تحولت الندوة التي عقدها اتحاد الأطباء العرب بعد ظهر اليوم الأحد بعنوان: (بعد مؤتمر أنابوليس القضية الفلسطينية إلى أين؟)، إلى مبارزة كلامية بين د. عبد المنعم سعيد- مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية-، من ناحية وباقي المشاركين والحضور وعلى رأسهم د. عبد الحميد الغزالي- أستاذ الاقتصاد الإسلامي-، والمفكر الفلسطيني عبد القادر ياسين من ناحيةٍ أخرى، وكان ميدان المبارزة القبول بدولة فلسطينية بجوار الكيان الصهيوني أم دولة فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، فضلاً عن تقييم نتائج مؤتمر أنابوليس، والذي تبارى المشاركون في وصفه تارةً بأنه تكريس لهيمنة القوى الكبرى لصالح الكيان وتارةً أخرى بأنه مزيد من التنازلات في سبيل تضييق الخناق على حماس، فضلاً عن التشديد من قبل البعض على خطأ مشاركة العرب في المؤتمر المشبوه؛ حيث ذهبوا منبطحين ورجعوا صفر اليدين.

 

 الصورة غير متاحة

 د. عبد المنعم سعيد

في البداية استغرق د. عبد المنعم سعيد في تفاصيل نظرية وأمور قانونية لتحليل مستقبل القضية الفلسطينية، وخلافًا لكل الآراء التي قيلت أشار إلى أن أمريكا تغيرت عام 2007م بعد ضغط الدول الأوروبية؛ حيث قلَّت العمليات العسكرية في العراق، وقال ما نصه: (موقف أمريكا في العراق تحسن)؛ كما وصف مؤتمر أنابوليس بأن العالم كله كان يحضره عبر 50 دولة ومنظمة منها الدول الصناعية الكبرى والدول دائمة العضوية وجامعة الدول العربية، فضلاً عن 16 دولةً عربيةً ومنظمة المؤتمر الإسلامي، ورغم محاولة د. سعيد إضفاء طابع النجاح على المؤتمر إلا أنه انتقد ما وصفه بالطفولة الدبلوماسية للمشاركين العرب في المؤتمر الذين رفضوا الجلوس على مائدة واحدة مع الصهاينة؛ معلقًا بقوله: (طالما لوثت أيديكم فاعملوا دبلوماسيًّا بطريقةٍ صحيحة!!).

 

وأشار سعيد إلى أن هناك معسكرين حول القضية الفلسطينية الأول يرى ضرورة القبول بحل الدولتين، والثاني دولة فلسطين التاريخية، معلنًا انتماءه للمعسكر الأول الذي يطالب بقبول الدولتين الفلسطينية والصهيونية، وراح ينتقد حركة حماس بأنها دائمًا كانت تُشكِّل "فيتو" فلسطينيًّا سواء قبل توليها السلطة عبر قيامها بعمليات استشهادية تجهض أي اتفاقٍ بين السلطة والكيان الصهيوني، أو بعد توليها السلطة؛ حيث تتمسك بلاءات ثلاث: لا للاعتراف، لا للتفاوض، لا صلح؛ ثم تطرق لسبل الحل، موصيًا باتباع ما يُسمَّى بمقياس كلينتون الذي وضعه قبل تركه البيت الأبيض، ويتضمن قيام دولة فلسطينية جنبًا إلى جنب مع الكيان الصهيوني بحيث كل ما له صلة بالعرب يتبع فلسطين مثل القدس الشرقية، والمسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة في المقابل كل ما يتبع الصهاينة يتبع لهم، مثل حائط المبكي في القدس.

 

 الصورة غير متاحة

 د. عبد الحميد الغزالي

وهو الكلام الذي اعترض عليه بشدة د. عبد الحميد الغزالي- أستاذ الاقتصاد الإسلامي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- حيث بدأ حديث بقوله: "أختلف جذريًّا مع ما عرضه د. سعيد وإن كنت احترم عرضه العلمي"، معلنًا أنه يتبع المعسكر الذي يطالب بفلسطين التاريخية من البحر إلى النهر، لافتًا الانتباه إلى أن الكيان الصهيوني استطاع أن يشغلنا في الظروف الآنية، لكن الأمم الناهضة ذات التاريخ لا يوجد لديها ظرف آني ولكن إستراتيجيةً طويلة الأمل، معربًا عن تفاؤله بإقامة فلسطين التاريخية، خاصةً أن تفاؤله مؤسسٌ على وقائع كما يقول، والتي ذكر منها انتصار حزب الله اللبناني في صيف 2006م، وهو تنظيم لا يزيد عدد أفراده على 10 آلاف مقاتل في دولة يبلغ قوامها نحو 4 ملايين نسمة، مؤكدًا أن إمكانية النصر ليست مستحيلةً، أيضًا المثال الثاني الانتفاضة الثانية التي ضرب المجاهدون فيها مشاهدَ بطوليةً في فلسطينَ.

