ما يجري في باكستان اليوم مخطط يسير بشكل واضح وممنهج ومنذ زمن طويل؛ فباكستان من كبريات الدول الإسلامية، وهي الوحيدة التي تحتفظ في جعبتها بسلاح الردع النووي، وهي في نفس الوقت البلد الإسلامي الذي يحتضن في ربوعه آلاف المدارس الدينية التي تنشئ أجيالاً على النظم والأفكار العقائدية الصحيحة، والتي تغرز في أفئدتهم معاني الخوف من الله والعزة والكرامة, وتزرع فيهم حب الدين وحب الوطن الذي يراد له ألا يكون فيه الخير لهم أو للأجيال التي تليهم، ومن هنا كان لا بد أن تحاك المؤامرات من أجل القضاء على هذا البلد وعلى مستقبله كقوة عظمى.
لقد كان لمشرف اليد الطولى في تنفيذ هذا المخطط والذي يقوده الآن لحافة الهاوية؛ فقد نجح هذا الشخص لفترة طويلة من سلب باكستان إنجازاته وجرّه إلى الوراء, فقد فعل كل ما هو في غير صالح باكستان، وسنتحدث هنا عن بعض هذه الجوانب.
في الثاني عشر من تشرين العام 1999 حصل الانقلاب الذي سمِّي بالأبيض في باكستان، وقُذف بمشرف إلى كرسي السلطة، بعدما ألقي برئيس الوزراء آنذاك نواز شريف عن مقعده إلى المنفى، وكانت حجة الانقلاب أن نواز شريف حاول إسقاط طائرة برويز مشرف وهي عائدة من سريلانكا, ولو ناقشنا هذه النقطة تحديدًا سيتضح لنا ما يلي:
1- حصل الانقلاب وطائرة مشرف لا زالت في الجوّ.
2- قاد الانقلاب الفريق عزيز خان.
3- تحركت فرق الجيش والشرطة في وقت واحد لتنفيذ هذا الانقلاب.
4- بعد هبوط الطائرة مباشرةً تسلَّم مشرف مقاليد الحكم.
مما سبق لا يبدو أن الانقلاب كان وليد صدفة, بل هو مخطط له مسبقًا، وليس نتيجة لردة فعل على حدث ما، وإلا لََمَا تم بهذا التنسيق ولَمَا تنازل قائد الانقلاب بسرعة كبيرة لقائد الجيش الذي من الفروض أنه لا يعلم تفاصيل الانقلاب, وإذا ما استذكرنا قول نبينا الكريم "لا يكذب المؤمن و هو مؤمن" لعلمنا ساعتها أن من تولَّى حكم باكستان لن يكون فيه الخير لدين المسلمين ولا دنياهم.
أما عما جناه مشرف على باكستان، فله عدة جوانب سأتطرق لثلاثة منها:
أولاً: الهند.. يوجد بين الهند وباكستان عَدَاء قديم على إقليم كشمير ذي الأغلبية المسلمة؛ مما دفع البلدان لخوض عدة حروب سابقة، واستمرت حكومات باكستان السابقة تصر على أن كشمير هي أرض باكستانية وأمدت سكانها بكل مقوِّمات الكفاح، في محاولة لدعم جهود تحرر هذا الإقليم المحتل ليعود إلى أحضان وطنه الأم, وهنا يتجلَّى دور برويز مشرف كالتالي:
1- الأربعاء الثاني من فبراير 2002 وفي صحيفة (نيويورك تايمز) "أعلنت الحكومة الباكستانية وقف كل المساعدات للجماعات المسلحة بكشمير".
2- مولانا أحمد نوران- المتحدث باسم التحالف الذي يضم 6 أحزاب إسلامية باكستانية- يعلن في مؤتمر صحفي بتاريخ الثاني من فبراير 2002 أن السلطات الباكستانية اعتقلت 100 من عناصر جماعتين كشميريتين.
