توقَّع أبو أسامة (خباز أحد أفران غزة الصغيرة) عودة أفران الطين القديمة للاستخدام في غزة بسبب نقص الوقود؛ لذلك حرص منذ فترة على تخزين الورق والكرتون في مخزنه الصغير ليُعيد إشعال فرنه وتوفير الخبز للمواطنين الذين يعيشون في وضعٍ عصيبٍ بسبب الحصار الدولي الجائر المفروض على القطاع منذ عامين.

 

أسرع أبو أسامة بعد أن نفد وقود فرنه إلى داخل مخزنه، وقام بإحضار الورق المستعمل والكرتون ليُعيد إشعال الفرن، ولم يقف الأهالي مكتوفي الأيدي ومتفرجين، فقام كلٌّ منهم بالتوجُّه إلى منزله وإحضار بعض الأخشاب لمساعدة "أبو أسامة" في هذا الموقف العصيب.

 

أزمة خانقة

ويشهد قطاع غزة أزمة وقود خانقة بعد نفاد كافة كميات الوقود ومنع قوات الاحتلال الصهيوني إدخال أي نوع من الوقود في القطاع؛ مما أدى إلى حدوث كارثة في أغلب قطاعات الحياة، لا سيما القطاع الصحي.

 

يقول الخباز أبو أسامة من سكان حي الشجاعية شرق غزة: "كنت أعرف أن الفرن سيتوقف عن العمل بعد إغلاق المعابر، لكنني شعرت بأن رزقي ومصالح الناس تنطفئ حينما يتوقف الفرن، وإذ بي كالبرق أُسرع وأُحضر الكرتون والورق وبعض الأخشاب وأُشعله".

 

ويقوم عدد من أصحاب الأفران الصغيرة في قطاع غزة باستخدام الأخشاب كبديلٍ عن الوقود الذي نفد، في خطوةٍ لمواجهة الأزمة الراهنة وضمان عدم إقفال أفرانهم التي تُعتَبر مصدر رزقهم الوحيد وملاذ الكثير من الناس.

 

معاناة جديدة

المواطن أبو محمود الشيخ يصوِّر معاناة الغزيِّين وهو يقف مليًّا أمام أحد الأفران بغزة، قائلاً: "اليوم معاناة جديدة تُضاف إلى معاناتنا.. نحن بكل وضوح نعتمد على المعونات، ولولاها لما استنشقنا رائحة الخبز ولا حصلنا على كيس الدقيق".

 

وتشكو المواطنة أم حسام حجاج من الازدحام الذي يحدث أمام الأفران، ويجعلها تقضي ساعات النهار الأولى كلها في انتظار دورها لجلب الخبز.

 

وبنبرة الحزن والحيرة تشكو: "اليوم الذي أُعِدُّ فيه الخبز أعتبره أكثر الأيام تعبًا ومشقةً؛ فقبل الفجر أقوم بعجن الدقيق وأُعِدّه ثم أذهب به إلى الفرن، والذي منذ مدة ثلاثة أسابيع يوقده صاحبه- أعانه الله هو الآخر- بالورق والأخشاب، ويأخذ وقتًا طويلاً حتى يُنهيَ كل فرش من الخبز".

 

وتعتمد أسر قطاع غزة في جلب الخبز على المخابز الآلية الكبيرة التي تقوم ببيعه جاهزًا، بينما تعتمد أسر أخرى على الأفران الصغيرة المبنية من أحجار الأسمنت أو الطين، والتي تعتمد على الزيت المحروق والسولار كوقودٍ لها، بينما تستغني القليل من الأسر الغزية عن المخابز والأفران، وتُعِدُّ خبزها على أفران الطين الصغيرة.

 

ومنذ 17 يومًا منعت قوات الاحتلال الصهيوني دخول الوقود والغذاء في قطاع غرة، بعد أن فرضت عليه حصارًا محكمًا، أدى إلى توقف المخابز عن العمل، وتوقف محطة توليد الكهرباء عن العمل بشكل كلي؛ مما حرَم السكان من التيار الكهربائي.

