انتقدت كل من حركة حماس وحكومة تيسير الأعمال الفلسطينية برئاسة إسماعيل هنية ما أسفر عنه مؤتمر المانحين الذي عُقِدَ اليوم في باريس، وأكدت حركة المقاومة الإسلامية حماس أنها مع وصول كافة أشكال الدعم لكل الشعب الفلسطيني بما فيها المال، لكنها اعتبرت أنَّ "مؤتمر باريس بمثابة دسٍّ للسمِّ في العسل، ومؤامرةٌ خطيرةٌ على حقوق الشعب الفلسطيني، وتحديدًا حق مقاومة المحتل الصهيوني، وفيه تحريف للمسار الطبيعي للقضية الفلسطينية المتمثل في نيل حقوقه المشروعة".

 

وقال فوزي برهوم- المتحدث باسم الحركة، في بيان صحفي له اليوم-: "نؤكد رفضنا المطلق للمال السياسي المرتبط بأجندات أمريكية غربية، تتدخل مباشرةً في الشأن الفلسطيني الداخلي من أجل تعزيز انقساماته وتدمير خياره الديمقراطي".

 

 الصورة غير متاحة

 فوزي برهوم

كما أوضح برهوم أن خطاب رئيس السلطة محمود عباس في المؤتمر خطاب "فئويٌّ وحزبيٌّ مقيت، يستعدي من خلاله العالم على حركة حماس، ويشوِّه صورتها، وبعيدٌ كل البعد عن أي توافقات وطنية فلسطينية، ويقترب من العدو الصهيوني والمشروع الأمريكي، مقابل الحصول على ملايين الدولارات لتقوية أجهزته من أجل مصالحه الشخصية وبقائه في الحكم".

 

ورفض الناطق باسم حركة حماس أيَّ محاولة "للاستقواء بالآخرين، سواءٌ المحتل الصهيوني أو ما تسمى بالقوات الدولية لدعم أجهزة أمن عباس ضد المقاومة الفلسطينية، ومن أجل حفظ أمن المحتل الصهيوني فقط"، مشدِّدًا على أن هذا "الطرح عبارة عن انحدار سياسي خطير في تفكير الدول المانحة الواقعة تحت الهيمنة الأمريكية".

 

وأكد برهوم أن هذه "المحاولات البائسة لتدمير حماس والمقاومة مقابل المال "لن يُكتب لها النجاح، وستصطدم بمقاومة وإرادة الشعب الفلسطيني، وعلى الجميع أن يتحملوا مسئولياتهم التاريخية تجاه سياسة الكيل بمكيالين، والوقوف إلى جانب المحتل الصهيوني ضد الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني".

 

رفض الحكومة

من جانبها أكدت حكومة تيسير الأعمال برئاسة إسماعيل هنية أن الشعب الفلسطيني لن يقبل بقيادة مفروضة بقوة السلاح الصهيوني والأمريكي، مؤكدًا أن السخاء في المال الذي برز من بعض الدول خلال مؤتمر باريس "يؤكد أن الحصار الاقتصادي على مدار المرحلة السابقة كان يهدف إلى إسقاط خيار الديمقراطية، وتشكيل حكومات وفق الإرادة الأمريكية الصهيوني، تتساوق مع الضغوط والمواقف الدولية في التنازل عن حقوق شعبنا الفلسطيني.

 

 الصورة غير متاحة

إسماعيل هنية

وأدانت الحكومة التصريحات التي أدلى بها رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس في خطابه أمام مؤتمر المانحين في باريس الذي عُقد اليوم الإثنين (17/12)، وقالت "إن خطابه تضمَّن أوصافًا مرفوضةً ومستهجنةً تجاه الشعب الفلسطيني خاصةً في قطاع غزة".

