بالرغم من المأساة الحقيقية التي يحياها أهالي قطاع غزة منذ الانتخابات التشريعية الأخيرة التي وضعت حركة المقاومة الإسلامية حماس على رأس السلطة الفلسطينية، إلا أن القيادات الصهيونية، على ما يبدو لا يكفيهم المعاناة التي يشعر بها هؤلاء، ويريدون بدلاً من ذلك أن يتحول القطاع إلى ساحة للصراع الأهلي، ما بين الشعب الفلسطيني الأبي من جهة، وقيادات حركة المقاومة الإسلامية حماس من جهةٍ ثانية؛ وذلك بسبب الممانعة الشديدة التي تُبديها الحركة في وجه المخططات الصهيونية الهادفة لإسقاطها.
محاولات فاشلة
وقد اتخذت "إسرائيل" العديد من الوسائل الهادفة لإسقاط الحركة، بدايةً من فرض الحصار الخانق على قطاع غزة، مرورًا بإثارة الفوضى في القطاع، وبث بذور الفتنة بين فتح وحماس وما ارتبط به من مشادات وتوترات أدَّت إلى سقوط بعض القتلى من الجانبين، وانتهاءً بقطع الكهرباء عن القطاع، وما تسبب فيه من خروج الأهالي في مظاهرات حاشدة أدَّت إلى تجاوز الحدود الفاصلة بين مصر وغزة، من أجل الحصول على الغذاء والدواء.
إلا أنه ونتيجة لفشل المحاولات السابقة في دفع الشعب الفلسطيني للثورة على حركة المقاومة الإسلامية حماس وإنهاء سيطرتها على قطاع غزة، لم يكن أمام الحكومة الصهيونية الفاشلة إلا شن غارة برية وجوية على القطاع، في محاولة يائسة منها للقضاء على الحركة، وإثبات قدرتها على تحقيق الأمن والاستقرار للكيان الصهيوني.
ولكنها وللأسف لم تتمكن سوى من قتل ما يزيد على ثلاثين طفلاً وشابًّا فلسطينيًّا، هذا هو النصر الوحيد الذي تمكَّنت من تحقيقه آلة الحرب الصهيونية التي يعمل لها البعض ألف حساب، وهو نصر بطعم الهزيمة، بل نستطيع أن نقول إنه وصمة عار في جبين الجيش الصهيوني، الذي يعجز عن استهداف المقاومين فيكتفي بالأطفال والنساء والشيوخ؛ وذلك في مقابل نجاح المقاومة الفلسطينية الباسلة في قتل جنديين صهيونيين، فضلاً عن آلية صهيونية بمَن فيها من جنود يصل عددهم حسب البيانات الصادرة عن كتائب عز الدين القسام إلى ما يزيد على ثلاثين جنديًّا صهيونيًّا لم تعلن عنهم وسائل الإعلام الصهيونية خوفًا من الفضيحة.
إدانات شعبية
المظاهرات الشعبية مستمرة نصرة لغزة

وقد أدَّت تلك الحملة الشرسة إلى موجةٍ من المظاهرات والإدانات الشعبية؛ حيث حرصت الشعوب العربية، وما يرتبط بها من منظمات حقوق إنسان على إدانة تلك الحملة على الشعب الفلسطيني الأعزل، باعتبار أن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى كارثة حقيقية، ليس فقط على الصعيد الفلسطيني، ولكن أيضًا على جميع الصعد العربية والإقليمية والدولية، إذْ من شأن استمرار تلك الحملة أن تؤدي إلى انفجار الأوضاع الفلسطينية، على غرارِ ما حدث عند قطع الكهرباء عن القطاع، وما تسبب فيه ذلك من خروج آلاف السكان للحدود المصرية، وقيامهم بتجاوز الحدود الفاصلة بين مصر وفلسطين.
كما قد يؤدي ذلك- أيضًا- في حال استمراره إلى انفجار الشعوب العربية والدولية ضد الوجود الصهيوني والأمريكي في المنطقة والعالم؛ الأمر الذي قد يعرض مصالح الغرب للخطر الشديد، خاصةً أن مواقفهم لا تزال دون المستوى المطلوب.
صمت عام
وفي مقابل المواقف الشعبية الأبية، التي تعلن صراحةً رفضها للهجمات الصهيونية على الشعب الفلسطيني، تعكس حالة الصمت التي عليها الحكومات، والأنظمة العربية والإسلامية بل والدولية، مدى الخنوع الذي وصل إليه هؤلاء في مواجهة العدو الصهيوني المتغطرس، والذي لم يتحرج من وصف ما يحدث في غزة بأنه هولوكوست جديد، في إشارةٍ إلى الهولوكوست القديم الذي راح ضحيتها الآلاف من اليهود.
![]() |
|
الشهداء يرتقون ولا يحرك الحكام العرب ساكنًا |
ويعني ذلك أن الكيان الصهيوني عاقد العزم على ارتكاب مجزرة إنسانية في حق الشعب الفلسطيني، غير عابئ بالانتقادات الشعبية والدولية التي قد توجه إليه في حال استمرار ذلك العدوان غير المبرر على الفلسطينيين العزل في قطاع غزة.
والحقيقة أن ما تقدَّم عليه الحكومة الصهيونية، يؤكد أنه لا توجد دولة اسمها الكيان الصهيوني، وإنما مجموعة من العصابات تعيش على سرقة وانتهاك حقوق الآخرين؛ لأنها لو كانت دولة لتحتم عليها احترام المواثيق والأعراف الدولية التي تفرض عليها احترام المدنيين العزل، وتقديم ما يحتاجون إليه من غذاء وكساء ودواء، وغيرها من أشياء ضرورية لبقاء هؤلاء على قيد الحياة.
