مرَّت العلاقات الحمساوية الأردنية بسلسلة توترات، بدأت بإبعاد رئيس وأعضاء مكتبها السياسي بعد اعتقالهم أسابيع في 1999م، كما لم تتعامل الأردن مع نتائج الانتخابات الفلسطينية وحكومة حماس الأولى في 2006م، وبلغ التوتر ذروته بعد اعتذار الأردن عن عدم استقبال وزير الخارجية الأسبق محمود الزهار، واتهام الحركة بتهريب أسلحة وتخزينها بالأردن تمهيدًا لتنفيذ عمليات فيه، ونفت حماس التُّهَم بشدة، واعتبرت دوافعها سياسيةً، وقالت إن الأردن تعرَّضت لضغوط أمريكية لعدم استقبال الزهار.

 

وكشفت مصادر أردنية عن لقاءٍ عُقد في عمَّان مؤخرًا بين مدير المخابرات الأردنية الجنرال محمد الذهبي ووفد من حركة المقاومة الإسلامية حماس، وهو اللقاء الرابع بين الطرفين خلال شهرين، وجاءت اللقاءات لتنفيَ ما نشرته صحف أردنية من مقالات اعتبرت أن العلاقة بين حماس والأردن وصلت إلى مرحلة "مكانك سر".

 

وتشير هذه اللقاءات المتكررة إلى نوعٍ من التقارب بين الحكومة الأردنية وحماس؛ بعد قطيعةٍ دامت عقدًا من الزمن إثر طرد الحكومة الأردنية ممثلي المكتب السياسي من عمان وإغلاق مكتبهم إبَّان حكومة عبد الرءوف الروابدة عام (99).

 

وبحسب المصادر الإعلامية؛ فإن من أبرز القضايا التي تم بحثها معالجة الملفات الأمنية والسياسية العالقة والأوضاع في غزة.

 

ويَعتبر المراقبون أن مصالح الأردن وحماس تلتقيان مرحليًّا، وفي ظل الظروف الراهنة وعودة الحديث عما يسمى "الخيار الأردني" لحل القضية الفلسطينية، وهو حديثٌ تأخذه عمّان مأخذ الجد، ويجعلها مستعدةً للتحالف مع أيٍّ كان؛ كل ذلك بانتظار ما قد يحمله المستقبل من مفاجآت على الجانبين الأردني والفلسطيني.

 

وقالت حركة حماس: إن الاجتماعات بينها وبين الأردن تأتي في إطار فك العزلة المفروضة عليها والانفتاح على العالم العربي والإسلامي والدولي وتسويق ما وصفتها بـ"الشرعية الفلسطينية" وضرورة احترامها.

 

مخاوف صهيونية

وأثارت هذه اللقاءات مخاوف داخل الكيان الصهيوني، وتكمن هذه المخاوف في أن هذه اللقاءات من شأنها أن تفتح صفحةً جديدةً بين الحكومة الأردنية والحركة الإسلامية لما كانت عليه قبل أن تتصاعد الأزمة بين الطرفين.

 

ويقول مراقبون إن من دوافع التوجه الأردني لتحسين العلاقات مع حماس ضرورة التعاطي مع المتغيرات الإقليمية والدولية في المنطقة.

 

وأضافوا أن الأمر يندرج في سياق أشمل؛ يتمثَّل في توجه رسمي أردني نحو مهادنة إسلاميي الأردن؛ باعتبار أن حماس شديدة القرب منهم، وتحسين العلاقات معهم في إطار جملةٍ من الشروط؛ أهمها التزام هؤلاء بخدمة المصلحة العليا للمملكة، والقبول التام بضوابط اللعبة الديمقراطية.

 

الظروف السياسية في الساحة الدولية والإقليمية، والتي ربما تشهد تغييراتٍ ملموسةً خلال الفترة القادمة- خاصةً مع النجاحات التي بات يحقِّقها الديمقراطيون في الولايات المتحدة وانعكاس ذلك على القضية الفلسطينية والعلاقة مع حركة حماس- من الأسباب والاعتبارات التي دفعت الأردن لتعزيز العلاقات مع حماس.

