من حي المشاهرة بمنطقة التفاح وسط مدينة غزة، انطلق المشيِّعون لجثمان الفقيدة عايدة عبد العال، التي أنهكها مرض السرطان حين انقطع عنها الدواء في غزة المحاصرة، فأصبحت معلقةً بين حبال الموت حتى سقطت كما يسقط ضحايا الحصار الظالم، واحدًا تلو الآخر.. ماتت عايدة البالغة من العمر (31 عامًا)، وتركت خلفها أطفالها السبعة، أصغرهم "مصطفى" الذي لم يقضِ بعدُ عامَه الأول، وتتوالى ضحايا حصار غزة.
سرطان الاحتلال قتلها
أيام وليالٍ طويلة قضتها الفقيدة وهي تصارع سرطان الثدي، الذي استشرى في جسدها النحيف في الفترة الأخيرة؛ نتيجة فقدان العلاج، وعدم سماح الاحتلال لها بالعودة إلى مصر؛ كي تستكمل المرحلة الثانية من علاجها.
![]() |
|
القطاع الصحي في غزة مقبل على كارثة بسبب الحصار |
وداخل منزل عبد العال، الذي تخيِّم عليه ملامح العزاء التي لا تزال حاضرةً، خاصةً وأن شعارات التعزية بقيت تأخذ مكانها على جدران البيت القديم، وزوج الفقيدة (زكريا 37 عامًا)، الذي التف حوله بعض أبنائه وكأنه حبْلُ نجاتهم الوحيد في هذه الحياة، استرجع زكريا ذكرياته الأليمة، بعد أن نادى على صغيره محمد، الذي كان ينظر إلينا من بعيد وفي عيونه خوفٌ من مستقبل مجهول بلا أم، وأوضح أن صراع زوجته مع المرض بدأ أواخر العام الماضي، مما اضطَّرَّه إلى مرافقتها إلى مصر؛ لمعالجتها في يناير من هذا العام.
وبعد تخطِّي الفقيدة عايدة المرحلة الأولى من مراحل العلاج بالكيماوي، عادت إلى القطاع في شهر أبريل، لترسم حينها على شفاه أطفالها وعائلتها بسمة أمل، خاصةً أن تقرير الطبيب المعالج- حسب قول زكريا- أكد أن الحالة باتت تشهد تحسنًا ملحوظًا، وأنه باكتمال الجرعة الثانية من المحتمل أن يتم القضاء على هذا المرض القاتل.
وبعد فترة وجيزة استمرت خلالها المريضة تتعاطى علاجها، بدأت المعاناة تقلب صفحات الألم من جديد، عندما بدأ العلاج ينفد شيئًا فشيئًا، خاصةً في ظل الحصار القائم والذي فاقم من معاناتها هي وآلاف المرضى الغزيِّين، ويقول زوج الفقيدة: "تقدمنا بطلب إلى وزارة الصحة في السادس والعشرين من أغسطس الماضي للحصول على تحويلة للسفر مرةً أخرى، إلا أن التعنُّت والرفض الإسرائيليَّين حال دون ذلك".
![]() |
|
أحوال معيشية قاسية يعيشها فلسطينيو غزة |
وبذلك بقيت عايدة فريسةً سائغةً للمرض الذي أخذ ينخر في جسدها، ومع صبيحة كل يوم تستطيع فيه أن تحرِّك عينيها، يحمد الزوج ربَّه ألف مرة، أنها لا تزال على قيد الحياة، ويضيف الزوج العاطل عن العمل والذي كان يعول زوجته المريضة وأبناءه: "استطعنا أن نوجِد تحويلةً للعلاج داخل مستشفيات فلسطين المحتلة عام 48م، لكن الاحتلال أدخلها مستشفى القدس في الثلاثين من أكتوبر الماضي، حينها أكد الطبيب بعد إجراء الفحوصات أن الحالة وصلته متأخرةً، وليس بالإمكان مساعدتها، خاصةً بعدما تفشَّى المرض في الجسم كافةً.
وعادت عايدة فاقدة الأمل إلى منزلها في غزة يوم الخامس من نوفمبر، فأحاطها أطفالها البائسون بعد أن قبَّلتهم واحتضنتهم، والقدَر يُخفي عنهم أن هذه هي القبلة الأخيرة التي تمتزج فيها حنانُ الأمومة بوجنات أطفال يحتاجون الكثير من الصبر ليواجهوا المصير المجهول.
ودَّع الأطفال: يحيى ورضا وحمزة وهديل وإبراهيم ومحمد، وكذلك الرضيع مصطفى، الذي حرمه المرض من ذاك الحضن الدافئ.. والدتهم؛ لتأخذ ملبسها وتغادر مرةً أخرى إلى مستشفى الشفاء بغزة، بعد أن زادت آهاتُها واشتدّ ألمُها.