 

وبسبب نقص الوقود والدقيق، شرعت المخابز في غزة في توزيع حصص من الخبز لا تكفي حاجة أسرة مكونة من ثلاثة أفراد؛ حيث توفر هذه الأفران التي بقي يعمل منها عدد قليل ما وزنه 2 كيلو جرام من الخبز، وهو أمر يضاعف من معاناة سكان القطاع الساحلي.

 

فرن الطين

في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة شيَّد عدد من رجال أحد الأحياء "فرن الطين"، وهو فرن يُصنَع من الطين والقش؛ ليتسنَّى لنساء الحي استخدامه في الخبز والطهي وتسخين المياه، وأمام هذا الفرن تجتمع النساء صباحًا لتحضير متطلبات المنزل، بعد تحضيرهن كميةً من الحطب تكفي لإنجازهن ما يُرِدن تحضيره، كبديلٍ عن الأفران الحديثة التي هُجِرَت؛ لكونها تعمل بالغاز والكهرباء، وأصبح منظر الأطفال الذين يجمعون بأيديهم الأخشاب من الطرقات مشهدًا معتادًا مع انتشار هذه الأفران.

 

وتشير الإحصائيات إلى أن الأغلبية القصوى من الأسر الفلسطينية في قطاع غزة؛ أي ما نسبته (80%) تعيش بشكل أساسي على المعونات والدعم الخارجي، بعد انهيار الاقتصاد الفلسطيني والقطاعات التي تعتبر مصدر عمل الكثير من أرباب العائلات.

 

المواطن أبو حسن أبو حجر قال: "فكرت في إعداد فرن من الطين لكي نسدّ حاجاتنا بدلاً من الوقوف في طوابير الأفران إن استمرت هذه الأزمة، ولا أظن أن أصحاب الأفران يتحملون هذا، خاصةً أنهم يقفون أمام حرارة الأفران طوال ساعات النهار".

 

لم يَأْلُ المواطن محمود أبو سرور (39 عامًا) جهدًا في البحث عن بديل لأزمة الغاز التي يعاني منها وأفراد أسرته، فراح يبحث عن بدائل تمكِّنه من التغلب عليها بشتى الوسائل حتى اهتدى إلى صنع فرن طيني يستعيض به عن الغاز الطبيعي، لا سيما مع احتياجه له بصورة أكبر مع حلول شهر رمضان الكريم.

 

 الصورة غير متاحة

 غزة في حصار وظلام

ويقول أبو سرور: "بدأت فكرة صنع فرن طيني صغير الحجم تراودني حين واجهت مشكلة خانقة بعد نفاد غاز الطهي بصورة كاملة من منزلي، فتعذَّر عليَّ إيجاد بديل لحل لهذه الأزمة، في البداية كنت أشعل النار ولكن الأمر غير مُجْدٍ، ففكرت في صنعه".

 

مشيرًا إلى أنه بدأ يجتهد في صنع المزيد منها تلبيةً لطلبات الزبائن بعد أن عرض عددًا منها ولاقت إقبالاً شديدًا؛ حيث اعتبره البعض حلاًّ يخلِّصهم من أزمتهم.

 

ومن جهة أخرى دفعت مشكلة الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي ونفاد غاز الطهي المواطنين إلى التزاحم أمام ورش تصليح "بوابير الجاز"، التي هُجرَت منذ سنوات.

 

وتقول أم محمد وهي سيدة في العقد الخامس من العمر: إنها اضطرت إلى التفتيش في أثاث منزلها المُخزَّن وغير الصالح للاستخدام للبحث عن "وابور الجاز"، الذي قالت إن فرحة عارمة انتابتها بمجرد تمكُّنها من العثور عليه بين أكوام الأثاث المُخزَّن.

 

وتقول أم محمد (ربة أسرة مكونة من 9 أفراد): إنها ظلت على مدار يومين تأكل وأسرتها طعامًا غير مطهي، من الخضار والمعلبات للتغلب على مشكلة انقطاع التيار الكهربائي ونفاد الغاز.

 

ومع اشتداد الحصار يزداد أهالي قطاع غزة صبرًا وثباتًا؛ لكن بركان الصبر قد ينفجر ويطال الأخضر واليابس، وهذا ما لا يُرضي السادة صُنَّاع الحصار.