"لا أدري بأي الكلمات أبدأ قصتي، ولا بأي العبارات أسجِّل مأساتي، فأنا طفلة بريئة، لا تعرف مصيرها ولا سر وجودها ولم تعرف للفرحة والسعادة طعمًا، صعبة هي هذه الدنيا، فقد وُلدت عاجزةً مشوهةً مغلوبةً على أمري محرومةً من أغلى شيء في الوجود".

 

هذا هو لسان حال الطفلة الفلسطينية المكلومة "هديل عبد العال" (سبع سنوات) من سكان غزة حي الصبرة التي تعاني منذ لحظة ولادتها من تشوُّهات خلقية حرمتها من النظر بعينيها كاملتي الخلق؛ حيث تغطَّى إحداهما بطبقة جلدية غليظة، فيما لا تتمكن من النظر سوى لبعد متر ونصف المتر بعينها الأخرى.

 

الطفلة "هديل" التي تتجرَّع ألم ووجع الحصار المطبق على قطاع غزة- والذي ينال من تحقيق أمنيتها بإجراء عملية جراحية كي تنعم بالرؤية كغيرها من الأطفال- وُلدت في عائلة بسيطة وفقيرة وبلد مضطرب بالحروب والمشكلات والاحتلال وإغلاق الحدود.

 

تقول الطفلة في رسالة وجَّهتها لمن في قلبه ذرة رأفة وضمير: "أبلغ من العمر سبع سنوات، ولكنني حامدة وشاكرة لله سبحانه وتعالى؛ لإنعامه علينا بنعم كثيرة لا تعد ولا تُحصى، وأغلاها نعمة الصحة التي حُرِمت منها؛ فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى".

 

وتتابع في قصتها المؤلمة: "قصتي غريبة.. أغرب من الخيال؛ فهل رأيتم إنسانًا له عينان مكتملتان وبكامل تكوينهما يحُول بينه وبين رؤية العالم من حوله طبقة من الجلد تغلفهما.

 

بدأت قصة هديل التي عجز الأطباء في قطاع غزة عن تشخيص حالتها منذ اللحظة الأولى لولادتها؛ حيث تغطي طبقة من الجلد عينيها الملونتين؛ فيما يعيب كفّ يدها اليسرى تشوُّه خلقي أدى إلى تشابك أصابعها ببعضها برقاق من الجلد؛ حيث لا تستطيع مد كف يدها كغيرها من الأطفال.

 

وتعود التشوُّهات الخلقية التي تعاني منها الطفلة "هديل" إلى وجود ضعف في الجنين ذاته خلال فترة حمل والدتها بها، إلا أن كل ذلك لم يخفِ ضحكتها البريئة وابتسامتها التي حافظت عليها خلال التقائنا بها.

 

 الصورة غير متاحة

الطفلة هديل

وتواجه هديل مشكلات صحية تتمثل في إصابتها بجرثومة بعينها في شهر أبريل من كل عام بسبب فصل الربيع، وكذلك عند إصابتها بالزكام تواجه صعوبة بسبب ضيق فتحات أنفها، وعدم مقدرتها على السُعال بشكل طبيعي.

 

ولم يكن يتوقع "أبو خليل" المكلوم فؤاده على محبوبته أن يُرزَقَ بمولود بهذه الهيئة، لكن هذا هو قدر الله، وما شاء الله فعل، أما جدَّتها التي تتجرع الحسرة فشاركتها همًّا ربما أكبر من الذي حملته "هديل"، وتحدّثت عن لحظة استقبالها لحفيدتها البكر، وقالت: "لم أصدق ما رأته عيناي حينما وُلدت حفيدتي بهذا الشكل، وأُجهشت في البكاء؛ إلا أن علامات الدهشة رسمت تفاصيل وجهي وجميع من حضر للاطمئنان على المولودة، وكانت الصدمة الكبرى حينما حضنت والدتها مولودتها ولم تبدِ أيَّ امتعاض أو تذمُّر من شكلها، وضمَّتها إلى صدرها وأرضعتها وكأنها المولود الأجمل على وجه البسيطة!".

 

وتتابع جدتها بصوت متحشرج: "أموت في اليوم ألف مرة، في كل لحظة أنظر فيها إلى بقية الأطفال الذين يلهون ويمرحون، وهديل لا نصيب لها من ذلك، سيَّما مع نفور الناس منها عندما يروها للمرة الأولى".