وصغيرها إبراهيم- رغم سنوات عمره الأربع- تلعثم قليلاً، ثم أخذ يلملم قميصه ويشدّه بأسنانه، وكأنه يكتم ألمه، حتى استطاع أن يتجرَّأ على خجله ويقول: "ماما عند الله"، لكن الصغير مصطفى ظل ينظر بحذر يمينًا ويسارًا، وهو ساكنٌ في حضن أبيه، الذي أخذ يمسح على شعره الذهبي، وفي عيونه دمعاتٌ ستتكشَّف مع الأيام، عندما ينطق: "أين ماما؟!" فلا يجدها!!
ولم تكن عايدة هي الوحيدة في سلسلة ضحايا الحصار الغاشم، فهناك غيرها الآلاف الذين ينتظرون مصيرهم المحتوم.
![]() |
|
جمال الخضري |
من جانبه أكد النائب جمال الخضري- رئيس اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار- أن اللجنة أحصت (12) حالةً مرضيةً، تُوفيت نتيجة هذا الحصار الظالم الخانق، في حين أن هناك حالاتٍ لم تُحْصَ بعد، إلى جانب وجود ما يقارب ألف مريض بحاجة إلى السفر للعلاج بالخارج، وأكد أيضًا ضرورةَ تشكيل لجنة تحقيق دولية للتحقيق في كل الانتهاكات التي يتعرَّض لها قطاع غزة نتيجة الحصار.
ويؤكد رامي عبده- الناطق باسم اللجنة الشعبية- أن قطاع غزة يعيش عقابًا جماعيًّا تمارسه دولة الاحتلال على مليون ونصف مليون فلسطيني، من خلال إغلاق المعابر ومنع دخول أو خروج أيٍّ من المستلزمات، وهو ما يُنذِر بانفجار الأوضاع.
وطالب عبده جميع دول العالم والمجتمع الدولي ومؤسسات حقوق الإنسان بالتدخل الفوري والعاجل ووقف هذه المهزلة، التي تمارَس أمام أعين الجميع بلا حراك جدِّيٍّ وفوريٍّ حتى الآن.
![]() |
|
معاناة كبيرة للفلسطينيين على المعابر الصهيونية |
وتطورت شكوى ذوي الموتى من ندرة البلاطات التي يُضطَّرَّون لوضعها على القبر لمواراة أجساد الموتى؛ حيث استبدلوها بألواح من "الزينجو" التي يتعرض مخزونها أيضًا في قطاع غزة للنفاد، وتبقى المشكلة قائمةً إلى حين فتح المعابر.
وحذر الدكتور "صالح الرقب"- وكيل وزارة الأوقاف بغزة- من استمرار إغلاق المعابر ومنع إدخال الأسمنت والحديد والحصى والرخام إلى القطاع المحاصر، مؤكدًا ضرورة الانتباه إلى هذه القضية وإعطائها الأهمية اللازمة، بسبب ما تمثله من حفظ لكرامة الأموات؛ حيث إن سياسة العقاب الجماعي التي تتبعها حكومة الاحتلال الإسرائيلي قد طالت الأموات أيضًا في غزة.
وأضاف الرقب: حقيقةً هذا الأمر مؤلم لنا في وزارة الأوقاف والشئون الدينية؛ حيث تشرف وزارتنا على خدمات المقابر في قطاع غزة، وقد وصلتنا شكاوى من المواطنين، مفادها "أنهم لا يستطيعون بناء قبور لموتاهم؛ نظرًا لانقطاع المواد الأساسية اللازمة لبناء القبور "أسمنت، وحصى، وحديد"، وكان ردّنا أن "لا حول ولا قوة إلا بالله".
وناشد وكيل وزارة الأوقاف المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والمنظمات الدولية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية بممارسة الضغط على "إسرائيل"؛ من أجل فتح المعابر كافة أمام حركة البضائع، وخصوصًا مواد البناء، وعلى رأسها "الأسمنت والحديد والحصى"؛ لتجنُّب الكارثة الإنسانية المحتملة في قطاع غزة.
وأكد رئيس اتحاد صناعات النسيج "م. فؤاد عودة" عدم وجود أي خامات خيوط في قطاع غزة لنسج الأقمشة وصناعة الأكفان بفعل إغلاق المعابر ومنع الأنسجة من دخول القطاع، وفرض الحصار على الخيوط ومصادرتها على الحدود.
"ومع بقاء موتى غزة بلا أسمنت لبناء القبور، وبلا قماش لصناعة الأكفان، ومع بقاء جثمان الموتى معرضةً للنهش والنبش، وفي ظل نقص مواد البناء وخطر الموت الذي يُهدِّد حياة الآلاف من مرضى القطاع الذين يرقدون على الأَسِرَّة".. يبقى أن نقول بأعلى صوت: هل من مغيث؟!