 

وأضافت الحكومة: "إنه (عباس) أغرق في الحديث عن الوضع الداخلي، فيما تجنَّب أي إدانة أو رفض لإرهاب الاحتلال وجرائمه في الضفة والقطاع، وكأنها أمر طبيعي منطقي في ظل تأكيده على تطبيق خارطة الطريق، التي تنص صراحةً على سحب سلاح المقاومة وتفكيك البنى التحتية للفصائل الفلسطينية".

 

وحذرت الحكومة الشرعية- على لسان الناطق باسمها طاهر النونو في تصريح له- من "مساعي أطراف خارجية لتكريس هيمنتها وسيطرتها عبر أموال الدعم الخارجي وتكوين ثروات شخصية، كما شاهد شعبنا منذ تأسيس السلطة الوطنية، وما أكدته تقارير الرقابة والهيئات الدولية عن مراحل قريبة من تاريخنا الفلسطيني".

 

وانتقدت الحكومة خطاب رئيس السلطة محمود عباس، وقالت: "هذا الخطاب لا يليق برئيس لكل الشعب الفلسطيني، ولا ينمُّ عن أي حرص على الوحدة الوطنية وإنهاء حالة الانقسام الراهنة وإعادة اللُّحمة الداخلية".

 

وأكدت أن تصريحات رئيس السلطة "تضمَّنت مفرداتٍ حزبيةً ومحاولةً لقلب الحقائق وترسيخ الفصل بين أرجاء الوطن، لا سيما أن الخطة الفلسطينية المقدَّمة للدول المانحة استثنت قطاع غزة من أي مشاريع تنموية، بشكل يؤكد التصرفات غير المسئولة لقيادة السلطة في رام الله".

 

وفي السياق ذاته؛ رحَّبت حكومة تسيير الأعمال "بأي دعم للشعب الفلسطيني"، محذِّرةً في ذات الوقت من "الأهداف الخبيثة التي تقف وراء بعض الأموال المسيسة، والتي تُدفع ثمنًا للتنسيق الأمني وللتنازل عن ثوابت شعبنا الفلسطيني، وضرب المقاومة واستمرار حالة القطيعة والانقسام داخل الساحة، وتوفير الغطاء السياسي لجرائم الاحتلال والجلوس في لقاءات تفاوضية عبثية،في ظل استمرار الاحتلال ببناء المستوطنات وجرائمه المتواصلة".

 

كما حذَّرت من أن تكون الكارثة- التي تحدث عنها رئيس السلطة في خطابه- هي معلوماتٍ عن عملية عسكرية كبيرة، تقوم بها قوات الاحتلال ضد الحكومة الفلسطينية والمقاومة في قطاع غزة، مؤكدةً أن الشعب الفلسطيني "لن يقبل بحكومة وقيادة مفروضة بقوة السلاح الصهيوني والأمريكي".

 

وأكدت الحكومة أن معاناة الشعب الفلسطيني "تشارك في صناعتها أطراف فلسطينية غير معنية برفع الحصار وفتح المعابر، وتسعى لإعادة عجلة الساعة نحو الوراء بأي ثمن، ولو كان على حساب دماء ومعاناة شعبنا الفلسطيني".

 

من جانبهم أكد المراقبون أن المؤتمر الدولي للمانحين الخاص بدعم السلطة الفلسطينية يحمل في طيَّاته بذور فشله، ليس فقط بسبب الهوَّة التي تحصل بين الوعود الدولية الكبيرة بالمعونات، والقليل الذي يتحقق منها- في العادة- على أرض الواقع، وإنما بسبب قضايا جوهرية أخرى.

 

وبرأي المراقبين؛ فإن الإجراءات الصهيونية السابقة والحالية التي تهيمن الاقتصاد الفلسطيني، وتدمره وتلحق بحياة الفلسطينيين أضرارًا كارثية، والنظرة الأمريكية الغربية التي تربط المساعدات باستحقاقات سياسية، ونقصد بذلك الانخراط في مسار التسوية الهزيل، والاعتراف بالكيان الصهيوني، وإسقاط حق مقاومته.. هي التي تفرغ مؤتمر باريس من محتواه قبل أن يبدأ.