ولكن ماذا يحدث في فلسطين، إن تلك العصابات الصهيونية، تسير قدمًا في اتجاه تدمير قطاع غزة، معتمدةً على الحماية التي تكفلها لها الحكومة العالمية المتجبرة ممثلةً في الولايات المتحدة الأمريكية التي نصبت نفسها شرطيًّا للعالم، يحمي العصابات، ويُوفِّر لها الحماية التي تحتاجها.
ولأننا نخشى من ذلك الشرطي الذي يرفع علينا سلاحه مهددًا تارةً، ومستفزًّا تارةً أخرى، فإننا لا نملك كأنظمة وحكومات سوى أن نكمن الصمت، وكأنَّ ما يحدث لا يعنينا في شيء، وحتى لا نتهم بالسلبية واللامبالاة فإن جل ما يمكننا فعله، هو تحميل حركة المقاومة الإسلامية حماس مسئولية ما يحدث، تساعدنا في ذلك وسائل الإعلام والكتاب الذين لا يعبأون بمعاناة الشعب الشقيق.
انتكاسة دولية
لقد نجحت الحكومة الصهيونية في فرض حصارها ليس فقط على الشعب الفلسطيني، الذي لا ناقةَ له ولا جملَ فيما يحدث له من عدوان وحشي على الأفراد والممتلكات، وإنما على المجتمع والمنظمات الدولية، ممثلةً في مجلس الأمن والأمم المتحدة، اللذين عجزا عن استصدار قرار دولي يدين ذلك العدوان الغاشم على الشعب الأعزل، بالرغم من أن مهمتهما الأولى التي أنشئوا من أجلها هي حماية السلم والأمن الدوليين، وهو ما يعني موت تلك الأنظمة، واقتصار مهمتها على مساعدة المحتلين في فرض سيطرتهم وهيمنتهم على الأمم والشعوب، وما يحدث في العراق وأفغانستان، وما يحدث في العراق لهو خير دليل على ذلك.
وللأسف الشديد يتم ذلك- أيضًا- وسط عجزٍ عربي ودولي عن دفع تلك المنظمات للاضطلاع بمهامها التي كفلها القانون الدولي، ليترك للكيان الصهيوني العنان ليعيث في الأرض فسادًا فيهلك الحرث والنسل، غير عابئ بانتقادات ولا إدانات دولية، ولما لا وهو يعلم جيدًا أن أحدًا لن يتحرك ضده على الإطلاق.
ردة أمريكية
يعكس الموقف الأمريكي مما يحدث تجاه الشعب الفلسطيني، ليس فقط ردةً عن الديمقراطية، بل وعن كل القيم والمبادئ التي طالما صدعت بها الشعوب والمجتمعات العربية، من قِبل الإدارات الأمريكية المتعاقبة، وإنما تأكيدًا على أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الإرهابي الأكبر في العالم، ليس لأنها احتلت العراق وأفغانستان، وسهلت احتلال الصومال، وتعمل على احتلال السودان، إلى غير ذلك من الانتهاكات التي مارستها وتمارسها في حقوق البشرية، وإنما لأنها تساعد العصابات الصهيونية، وغيرها في إبادة الشعوب المسلمة، ففي الوقت الذي تمارس فيه الحكومة الصهيونية عمليات الإبادة ضد الشعب الفلسطيني، تشير الأنباء والتصريحات التي أوردتها وسائل الإعلام العربية والغربية، إلى نية الإدارة الأمريكية الحالية مد الحكومة الصهيونية بصفقة طائرات حديثة من طراز إف 35 يصل عددها لما يقرب من مائة طائرة؛ وذلك بالرغم من كون الحكومة الصهيونية تملك أكبر ترسانة عسكرية في المنطقة.
![]() |
|
العدوان الصهيوني دمر عشرات المنازل وشرد مئات الأسر في غزة |
واللافت بل والمحزن أن المرشحين للرئاسة الأمريكية يعتبرون أن "إسرائيل" تدافع عن نفسها في فلسطين، أي ظلمٍ هذا، إنهم يقلبوا الأمور رأسًا على عقب، فالظالم أصبح مظلومًا، والضحية أصبح جلادًا، هل هذه هي أمريكا التي يعول عليها القادة والملوك العرب في تخفيف الضغط عن الشعب الفلسطيني؟.
إنَّ ما يحدث ليؤكد أنه لا أملَ على الإطلاق في الولايات المتحدة الأمريكية ولا في الدول الغربية التي تدور في فلكها، بعدما ثبت أن الجميع يدين بالولاء "لإسرائيل" أولاً وللمصالح ثانيًا، أما حقوق الإنسان والديمقراطية، وغيرها من الشعارات التي تستخدم فقط تحقيقًا للمصالح الغربية، فلا محلَّ لها من الإعراب في الوقت الراهن.
ولذلك كله لم يبقَ سوى أن تتحرك الشعوب العربية والإسلامية، غيرها من الشعوب المحبة للسلام على مستوى العالم من أجل وقف تلك الهجمة الشرسة واللا إنسانية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني؛ وذلك قبل أن تحصل الكارثة التي ستطال آثارها الجميع القريب والبعيد، إذْ من شأن استمرار ما يحدث والصمت الذي يقابل به أن يؤدي إلى انفجار الشعوب في وجه الأنظمة والحكومات في الداخل والخارج، وعندها لن ينفع البكاء على اللبن المسكوب.
فهل تتحرك الشعوب والحكومات العربية والدولية من أجل وقف ذلك الخطر قبل أن يكبر ويتحول إلى كارثة؟.

