﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63)﴾ (الإسراء).
رأى كثير من المراقبين أن نجاح الحوار في القاهرة يحتاج إلى معجزة؛ ذلك أن العديد من الدلائل تشير إلى عدم الجدية في الوصول إلى وفاق فلسطيني؛ فإن ما يجري في الضفة يشبه الاستئصال العِرْقِي لكل ما يمتُّ إلى حماس بصلةٍ، كما أن التعاون الأمني مع الاحتلال غير مسبوق، وقد بلغ بهم الصلف أو التلف حَدَّ استدعاء زوجات الشهداء والمعتقلين لانتزاع اعترافات تخدم الاحتلال في ملفات التحقيق، أو معرفة المزيد من أنباء الدائرة التي كان الشهداء يلوذون بها، وقد طال الاختطاف أنجال النواب المختطفين عند الصهاينة، بل تعداهم إلى الصبية المنتظمين في مراكز تحفيظ القرآن.
ومع ذلك فإن حركة المقاومة الإسلامية قد استجابت لدعوات الحوار، ولطالما أعلنت أنه لا مفرَّ من الحوار إلا إليه، ولكن المطلوب أن يكون محكومًا بثوابت القضية الفلسطينية ومصلحة الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية من ورائه، وفي إطار حق المجتمع في مقاومة الاحتلال، وأن يبدأ بمنظمة التحرير ومؤسساتها المختلفة قبل أن يلتفت إلى وليدها الخِداج- أعني السلطة تحت حراب الاحتلال- فضلاً عن الحكومة، أو ما يسمى بالأجهزة الأمنية، وبقية المفاصل السياسية أو الدوائر الإدارية.
غير أن الذي يلوح في الأفق هو الرغبة الجامحة في زحزحة حركة حماس عن المسرح السياسي، وهو ما عجز الاحتلال عنه بالحصار وبالحراب، بل وباختطاف الوزراء والنواب، وغير ذلك من الأبواب، وربما كانوا يُبَيِّتون أن يعرضوا على حماس ما لا تقبله من المشاريع، كالاعتراف الصريح أو الضمني بشرعية الاحتلال؛ ليقال إنها هي التي أفشلت الحوار؛ لتسويغ تشديد الحصار؛ لعل الشعب يضيق بها ذرعًا، فينتفض على حكومته ويريح القوم منها.
أما آية الإسراء وأخواتها في الأعراف والحِجْر وسورة ص وغيرها؛ فهي تعرض للحوار الذي دار بين الشيطان والجبَّار القهار؛ فقد أمر الله عز وجل الملائكة بالانحناء لآدم إقرارًا بأهليته للخلافة في الأرض، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين، ولم يشأ الرحمن أن يبطش به من فَوْرِهِ، بل ذهب يقول له وهو يحاوره: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنْ الْعَالِينَ﴾ (ص: من الآية 75)، فأجاب بغرورٍ: ﴿لَمْ أَكُنْ لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ (الحجر: من الآية 33)، ولم يكن الأمر بالسجود وآدم في مرحلة الحَمَأِ المسنون، ولا وهو صلصالٌ كالفَخَّار، بل بعد أن نفخ الله تبارك وتعالى فيه من روحه، فأنشأه خلقًا آخر وجعله سميعًا بصيرًا، بل وهبه الفؤاد كذلك ليعقل به ويتفكر في خلق السماوات والأرض، ويدرك أن الله جل جلاله ما خلق هذا باطلاً، ولا عبثًا ولا لعبًا، ﴿فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (النور: 116).
لقد طلب إبليس في حواره مع ربَّه أن يؤخره إلى يوم يبعثون؛ يوم يقوم الناس لربِّ العالمين؛ لعله بذلك يفلت من نفخة الصعق التي لا يبقى معها إلا وجهه، وسيئول المُلك كله إلى الله الواحد القهار، لكن الحليم العليم لم يمهله إلا إلى يوم الوقت المعلوم، وهو قيام الساعة؛ لتأخذه زلزلة الساعة، ويعاني الفزع الأكبر، ثم يهلك مع الهالكين من قبل أن ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون؛ لِيَصْلَى النار الكبرى، ثم لا يموت فيها ولا يحيى.