 

وأشار المراقبون إلى جملة أسباب تتجه بالمؤتمر إلى فشل محقَّق؛ لعل أبرزها:

- سياسات الكيان الصهيوني التي تعرِّض معونات ومساعدات الدول المانحة للضياع، ويقصد بذلك الحصار الخانق لقطاع غزة، وصعوبة التحرك، بسبب الحواجز، وسياسات الاستيطان والتوسع غيرها.

 

فقد حذر عدد من منظمات الأمم المتحدة المهتمة بالتمويل وبالجانب الإنساني ومنظمات دولية تُعنَى بالعمل الخيري والتنمية، من أخطار هذه السياسات وتأثيراتها على أي تنمية مستقبلية للسلطة الفلسطينية؛ فالبنك الدولي رأى أن نجاح أي خطة طموح للتنمية الاقتصادية في الأراضي الفلسطينية، يتوقف على رفع الإجراءات التي تفرضها الدولة العبرية، وتحدُّ من حركة التنقل.

 

وأعرب في تقرير قدمه إلى مؤتمر المانحين، عن دعمه "خطة إصلاح وتنمية" أعدتها السلطة، لكنه أشار في الوقت عينه إلى أن نجاح أي إصلاح اقتصاد يعرقله وجود أكثر من 500 حاجز عسكري للصهاينة في الضفة الغربية والحصار المفروض على قطاع غزة.

 

من جهته أوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية أن "عزل قطاع غزة المستمر منذ 6 أشهر يهدد الاقتصاد الفلسطيني بحدوث ضرر لا يمكن إصلاحه، ويجعل الأهالي أشد تبعيةً للمساعدة الخارجية"، وشدَّد على أن "ضعف مستوى المخزون الغذائي وارتفاع الأسعار وزيادة مستوى البطالة وخسارة العائدات لها آثار كارثية".

 

وفي السياق نفسه اعتبر جيريمي هوبز- مدير أوكسفام إنترناشيونال- "أن مزيدًا من الدعم لن يكون فعَّالاً حتى تصر الحكومات المانحة على حدوث تغيير سريع في قيود الكيان الصهيوني.."، ولفت الانتباه إلى "أن العديد من الحكومات على مستوى العالم تعتبر مساعدات المانحين حيويةً لبناء الاقتصاد الفلسطيني والدولة القابلة للحياة، ولكن الحكومات المانحة لا تنتقد بشكل كافٍ سياسات الدولة العبرية التي تدمِّر المشروعات التي تموِّلها هذه الحكومات، مشدِّدًا على أن "هذه المساعدات ستكون غير فعَّالة أكثر فأكثر"، طالما لم يتم "محاسبة سلطات الاحتلال".

 

وتأكيدًا على تعنُّت الكيان الصهيوني وإصراره على سياساته التي تدمِّر عملية التنمية مهما بلغت المعونات الدولية، فقد ذكرت التقارير الصحفية أن سلام فياض- رئيس الوزراء في "الحكومة" غير الشرعية المعيَّنة من قبل محمود عباس- فشل في اجتماع ضمه بوزير دفاع دولة الاحتلال إيهود باراك، بحضور ممثل الرباعية الدولية توني بلير قبيل أيام من عقد لقاء باريس في الحصول على ضمانات من باراك لتخفيف القيود المفروضة على تنقل الفلسطينيين في الضفة الغربية؛ الأمر الذي يعوق الجهود الدولية التي تحاول إحياء الاقتصاد الفلسطيني المدمر.