 

وتطرَّق الغزالي لموضوع الندوة، مشيرًا إلى أن هناك 3 أطرافٍ في الصراع، الأول فلسطين والتي أدار الرئيس الراحل ياسر عرفات الصراعَ حولها في ظل غيابٍ كاملٍ للمؤسسة، وهو ما أدَّى إلى ضعف التفاوض، ومن ثَمَّ الاعتراف بالكيان في خطأ لا يُغتفر للرئيس الراحل؛ موضحًا أن المشهد الفلسطيني شديد الضعف قبل مؤتمر أنابوليس، فذهب أبو مازن للمؤتمر دون وثيقة ولا برنامج عمل كما كان يطالب قبل انعقاده.

 

الطرف الثاني في الصراع هو الجانب العربي، والذي شارك بـ16 دولةً منها مصر والسعودية واللتان تغيرت أجندتها 180 درجةً، وذهب العرب منبطحين للمؤتمر الذي لم يشر من قريب أو من بعيد إلى المبادرة العربية أو الشرعية الدولية؛ حيث تم التركيز فقط على نزع سلاح المقاومة؛ وأخيرًا الطرف الثالث الصهيوأمريكي، مختتمًا كلمته بتساؤل مهم: تفاوض على ماذا إذًا؟، مشددًا على أن الحل في استمرار وتفعيل المقاومة بشرط أن يقوم الجانب العربي والإسلامي بدوره، ولا يخضع للضغوط لإعادة الوحدة إلى غزة ورام الله وصولاً للهدف الرئيسي، وهو الدولة الفلسطينية الواحدة.

 

 الصورة غير متاحة

عبد القادر ياسين

أما المفكر الفلسطيني عبد القادر ياسين فشن هجومًا على الرئيس الفلسطيني أبو مازن، واصفًا إياه بأنه وقع باسم منظمة التحرير الفلسطينية اغتصابًا على اتفاقية أوسلو بهدف وقف المقاومة، مشيرًا إلى التعذيب الشديد الذي تلقته كوادر حماس في سجون فتح، والذي فاق نظيره في سجون الاحتلال، كما أشار إلى تصريح محمد دحلان يوم 7 يناير 2006م عقب فوز حماس بأنه من العار مشاركة حماس في الحكومة، معقبًا بقوله: (يقول هذا وهو في أحضان الصهاينة)، وأكد أن الخطوة التي اتخذتها حماس في يوليو الماضي كانت ضروريةً بعد 16 شهرًا من وصولها للحكم، وبعد شهرين ونصف الشهر لما سمي في حينه بحكومة الوحدة الوطنية، موضحًا أن سلام فياض يتباهى بأنه أتي من قبل الأمريكان.

 

ووجه ياسين انتقاداته للدكتور عبد المنعم سعيد، واصفًا نتائج أنابوليس بأنها مباركة من الحكام العرب لأولمرت على ما يقترفه ضد الشعب الفلسطيني، مشددًا على أن المؤتمر عقد لتسخير ميزان القوى لصالح الكيان الصهيوني.

 

 الصورة غير متاحة

د. عصام العريان

وأخيرًا أشار د. عصام العريان- أمين صندوق نقابة الأطباء والقيادي بجماعة الإخوان المسلمين- إلى أن القضية الفلسطينية تسير في اتجاه اللا حل، فموازين القوى تقول بوضوح إن هناك تأييدًا جماهيريًّا كبيرًا لحماس مقابل الضغوط الصهيوأمريكية، مشددًا على أننا أمام مشهد فوضوي، وانتكاسة حقيقية في الموقف العربي، فأي حل ديمقراطي سيقوي جبهة المقاومة والصمود ضد المشروع الصهيوني وأن الحل الحقيقي هو اللجوء للشعوب لتقول كلمتها بعد إحياء الأمل في نفوسها بعدما تخلى العرب عن دعم حركة المقاومة الإسلامية حماس.