قدَّر اقتصاديان أمريكيان بارزان كُلفة احتلال أمريكا للعراق بـ3 تريليونات دولار، وهي أعلى تكلفة تمَّ رصدها حتى الآن، وقالا إن آثار هذا الاحتلال بدأت توجع الاقتصاد الأمريكي، واقترحا الانسحاب من العراق كعلاجٍ للانكماش الاقتصادي الذي تعاني منه الولايات المتحدة حاليًّا.
حيث كتب الاقتصادي الأمريكي البارز جوزيف ستجيلتز الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد، مقالاً صدر صباح الأحد بالتعاون مع الخبيرة الاقتصادية الأمريكية ليندا بيلمز أستاذة الاقتصاد في جامعة هارفارد، قدَّرا فيه كلفة احتلال العراق في الميزانية الأمريكية بـ3 تريليونات دولار.
وقال الكاتبان في المقال الذي نشرته جريدة "واشنطن بوست" الأمريكية في ملحق الرأي الأسبوعي: "إن مغامرة العراق قد أضعفت الاقتصاد الأمريكي بشدة، وهي الحرب التي تتخطَّى أوجاعها أزمة الرهن العقاري الحالية؛ فلا يمكنك إنفاق 3 تريليونات دولار- نعم.. 3 تريليونات دولار- على حربٍ فاشلةٍ ثم لا تشعر بالألم الاقتصادي هنا في الوطن".
وقال الاقتصاديان الكبيران إن حرب العراق وحدها- وفق حساباتهما الاقتصادية- تكلِّف الولايات المتحدة 12 بليون (مليار) دولار شهريًّا، ويرتفع المبلغ إلى 16 بليون دولار إذا ما أضيفت تكلفة الحرب الأمريكية في أفغانستان.
ووصل الكاتبان إلى أنه عند حساب تكاليف أخرى، مثل الإنفاق الحكومي على متقاعدي الحرب، والأموال الضرورية لتجديد الموارد والمعدات والأسلحة الحربية التي تمَّ استنفادها في الحرب؛ فإن الكلفة على الحكومة الفيدرالية ستزيد عن 1.5 تريليون دولار.
وقالا كذلك إن الحكومة تدفع نصف مليون دولار تعويضًا لأسرة كل متوفَّى في الحرب، وعلى الرغم من أن هذا أقل مما تدفعه شركات التأمين لمَن يموت في حادثة سيارة في أمريكا فإن ذلك يمثل عبئًا إضافيًّا على الميزانية الفيدرالية التي تعاني أصلاً من عجز كبير، وقال إن كلفة مرضى وعجزة الحرب ترفع التكلفة إلى 3 تريليونات دولار.
وأشار الكاتبان إلى أن الرئيس الأمريكي جورج بوش على الرغم من هذا قد مرَّر اقتطاع ضريبي ورفض فرْض ضرائب على الأغنياء؛ مما أضاف للعجز الضخم في الميزانية الأمريكية؛ مما اضطر البلاد لتمويل الحرب عن طريق الاقتراض الخارجي.
وقال ستجيلتز الذي خدم كرئيس مجلس الاستشاريين الاقتصاديين للرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون، في مقاله الذي كتبه مع بليمز، التي كانت كبيرة المسئولين الاقتصاديين بوزارة التجارة الأمريكية.. قال إن المديونية الأمريكية ازدادت بمقدار تريليون دولار نتيجة ذلك، وإن هذا العجز والمديونية يجعلان من الصعب الإنفاق على المتطلبات الداخلية في أمريكا، مثل عمليات إصلاح الكباري والطرق الجديدة أو المدارس أو الرعاية الصحية للفقراء.
ودلَّل الكاتبان على صحة ما ذهبا إليه بالقول إن المخصصات المالية لهيئات أمريكية اجتماعية، مثل هيئة الغذاء والدواء أو معهد الصحة القومي وهيئة حماية البيئة، أو حتى المساعدات الفيدرالية للمدن والولايات.. كلها تمَّ تقليصها منذ بدء الحرب في مارس 2003م.
وقال المقال إن قدرة أمريكا على تحمُّل تكلفة الحرب تضعف أيضًا الآن، خصوصًا مع دخول أمريكا في فترة انكماش اقتصادي وإن لم يصل إلى حد الكساد.
وتهكَّم الكاتبان في مقالهما على مَن يقول إن الإنفاق العسكري والحرب ينشِّطان الاقتصاد الأمريكي، فقالا "إن ذلك صحيح جزئيًّا فقط؛ وذلك على غرار: كيف أن الإنفاق على الحرب العالمية الثانية أخرج أمريكا من فترة الكساد الكبير"!! لكنهما قالا إنه من الأفضل إنفاق أموال الحرب في داخل أمريكا؛ حيث سيأتي ذلك بنتائج أفضل من صرف الأموال في العراق وأفغانستان.
فقالا: "إن إنفاق الأموال في مرتبات لعمَّال من نيبال في العراق، أو حتى دفع أموال للعمَّال العراقيين أنفسهم لا يحفِّز الاقتصاد الأمريكي بنفس الطريقة التي يحفِّز بها المال المنفَق في الوطن، كما أن إنفاق الأموال هناك لا يوفِّر الأسس لنموٍّ أمريكيٍّ طويل المدى مثل ما يفعل الإنفاق على الأبحاث والتعليم والبنية الأساسية".
وكشف الكاتبان في مقالهما عن أن دول الخليج العربي- ومعها شركات النفط العالمية- كانت من المستفيدين القلائل من الحرب في العراق التي أدَّت إلى ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي زيادة مدخراتهم والتي تُستخدم الآن في إقراض البنوك الأمريكية، مثل سيتي جروب، وميريل لينش، وشركات أخرى في وول ستريت أو شارع المال الأمريكي ممن تعثَّروا بأزمة تعثُّر الإقراض والرهن العقاري الأمريكي.
وقال الكاتبان إنه بغض النظر عن الفوائد السياسية فإن إنهاء احتلال العراق والحرب هناك سوف يؤتي ثمارًا اقتصادية لأمريكا.
وخلصا للقول: "أمريكا سوف تدفع ثمن حرب العراق لعقودٍ قادمةٍ، وسوف يكون الثمن باهظًا؛ لأننا حاولنا تجاهل قوانين الاقتصاد، وسوف تزداد التكلفة كلما طال أمد وجودنا هناك".
يُذكر أن جوزيف ستيجلتز يعتبر من أهمِّ الاقتصاديين في أمريكا، ويحظى باحترامٍ واسعٍ في الولايات المتحدة.