د. حامد أنور

لم يعد في وسع الولايات المتحدة الأمريكية شيءٌ تفعله سوى الاستعانة بصلوات بابا الفاتيكان علها تعيد إليها هيبتها التي أُهدرت وكرامتها التي سقطت وماء وجهها الذي جفِّ.

 

لقد ضاقت بها السبل وتقطَّعت بها الأسباب فلم تجد حلاًّ سوى أن تأتي برجل الكنيسة الكاثوليكية ليصلي في مكان سقوط برجي التجارة العالمي؛ أتت به كي يُعطي حضارتها المنحلة صك الغفران الجديد، ويختم قيمها الفاشية بخاتم الشرعية الدينية، ويا للعجب بعد كل هذه السنين من الثورة الفرنسية تعود صكوك الغفران مرةً أخرى وعلى أرض الإمبراطورية الأمريكية العلمانية، إنه السقوط المدوي.

 

ولكن هل تنجح صلوات البابا في أن تُحقق ما عجزت عنه مراكز الدراسات والمدافع والطائرات؟ هل ستنجح في إيقاف مسيرة التاريخ وسنة الله في الأمم؟.. ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)﴾ (الكهف)، ولكن العجيب: أن باب الفاتيكان صدَّق نفسه واجتهد في أداء الدور بشكلٍ ملفت، فلقد دعا بابا الفاتيكان بأن يمنح الله الهدايةَ والرشاد للذين تمتلئ قلوبهم بالحقد والضغينة، فهلا فعلها رجل الفاتيكان من أجل صابرا وشاتيلا ودير ياسين؟، من أجل الجنود المصريين الأسرى الذين نحروا في سيناء؟، من أجل المحاصرين في غزة؟، من أجل الذين قتلتهم القوات الإثيوبية المجرمة في مسجد الهداية.. أم أن منظار الباب كما عوَّدنا يرى بعينٍ واحدة فلا يرى إلا ضحاياهم والقلوب التي قتلت محمد الدرة وإيمان حجو وعائلة هدى غالية وأكثر من مليون عراقي هي قلوب مفعمة بنور الإيمان والمحبة والسلام؟!!.

 

ولكني سأتوقف عند زيارة الباب إلى الأمم المتحدة وخطابه فيها في الوقت الذي يموج فيه العالم بمظاهرات الجوعى والفقراء بسبب سياستها الفاشلة وإدارتها المستبدة للعالم، والتي أدَّت إلى استفحال الغلاء وانتشار الجوع بين بني البشر وضاعت بسببها أبسط حقوق الإنسان في الحصول على حاجاته الأساسية.

 

إن الحيوانات لا تجوع لأنه ليس لديها أمم متحدة، إن أسباب الأزمة الاقتصادية العالمية ليست بمعزلٍ عن الإدارة السياسية في الأمم المتحدة، وعلاجها لا يكون بإجراءات اقتصادية ساذجة بمنح بعض الدولارات هنا أو هناك، بل يتطور البيان السياسي لها، فالأمم المتحدة التي تتشدق بالديمقراطية هي أساسًا كيان غير ديمقراطي؛ إنها تُعطي ميزات ومكتسبات لمجموعةٍ صغيرةٍ من الدول تستبد بالقرار السياسي العالمي وتوجه العالم كله إلى مصالحها الخاصة بغض النظر عن حاجات الشعوب وطموحات الدول الأخرى، تتفق فيما بينها على سياسات اقتصادية ثم تأمر مجموعة العبيد المعروفة مجازًا بدول العالم الثالث بتنفيذها والرضوخ لها، بل إنها تتعدى على هذه المفاهيم الديمقراطية عندما تأتي الرياح بما لا تبتغيه تلك الدول فحاصروا (حركة حماس) في غزة عقابًا لاختيار الشعب الديمقراطي وتغاضوا عن المحليات في مصر لأنها شأن داخلي.

 

إنها الديمقراطية المزاجية أو ديمقراطية حسب الظروف، إن حق الفيتو الممنوح لبعض الدول والذي ضاعت بسببه العديد من حقوق الضعفاء وانتقلت من خلاله عشرات القرارات ونهبت من خلاله الثروات هو نفسه ضد قيم الحرية، المفروض أن لكل الدول حقَّ التصويت، ولكل الدول حق الاعتراض، أما أن يُمنح لدول دون أخرى فإنها العنصرية الدولية، إنه الاستعباد لدول العالم، خاصةً أن المؤسسات المرتبطة بالأمم المتحدة مثل منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي تنهج نفس النهج فتؤخذ القرارات بعيدًا عن الأسس السليمة، كما أنها ترفض التراجع عن القرارات التي اتخذت وأن اتضحت خطورتها وتأثيرها المدمر على الشعوب مع أن المراجعةَ هي أساس ما يُسمونه الديمقراطية.

 

إنه الاستكبار في الأرض، أو ليست الديمقراطية كما يزعمون تعمل (أي الأغلبية)؟.. فما لتلك الإمبراطورية الأمريكية تنفرد بإدارة العالم وتطويعه لما تريد؟!!. إن الديمقراطية عندما تتعارض مع مصالحها فلتذهب كل تلك الشعارات إلى مزابل التاريخ، ويبدو أن دور الأمم المتحدة قد انتهى.

 

كما أنه من العجب العجاب أن شعوب العالم المسكينة تتحمل وزر البنوك الأمريكية وسياساتها المتخبطة، فمثلاً أزمة الائتمان العقاري الأمريكي والتي أدت كما يزعمون إلى خسائر  665 مليار دولار وقد تصل إلى ترليون دولار بسبب الحرص على رفاهية الشعب الأمريكي وقيام البنوك هناك بإقراضهم دون ضمانات فأدَّى إلى أزمةٍ عالميةٍ ودخول العالم في مرحلة ركود اقتصادي، فما للعالم يتحمل تلك الأخطاء؟ وما لشعوب العالم المسكينة تعاني من أجل الشعب الأمريكي؟!.

 

الله عليك يا مصر، لو أنَّ شابًا هنا اقترض من الصندوق الاجتماعي ولم يسدد ستطارده الحكومة هو وأهله والورثة من بعدهم، أما المواطن الأمريكي السوبر فلتجوع شعوب العالم من أجل رفاهيته الخاصة.. هل هذه هي ديمقراطية صندوق النقد الدولي؟!!.

 

كما أن الأمم المتحدة تلقن مسئولي الدول أرقامًا كاذبةً ومعلومات مغلوطة من أجل الكذب على الشعوب، وهذا لن ينقذ السفينة من الغرق، فيقولون إن النمو الاقتصادي 7% ثم يقولون إن عجز الموازنة 9%، ثم يعلن الوزير الهمام عن نيته لبيع أصول مصر ثم تخرج علينا الأغاني المبهجة (بكرة أحلى من النهاردة).

 

إن الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاحٍ هيكلي يُخلِّص شعوب العالم من استبدادية الأقلية ومن مخالب مصاصي الدماء.

 

ولكن السؤال الآن هو: لماذا لم تتحرك مشاعر الباب من أجل البشر؟!!.