لقد أقسم الشيطان على السيطرة على ذرية الإنسان إلا قليلاً منهم؛ هم عباد الله المخلَصون، فقد تَوَعَّدَ أن يأتيَهم من بين أيديهم ومن خلفهم، وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وأنه سبحانه لن يجد أكثرهم شاكرين؛ إِذِ الاحتناكُ في آية الإسراء معناه أن يكون ابن آدم منقادًا للشيطان انقياد الدابة التي وضع اللجام في حنكها؛ فهي لا تملك إلا الطاعة لسائسها، ومع أنه لا سلطان للشيطان على الإنسان غير أنه يُزَيِّنُ له سوء عمله فيراه حسنًا، فيكون ممن ضَلَّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
وقد أطلق الله جل جلاله للشيطان العنان ليجهد في إغواء الإنسان، وتوعده أن يملأ جهنم منه وممن تبعه منهم أجمعين، وأن يكون جزاؤهم فيها جزاءً موفورًا، بل أَذِنَ له أن يستفزز من استطاع منهم بصوته، وهو كل سَمَاعٍ محرَّم كالمزمار وغيره، وأن يجلب عليه من الجنود ما استطاع رجالاً أو ركبانًا، وهم المُعبَّر عنهم في آية الإسراء بالخيل والرَّجِل؛ أي راكبين على الخيل، أو ماشين على أرجلهم؛ بل له أن يشاركهم في الأموال والأولاد وهو إغواؤهم بالوقوع في كل خطيئةٍ تتعلق بالأموال؛ كالكسب الحرام، والامتناع عن الإنفاق الواجب، أو تتعلق بالأولاد، سواء بقتلهم خشية إملاقٍ، أو حتى بما يزيدونه للوالدين من الإرهاق، كما نراه من سلوك الابن العاق، وغير ذلك من المشاق، كما أَذِنَ له أن يَعِدَهُم زورًا وبهتانًا ما يغريهم بالاستجابة له، كطول الأمل، والتوبة قبل مجيء الأجل، وما يعدهم الشيطان إلا غرورًا، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور.
لكنَّ الشيطان لا سلطان له على الإنسان؛ لذلك فإن عباد الله المؤمنين معهم من الإيمان بالله واليوم الآخر، ومن العلم بعداوة الشيطان وخطواته ما يعصمهم الله به من أن يغرهم بالله الغرور؛ فقد اتخذوه عدوًّا؛ لأنه إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، وكفى بربك وكيلاً للمؤمنين؛ يكلؤهم بالليل والنهار؛ لِيُصْنَعوا على عينه، ويصطفيهم لنفسه، فيذهب جهد الشيطان فيهم هباءً منثورًا.
ولا بُدَّ من التذكير بأن شياطين الإنس أشدُّ بأسًا وأشدُّ تنكيلاً من شياطين الجن، وإن كان بعضهم لبعض ظهيرًا؛ فإن كيد الشيطان كان ضعيفًا كما في النساء (76)، بينما قيل لنسوةٍ في المدينة: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (يوسف: من الآية 28).
إن إبليس قد نال بعض ما تمنَّى في الحوار، لكن ذلك لم يزده إلا عذابًا ضِعْفًا من النار، وإن وكلاء اليهود والنصارى قد يستطيعون انتزاع بعض التنازلات كالذي سلف في وثيقة الوفاق، أو سبق عند البيت العتيق فيما عُرف باتفاق مكة المكرمة، لكننا موقنون أن ذلك لن يزيدهم إلا خبالاً في الدنيا؛ فما ربُّك بغافل عما يعمل الظالمون، إنما يملي لهم ليزدادوا إثمًا، ويوم القيامة يُرَدُّون إلى أشدِّ العذاب، وسواءٌ أفلح الحوار أم كان مصيره البوار، فما يزيدنا الإصرار على ثوابت الأبرار إلا رضا الغفار، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.
--------
* أحد قادة حماس والحركة الإسلامية في فلسطين.