 

مصالح متبادلة

وأضاف الكاتب والمحلل السياسي أمين دبور لـ(إخوان أون لاين): "الأردن تجد نفسها في حالة قلق شديد؛ لما ستشهده الساحة السياسية مستقبلاً؛ لذا بدأت بالبحث عن تعزيز علاقاتها مع حماس التي ستكون لاعبًا أساسيًّا في ساحة المنطقة، وتمثِّل أكبر قوة فلسطينية".

 

وتدرك الأردن جيدًا أنه لا يمكن تجاوز حماس في أي استقرار داخلي فلسطيني أو في التأسيس لأي حل سياسي مع الكيان الصهيوني ينتهي إلى تحقيق الهدف الإستراتيجي الأردني المتمثِّل في إقامة دولة فلسطينية مستقلة، كما تدرك حماس أن الساحة الأردنية مهمة جدًّا لها في صراعها الطويل مع الكيان الصهيوني.

 

مضيفًا أن من بين الاعتبارات بدء تشكيل محور جديد ومعتدل في المنطقة "مصر وسوريا والسعودية"؛ يُبدي استعداده لدخول عملية التسوية، مضيفًا: "أيضًا الأردن اكتشفت أن لحماس مواقف مغايرة، كعدم التدخل في شئون الدول العربية، ورفض فكرة الدولة البديلة.. "حماس صدقت في تعهداتها بعدم التدخل في شئون أية دولة، وأثبتت ذلك، والأردن باتت أكثر اطمئنانًا بخلاف حركة فتح التي دخلت العديد من الحروب في الساحات العربية".

 

وشدَّد دبور على أن الأردن باتت تشعر بالراحة السياسية مع حركة حماس التي ترفض خيار الدولة الفلسطينية في الأردن أو إلقاء القضية الفلسطينية في الدائرة الأردنية؛ بخلاف الأطراف الفلسطينية الأخرى التي تُبدي استعدادها للحديث عن البديل الأردني.

 

وبحسب مصادر مطلعة، طلبت الأردن من قياديي حماس وقف التدخل في شأنه الداخلي، خاصةً ما تعلَّق بالحركة الإسلامية الأردنية، وهو تدخلٌ نفته قيادات حماس بشدة.

 

منظومة أمريكية

على النقيض يرى المحلل السياسي محمد أبو علان أن الاجتماعات الأخيرة بين قيادات حماس والأردن هي مدخل لتدشين حركة حماس باتجاه المشاريع في المنطقة، وقال: "مصر تحاول الضغط على حماس بالحصار والأردن من مدخل الحوار".

 

وأشار إلى أن الأردن جزءٌ من منظومة السياسة الأمريكية في المنطقة التي تسعى إلى إخضاع الجميع لها بعد فشلها في إخضاع حزب الله، مضيفًا: "بالتالي هي تسعى إلى إدخال حماس في هذه المنظومة، مستغلةً حاجة حماس إلى استعادة العلاقات ورفع الحصار ودور أردني في المنطقة".

 

واتفق المحللان (دبور وعلان) على أن فشل الرهان الأردني على التوصل إلى اتفاق شامل على المسار الفلسطيني مع نهاية ولاية بوش الثانية هذا العام، إلى جانب ضعف السلطة الفلسطينية في القضاء على حماس وتدبير أمر المصالحة الوطنية بين الفرقاء.. من الأمور التي دفعت الأردن إلى تعزيز العلاقات مع حماس.

 

البديل الأردني

وفيما يتعلق بدوافع تجاوب حماس مع التوجه الأردني؛ أشار أبو علان إلى أن حماس بدأت تبحث عن بدائل أخرى، خاصةً أن لديها مخاوف من دخول سوريا عملية التسوية والتخلي عن التنظيمات الفلسطينية وطردها من أراضيها.

 

وأوضح أن قيادات حماس تراهن على دور الأردن السياسي المستقبلي وتحنُّ إلى الحاضنة الأردنية، وتحتفظ بقناعتها حول وحدة المصالح الأردنية- الفلسطينية.