 

وأضاف والدها وملامح الحزن تكسو وجهه: "حمدنا الله على ما ابتلانا به، ومنذ الأشهر الأولى توجهت بها إلى "القدس"؛ أملاً في علاجها، إلا أن عُسر الحال لم يسعفنا، وحتى السنوات الأربعة توقف علاجها هناك، وأجرى الأطباء اليهود لها أربع عمليات، وسبعًا أخرى في مصر كان آخرها في يوليو 2005م، حال دون إتمامها إغلاق المعابر وعدم تمكننا من إرسالها إلى إحدى الدول التي يمكن علاجها فيها.

 

وأطلق والد "هديل" مناشدةً لأصحاب القلوب الرحيمة في التدخل لمساعدتها في السفر، عساها تظفر بأيام هنيئة.

 

ويضيف والدها الذي لم يُخفِ تعلقه بها: "أكثر ما يؤلمني نظرة الشفقة التي يلقيها الناس عليها، واستمرار تحديقهم في ملامح وجهها غير العادية؛ مما دفعني إلى عدم إخراجها إلى الشارع لفترة غير بسيطة، ولا أزال أذكر حَمَق أحد الأطباء الذي قال لي عندما رآها للمرة الأولى: لماذا تعالجها؟ لو ابنتي مثلها لما عالجتها!!، فأجبته: "لن أتوقف عن معالجتها حتى لا يأتي اليوم الذي تلومني فيه، وتشير إليَّ بالتقصير، فكيف أقصِّر في فلذة كبدي؟!".

 

وأضاف: "يا الله!! كم أتألم حينما أفكِّر في أمرها، فكيف للمعابر الحمقاء أن تحُول دون شفاء طفلة لم تنعم بالتمتع بلحظات طفولتها، ورؤيتها تلهو وتمرح، وتملأ أرجاء المنزل ضحكًا، لقد حُرمت من التلذُّذ برؤية طفلتي البكر تنمو كبقية الأطفال، فللّه درّك يا صغيرتي!".

 

منَّة من الله ولكن!

"أم خليل" التي لم تتجاوز الثانية والعشرين قالت وهي تحبس دموع الحزن على طفلتها: "لم أستأ للحظة منها، وفي البداية كنت أعاملها بشكل خاص، نظرًا لظروفها؛ إلا أنها بدأت تنطوي على ذاتها، ولا تحتك بالآخرين؛ مما دعاني إلى تغيير ذلك، ومعاملتها كباقي إخوتها حتى لا يؤثر على نفسيتها، وكانت النتيجة إيجابية"، مشيرة إلى تفوُّقها في دراستها في إحدى المراكز الخاصة بالمكفوفين، وتعلُّمها الكتابة واللغة الإنجليزية، وتميزها بذكائها الفذ وحنان قلبها الصغير.

 

وتضيف: "في الغالب لا أشعر باختلاف حالها عن الناس؛ فهي فطِنة، وتهتم بمظهرها بشكل كبير، وتحرص على أناقتها؛ فإذا ما اشتريت لها قطعة ملابس لم تنَلْ إعجابها ولم تكن مناسبةً تُصر على استبدالها بأخرى تتناسق مع بقية ملابسها".

 

النور رفيقها!

ومما يثير الغرابة حرص "هديل" على اقتناء أي من الألعاب أو الأدوات التي توجد داخلها إنارة، وأكد ذلك حملها- باستمرار- قطعةً بلاستيكيةً يتوسطها مصباح، وجَّهته نحو عينها، وكذلك الهاتف المحمول الخاص بوالدها نوع "كشَّاف" فشرعت بالضغط على الزر الذي يضيئه، لتعوِّض حرمانها من رؤية النور والضوء الذي غاب عن حياتها وعن أيام طفولتها.

 

وناشدت الطفلة (هديل) الاتحاد الأوروبي مساعدتها في العلاج في الخارج من خلال إجراء لها عمليات جراحية.

 

واختتمت الطفلة قصتها بأبيات شعر قائلةً:

         فمن دروب الشوك أكتب كلماتي          ومن لهيب صدري أُخرج آهاتي

         فإنني كالصخرة الصماء صبورة           أبكي بصمت لكي لا أُحزن الآخرين بدمعاتي