شهدت الفترة الماضية تصريحاتٍ متكررةً من الجانب الصهيوني باقتراب شنِّ عملية عسكرية واسعة النطاق على قطاع غزة، بزعم إيقاف سقوط الصواريخ الفلسطينية على البلدات الصهيونية؛ انطلاقًا من القطاع الذي تسيطر عليه حماس، وقد هدَّد أولمرت مؤخرًا بأنه قد يتخلى عن المنطق والعقل في التعامل مع القطاع، وأنه سيتم توسيع دائرة الاستهداف الصهيونية لتشمل القادة والمسئولين في حركة حماس، وعلى رأسهم رئيس الوزراء إسماعيل هنية.

 

كما أكد على ذلك إيهود باراك وزير الدفاع الصهيوني، فهل يعني ذلك أن الصهاينة عقدوا العزم على اجتياح القطاع والقضاء على حركة حماس، وغيرها من فصائل المقاومة، بعدما عجزت سياسات الحصار والتضييق في أن تؤتي ثمارها.

 

تهديدات صريحة

ردًّا على العمليات العسكرية المحدودة التي تقوم بها حركات المقاومة الفلسطينية ضد قوات الاحتلال الصهيوني التي تسبَّبت في مقتل وإصابة العشرات من الشعب الفلسطيني، توعَّد رئيس الحكومة الصهيونية إيهود أولمرت ووزير دفاعه باراك بعمل عسكري غير محدود يستهدف حركات المقاومة؛ إذ أبلغ أولمرت حكومته بأن تكون على استعداد تام لمواجهة طويلة مع حركات المقاومة الفلسطينية، ليس هذا فحسب، بل وأعلن أنه لن يوافق على أي وقف لإطلاق النار، إلا إذا توقفت حماس عن إطلاق الصواريخ على المستعمرات "الإسرائيلية".

 

وأضاف أن أحدًا من المحسوبين على حركات المقاومة لن يكون بمنأى عن الاستهداف، وذلك في إشارة إلى زعماء حركات المقاومة الذين ترى "إسرائيل" أنهم يعطون الضوء الأخضر للهجمات الصاروخية، كما هدد قادة صهاينة على رأسهم وزير الدفاع باراك بإطلاق عدوان بري واسع على قطاع غزة، وطالب بعضهم بإزالة قرى فلسطينية في القطاع وتحويل بيت حانون إلى مدينة أشباح.

 

أهداف خبيثة

ويبدو- حسب تصريحات الخبراء والمحللين- أن الهدف من الضغط والتهديد الصهيوني هو جعل المواطنين في قطاع غزة يضجُّون ويثورون ضد حركات المقاومة الفلسطينية، كما يهدف الصهاينة كذلك من وراء ذلك العدوان إلى القضاء على الذراع العسكرية لحركة حماس؛ حيث يركز الكيان الصهيوني ضرباتِه على مواقع الحركة في القطاع من أجل إضعافها وتقليل تأثيرها؛ حيث تشير المصادر إلى أن معظم شهداء الغارات "الإسرائيلية" هم من أعضاء حماس.

 

وبالإضافة إلى ذلك يرغب الكيان في زيادة الجراح الفلسطينية وشغل حكومة حماس عن الاهتمام بالشأن الفلسطيني الداخلي؛ عسى أن يؤدي ذلك إلى سرعة التخلص منها، بعدما عجزت عن ترويضها وجعلها تعترف بما سبق واعترفت به الرئاسة الفلسطينية منذ سنوات دون أن تحصل على شيء مقابل ذلك.

 

ثبات فلسطيني

 الصورة غير متاحة

عناصر من القسام في مواجهة قوات الاحتلال

وفي مقابل ذلك ردَّت حركة المقاومة الإسلامية حماس بأنها ستواجه الحدث بمثيله، وأنه إذا ما تم المساس بقادة حماس، فإن الحركة سترد باستهداف قادة تل أبيب وعلى رأسهم إيهود أولمرت، وفي الحقيقة وبالرغم من امتلاك الصهاينة القدرة على اجتياح القطاع، إلا أن هناك العديد من الأمور التي تحُول دون قيام الكيان باجتياح قطاع غزة، بعضها داخلي والآخر خارجي.

 

ومن تلك الأسباب أن الكيان يتبع مع القطاع سياسة النفس الطويل، تلك السياسة التي تجلَّت في حصارها المحكم للقطاع منذ أن سيطرت عليه حركة المقاومة الإسلامية حماس بعد طرد الأجهزة الأمنية التابعة لمؤسسة الرئاسة الفلسطينية منه، وذلك في محاولةٍ منها لإثارة نوع من الفوضى الداخلية؛ إذ من شأن ذلك الحصار- حسب الرؤية الصهيونية- أن يدفع سكان القطاع بعد فترة من الزمن للثورة على حركة المقاومة الإسلامية حماس؛ بسبب عدم قدرتها على توفير سبل العيش الأمن المستقر لسكان القطاع، وبذلك يكون سكان القطاع قد وفَّروا عليها مشقة الاجتياح، هذا من ناحية.

 

ومن ناحية أخرى يعمل الكيان الصهيوني على استغلال الخلافات بين فتح وحماس في تأجيج الصراع المتفاقم بينهما، وذلك عن طريق الضغط على الرئيس الفلسطيني أبو مازن لرفض أي حوار مع حركة حماس، في مقابل تقديم بعض الوعود الخاصة بإقامة الدولة الفلسطينية، ولذلك نلحظ- ولأول مرة- أن الرئيس الفلسطيني أبو مازن قد التقى رئيس الوزراء الصهيوني أولمرت مؤخرًا، أكثر من مرة.

