أية عملية اجتياح وتوغل.

 

وقال عمار بصوت خافت يملؤه الاطمئنان والثقة: "يوميًّا نرصد تحركات العدو الصهيوني، سواءٌ كان هناك تهدئةً أو مواجهةً وإطلاع القيادة عليها، مشيرًا إلى أن مجاهدي الكتائب باتوا على استعداد كامل لخوض أية معركة بعد أن نالوا قسطًا كبيرًا من الدورات الميدانية والمكثفة خلال أشهر التهدئة.

 

وركَّزت فصائل المقاومة منذ إعلان اتفاق التهدئة على رصد التحركات والخروقات الصهيونية على طول الحدود، إلى جانب استغلال أجواء الهدوء لإجراء وتنفيذ تدريبات ودورات قتالية مكثفة استعدادًا للمرحلة القادمة.

 

وأعربت الأوساط الصهيونية في وقت سابق ومنذ سريان الاتفاق من استغلال أجنحة المقاومة لفترة الهدوء؛ لتطوير وتعزيز قوتها وأسلحتها وإمكانياتها العسكرية استعدادًا للقادم.

 

بعد التهدئة

أضاف أبو سامر مسئول إحدى المجموعات التابعة لكتائب القسام بنبرة الواثق من استعدادات الكتائب: "بالتأكيد التهدئة كانت فرصةً جيدةً لالتقاط الأنفاس والاستعداد لأي هجوم متوقع".

 

وأكد أبو سامر الذي كان يموِّه نفسه بأشجار الزيتون وبعض المواد التي يعجز طيران الاستطلاع عن رصدها أن المجاهدين باتوا جاهزين لصد أي عدوان، مشيرًا إلى أن الفترة الماضية شهدت دوراتٍ ميدانيةً وعمليةً مكثفةً في إطار الاستعداد لما بعد التاسع عشر من ديسمبر، وهو موعد انقضاء اتفاق التهدئة.

 

 الصورة غير متاحة

أبو عبيدة الناطق باسم كتائب عز الدين القسام

 وتوعَّد أبو سامر قادة الكيان الصهيوني بفتح دفتر الحساب والديون والخروقات خلال الأشهر الماضية، مضيفًا: "لن يمر كل خرق صهيوني تم تسجيله بدون عقاب"، وتوعَّد جنود الاحتلال الصهيوني بمفاجآت عديدة في حال التوغّل في غزة، مشيرًا إلى أن صواريخ جراد التي تم إطلاقها الأيام الماضية كانت مجرد رسالة قصيرة؛ مفادها أن قلب العدو ليس في مأمن من يد المقاومة.

 

مجاهد آخر من كتائب القسام تحدث قائلاً: الآن سيشهد العدو ما لذَّ وطاب من صواريخنا وتكتيكاتنا الجديدة، وقال آخر بلهجة تهديد: "لن ينجو قادة العدو هذه المرة من عقابنا ونبشرهم بالاستعداد لجولة جديدة من الانهيار النفسي والرعب".

 

قلب الطاولة
 
وكان أبو عبيدة الناطق الإعلامي باسم الكتائب أكد أن "القسام" على استعداد لقلب طاولة التهدئة فوق رؤوس الصهاينة، مضيفًا: "لا نتهافت على هذه التهدئة، ولن نكون آسفين عليها إذا ما نسفها الاحتلال الغاشم".

 

وأضاف أن تكرار العدو الصهيوني تهديده بالاغتيالات ضدنا هو تهديدٌ باهت ومرتبكٌ، وهو يدل على العجز الكبير في المواجهة الميدانية، ونحن سنأخذ هذه التهديدات بمحمل الجد، وسنعمل على حماية قادتنا ومجاهدينا؛ فهم ذخر وطننا وهم حماة الديار وفرسان المرحلة.