3- إعلان أن الجماعات التي تعمل في كشمير هي جماعات إرهابية.
4- التطبيع الكامل مع الهند، وافتتاح المعابر الحدودية بين الهند وباكستان، أظن من خلال هذا النقاط البسيطة يتضح أن مشرف لم يقم بما فيه مصلحة الهند، وآثر التنازل عن كشمير بشكل غير معلن، وحارب كلَّ من يسعي لتحرير هذا الجزء المحتل من باكستان.
ثانيًا: أمريكا.. كثيرًا ما تحدث الساسة الأمريكيون عن التحالف الإستراتيجي بين أمريكا وباكستان, هذا التحالف الذي لا يُرَى منه سوى معاناة الشعب الباكستاني، ولمعرفة مدى صلابة هذا التحالف والذي يقوده مشرف من الطرف الباكستاني نستعرض بعض الحقائق:
1- لا زالت أمريكا ترفض تنفيذ صفقة طائرات الثمانية والعشرين من نوع (إف 16) التي تم الاتفاق عليها منذ نهاية الثمانينيات، وعلقت بعد الانسحاب السوفيتي من أفغانستان، فأي تحالف هذا؟!
2- الدعم الأمريكي اللا متناهٍ للهند العدو اللدود المفترض لباكستان في مقابل تعنُّت في المواقف مع القدرات الباكستانية.
3- أما بالنسبة للحرب على الإرهاب وما جنته باكستان من وقوفها مع أمريكا، فكانت على لسان وزير المالية الأسبق محمد إسحاق "إن الاقتصاد الباكستاني تكبَّد 10 مليارات دولار خسائر بسبب انضمام باكستان للتحالف فيما لم تتجاوز المساعدات التي تلقَّتها إسلام أباد من واشنطن منذ بداية الحرب المليار دولار فقط".
أظن أن مصلحة باكستان هنا تقتضي استمرار التحالف وعجبي!!.
ثالثًا: الساحة الداخلية.. حيث تحرص الحكومات أجمعها على استقرار الجبهة الداخلية وتماسكها ونشر الأمن والاستقرار في ربوع الوطن، وهذا لو كانت تحرص على الوطن، أما ما قامت به حكومة مشرف فينافي ذلك.
الإصرار على اقتحام المسجد الأحمر وقتل المئات فيه، بينما كل ما كان يشترطه المحاصرون فيه للاستسلام هو تطمينات، على أنهم لن يتم التشهير بهم، ولن تتم إهانتهم عند الاستسلام كما فُعِل بإمام المسجد الذي تم إلقاء القبض عليه مسبقًا.
افتعال قضايا مثيرة للرأي العام الباكستاني كقضية إقالة افتخار تشودري رئيس المحكمة العليا الباكستانية؛ مما وتَّر الساحة الباكستانية، وفي النهاية عاد تشودري إلى منصبة رغمًا عن أنف مشرف.
الاستعانة بأمريكا في قصف بعض المناطق الباكستانية أو على الأقل غضّ الطرف عن ذلك، مع أنه انتهاك لسيادة باكستان؛ مما أدى إلى استثارة القبائل وأشعل حربًا لم تنتهِ للآن، وإن شابتها بعض فترات الهدوء القليلة.
أظن أن ما سبق كله يوضح وبشكل جليّ عدم تعاطي مشرف مع مصلحة باكستان في أيٍّ من القضايا الثلاث الأساسية في فترة حكمه، بل بالعكس كان يسعى لدفع باكستان نحو الهاوية، وكان آخر ابتكاراته في ذلك الانقلاب الثاني، والذي يشعل البارود في أرجاء باكستان.
ويبقى السؤال: هل سيستمر مشرف رئيسًا وهو يتلاعب بمقدرات ذلك البلد؟ أم أن الكلمة ستكون لسيف الشعب الباكستاني؟!
------
كاتب فلسطيني.