أفهم أن يطالب الكيان الصهيوني "باعتبار إسرائيل (الأرض المحتلة) دولة للشعب اليهودي وما يحمل هذا المطلب من إضفاء الصيغة القانونية على الممارسات العنصرية ضد الشعب الفلسطيني ما يستتبع ذلك من تهجير قسري لعرب 48 ودعوة للاستيطان على أمل التغيير الديموجرافي وإنهاء حق العودة، واعتبار القرار 194 خارج إطار الواقع والقانون.
وأفهم أيضًا أن يتعهَّد جورج بوش الأصغر بأمن إسرائيل ووطن قومي لليهود على أرض فلسطين (وعد بوش أسوأ من وعد بلفور)؛ نظرًا للتحالف بين الصهيونية والصليبية المسيحية، وتكوين ما يسمى بالتحالف (الصهيو مسيحي) التحالف (الصهيو أمريكي)/ وأفهم أيضًا أن ينعقد (أنابوليس) في نفس يوم إعلان الحروب الصليبية، وقد أعلنها بوش مسبقًا: "انتخبوني.. أعلنها حربًا صليبيةً جديدةً"!!.
ولكن لا أفهم أن يهرول العرب إلى مؤتمر غير محدد الأهداف والأغراض، إلا من هدف التطبيع المجاني لصالح الكيان الصهيوني، ولا أفهم أن يعلن السيد محمود عباس أنه يتفهَّم مطالب الكيان في تحقيق أمنه، وطلبه أن يسمَّى "إسرائيل" وطنًا قوميًّا لليهود.
يتفهَّم عباس مطالب "إسرائيل" وهويتها وعاصمتها وحدودها.. يتفهم عباس حق "إسرائيل" في الردِّ على صواريخ المقاومة؛ حفاظًا على أمنها، بل ويتعهد بملاحقة المقاومين أينما كانوا، بل يعتبر عباس صواريخ الفساد صواريخ عبثية.
أتفهم أن تدين أمريكا و"إسرائيل" عمليات المقاومة، ولا أتفهم أن يعتبر محمود عباس أن عمليات المقاومة عمليات إرهابية، ولا أتفهَّم إصرار محمود عباس على نزع سلاح كتائب أبو علي مصطفى- الجناح العسكري للجبهة الشعبية في مخيم العين بنابلس- بل حدث نزاعٌ وقتالٌ بين المقاتلين من أتباع عباس ضد المقاومين، بل وامتد النزاع بين فتح (رجال عباس) إلى الشباب الصغير، فتم القتال بين حركة الشبيبة الطلابية (فتح) وجبهة العمل الطلابي (الجبهة الشعبية).
لا أتفهَّم قمع المظاهرات التي اندلعت في الضفة الغربية ضد أنابوليس.. (عباس يعامل العدو بالحوار، ويعامل شعبه بالرصاص)، يقبض ويعتقل العشرات، يحرق منازل النواب الفلسطينيين، اعتداءات على الصحفيين، قتلى وجرحى من الشعب الفلسطيني الحر، الذي اعتبره عباس عدوًّا!!.
لا أتفهَّم ألا يدين عباس القصف الصهيوني المستمر على غزة؛ مما أفضى إلى قتل أربعة من كتائب القسام عقب أنابوليس وكأن استمرار الحصار والقتل للشعب الفلسطيني في غزة نتيجةٌ وهدفٌ من أهداف أنابوليس.
أفهم أن يضيِّق الصهاينةُ الحصارَ على غزة؛ فهم أصحاب كيان عنصري همجي إجرامي، تكوَّن من شذَّاذ العصابات الإجرامية، بدءًا من الهجاناه إلى حراس الهيكل المزعوم، ولا أفهم أن يضيِّق رئيسٌ الحصارَ على شعبه؛ لتجويعه وقتله وإبادته، في محاولةٍ لتركيعه حتى ينقلب على مشروع المقاومة.
إن ما يحدث في غزة جريمة إنسانية في حق العرب والمسلمين أولاً وفي حق الانسانية ثانيًا.
بالأمس القريب طفل لم يتجاوز عمره 12 سنة قُتِلَ بدم بارد (وبحصار عباس وإسرائيل)، يسمَّى هذا الطفل تامر البازجي، الذي أصيب بالتهاب في الدماغ ومُنِعَ من السفر حتى مات، مواطنة أصيبت بآلام في الغدة الدرقية، ورفضت سلطات الاحتلال تصريح الخروج للعلاج حتى ماتت!!.
"نائل الكردي" مريض السرطان الذي ناشد العالم قبل موته أن ينقذه من مرضه، ويودُّ العلاج، ويتطلع للحياة، لكن ذهبت صرخاته أدراج الرياح.. في حين رجال عباس يدخلون ويخرجون بلا قيد ولا شرط!.
عدد الذين قُتلوا منذ شهر يونيو حتى الآن على المعابر 44 شهيدًا.. عدد المعرَّضين للقتل بسبب عدم السماح لهم بالعلاج 1500 مريض.. هناك 600- 700 مريض يحتاج إلى السفر شهريًّا للعلاج في الخارج.. أكثر من 250 مريضًا معرضون للموت في هذا الشهر، إذا استمر منع العلاج في الخارج.. مرضى السرطان والفشل الكلوي 900 مريض، 25% منهم أطفال، حياتهم مهدَّدةٌ بالخطر!!.
توقفت الأجهزة في المستشفيات لعدم السماح باستيراد قطع الغيار والصيانة.. نفدت الأدوية في قطاع غزة حتى الأدوية الأساسية، وما زال عباس (يفرض الحصار ويرفض الحوار)!!.
إن ما يحدث في غزة جريمة حرب، يُسهم فيها عباس، فما حدث في أنابوليس جريمة، وما يحدث في غزة جريمة أخرى، ولكننا نناشد الشعب المصري- بما عُرِفَ عنه من المروءة والشجاعة- أن يطالب الحكومة المصرية برفض الحصار وفتح الحدود وتقديم الإعانات الإغاثية والدوائية، وإلا كانت حكومة مصر مساهِمةً في هذه الجريمة الإنسانية.
-----------
* مدير مركز الرؤية للدراسات المستقبلية.