 

المكافأة الأمريكية للسلطة

- إن عملية الدعم الدولي تأتي في إطار أجندة سياسية؛ فالكرم الدولي- بغض النظر عن حجمه ومآلاته وفعاليته،- جاء مكافأةً لخط السلطة الفلسطينية التي توصف بالاعتدال لحثها على المضيِّ قدمًا في عملية التسوية المذلة الهزيلة مع الكيان الصهيوني، والتي كان آخر لقاءاتها الكرنفالية في "أنابوليس"، دون إلزام لتل أبيب باستحقاقات أو جداول زمنية محددة، ولدفعها إلى تكريس الانقسام الفلسطيني الحاصل، ورفض الحوار مع حركة حماس، التي توصف بالتشدد والإرهاب!! وتأكيد عزلها بطريقة مستمرة وممنهجة على المستوى الدولي، رغم فوزها في انتخابات حرة ونزيهة؛ بسبب رفضها الاعتراف بالكيان الصهيوني، أو التفريط بحقها في المقاومة العسكرية للمحتل.

 

وللتدليل على ذلك أشار المراقبون إلى إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس- عشية انعقاد مؤتمر باريس- عن تعهد بلادها بتقديم مساعدات للفلسطينيين تزيد قيمتها على 550 مليون دولار لتعزيز ما يسمَّى بمحادثات السلام الفلسطينية- الصهيونية الوليدة.

 

 الصورة غير متاحة

ساركوزي وعباس خلال المؤتمر

من جهته أعلن المتحدث باسم الإليزيه دافيد مارتينون أن الرئيس الفرنسي "كرر لمحمود عباس أن هدفه هو التوصل سريعًا لقيام دولة فلسطينية"، معتبرًا أن هذا المؤتمر الدولي للمانحين للسلطة الفلسطينية "اقتصاديٌّ، إلا أنه سياسي أيضًا".

 

وتعهد ساركوزي لعباس بأن فرنسا "لن تُقيم علاقاتٍ ولن تُجري محادثاتٍ ولا حوارًا مع حماس، ما لم يتم التجاوب مع الشروط التي وضعها المجتمع الدولي" في هذا الإطار.

 

ومن باريس ربطت وزيرة خارجية الكيان الصهيوني تسيبي ليفني- التي تحضر المؤتمر- بين تحسين الوضع الاقتصادي للفلسطينيين وضرورة أخذ ما سمته مخاوف دولتها الأمنية بعين الاعتبار، فقد صرحت بقولها: "إن حسين الأحوال الاقتصادية للفلسطينيين يجب أن يُنظَر إليه جنبًا إلى جنب مع المخاوف الأمنية "الإسرائيلية"، وأتوقع أن يدرك العالم أن المسألتين هما طرفا المعادلة".

 

تجدر الإشارة إلى أن المساعدة الأمريكية للفلسطينيين قبل فوز حماس في الانتخابات مطلع العام 2006، كانت لا تزيد على 250 مليون دولار سنويًّا، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت الولايات المتحدة تخصص أموالاً بالقطارة للفلسطينيين تمثلت فقط في مساعدة إنسانية عاجلة بقيمة 40 مليون دولار،تم دفعها في يونيو لسكان قطاع غزة الذي سيطرت عليه حركة حماس.

 

اختزال القضية الفلسطينية

- إن المجتمع الدولي يحاول اختزال القضية الفلسطينية المرتبطة بالاحتلال منذ 60 عامًا كمشكلة معيشية أو اقتصادية في المقام الأول، دون النظر إلى أبعادها السياسية، ويركِّز على معالجة آثار الاحتلال بدلاً من العمل على إزالته، ومن ثمَّ فإن المراقبين يرون أن مؤتمر باريس- والمؤتمرات التي هي على شاكلته- لن تكون أكثر من مهدئات أو مسكنات مؤقتة، ولعل هذا ما دفع إسماعيل هنية رئيس الوزراء الفلسطيني في حكومة تسيير الأعمال الشرعية للتأكيد على أن قضية الشعب الفلسطيني "سياسية بالدرجة الأولى وليست معيشية أو اقتصادية"، وطالب الجهات المانحة بالعمل على إنهاء الاحتلال، واستعادة الشعب الفلسطيني كامل حقوقه.