 

وفي الحقيقة، الهدف من وراء ذلك هو تأجيج الخلافات الفلسطينية الداخلية؛ عسى أن يؤدي ذلك- حسب الرؤية الصهيونية- إلى إشعال نار الفتنة بين فتح وحماس، ومن ثمَّ دفعهم للدخول في حرب أهلية، خاصةً أن الفترة السابقة على سيطرة حماس على غزة قد شهدت أحداثًا داميةً راح ضحيتها العشرات من أبناء الشعب الفسطيني.

 

كما أنه وعلى الصعيد الصهيوني يخشى رئيس الوزراء من تكرار مأساة لبنان مرةً ثانيةً؛ الأمر الذي قد يفقده هذه المرة منصبه نهائيًّا، وذلك بعد أن أعلنت حركة حماس وبقية الفصائل الفلسطينية استعدادها لمواجهة أي توغل في القطاع، ليس هذا فحسب، بل وأعلنوا إعدادهم لخطة دفاع عن قطاع غزة ستُذهل الصهاينة وتُربك حساباتهم؛ حيث حذَّر الناطق باسم كتائب القسام أبو عبيدة- خلال مؤتمر صحفي عُقِد من أجل هذا الأمر- الكيانَ الصهيونيَّ من مغبَّة الإقدام على اجتياح القطاع، مؤكدًا أن المقاومة الفلسطينية على أهبَّة الاستعداد لصدِّ أي اجتياح صهيوني بكافة الوسائل القتالية، ومتوعِّدًا رئيس الوزراء بالمثول أمام لجنة "فينو جراد 2" بعد الهزيمة التي سيتكبَّدها جنودُه في حال اقتحام غزة، وذلك بعد الهزيمة الأولى أمام مقاتلي حزب الله العام الماضي.

 

وأما على الصعيد الخارجي فيخشى الصهاينة من النقد الذي قد يوجَّه إليهم من المجتمع الدولي في حال الإقدام على اقتحام غزة، خاصةً أن من شأن ذلك الاقتحام أن يتسبَّب في خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات؛ إذ لا يخفى على أحد أن القطاع من أعلى مناطق العالم من حيث الكثافة السكانية، هذا فضلاً عن الإدانات الدولية، سواءٌ من قبل الأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو منظمات حقوق الإنسان الدولية، هذا من ناحية.

 

ومن ناحية أخرى يعطي الكيان في الوقت الراهن- خاصةً والرئيس الأمريكي في طريقه لوداع البيت الأبيض- أولويةً قصوى لتسوية الملف النووي الإيراني، وذلك بعد أن أعلنت إيران تحديَها لكل قرارات وضغوطات المجتمع الدولي، مؤكدةً عزمها المضيَّ قدمًا في طريق الحصول على التكنولوجيا النووية، مهما كانت التحديات التي تقف في طريقها؛ الأمر الذي من شأنه أن يمثِّل ضررًا بالغًا على الوجود الصهيوني في المنطقة؛ إذ يرغب الصهاينة في إبقاء تفردهم العسكري في المنطقة بلا منازع، ومن شأن امتلاك إيران لتكنولوجيا نووية أن يمثل تهديدًا كبيرًا للوجود الصهيوني في المنطقة؛ ولذلك يسعى الكيان جاهدًا من أجل وضع حدٍّ للطموح الإيراني في هذا المجال، حتى لو كلفه ذلك شن حرب خاطفة على إيران لتدمير منشآتها النووية، على غرار ما فعل مع العراق أيام الرئيس السابق صدام حسين.

 

سياسات خاطئة

 الصورة غير متاحة

وحدة الشعب الفلسطيني قهرت الصهاينة

في الواقع وعلى العكس مما يتوقعه إلكيان الصهيوني، فإن سياسة النفس الطويل وغيرها من السياسات التي يتبعها مع قطاع غزة ومن فيها من حركات إسلامية مقاومة وعلى رأسها حماس؛ بهدف إحداث تدمير ذاتي للقطاع داخليًّا، دون الحاجة إلى اقتحامه وضرب من فيه من حركات، قد لا تؤتي ثمارها المرجوَّة، وذلك للعديد من الأسباب، في مقدمتها وعي الفلسطينيين بالمؤامرات الصهيونية التي تحاك ضدهم؛ مما يدفعهم للالتحام والوحدة والوقوف صفًّا واحدًا وقت الأزمات؛ مما يعني أن ما يحدث الآن بين الأشقاء الفلسطينيين أمرٌ عارضٌ، سرعان ما سيزول، لتعود الأمور إلى ما كانت عليه في السابق.

 

أضف إلى ذلك عدم استعداد الاحتلال لتقديم أي عون للشعب الفلسطيني، ممثلاً في الرئيس أبو مازن؛ حيث أكدت السوابق التاريخية السابقة أن الكيان يعتمد المباراة الصفرية في تعامله مع كل القيادات الفلسطينية، بمعنى أنه يريد أن يأخذ كل شيء بدون مقابل، وهذا ما لن يحدث في الحالة الفلسطينية، على الأقل في الوقت الراهن؛ الأمر الذي من شأنه أن يدفع الرئيس الفلسطيني في نهاية الأمر إلى إجراء حوار مع حماس وبقية الفصائل الفلسطينية؛ منعًا لحالة الفلتان التي قد تشهدها الأراضي الفلسطينية في حالة بقاء الأمور على ما هي عليه.

 

ومن جانبها لن تترك حركة حماس الأمور تصل لدرجة الثورة عليها، خاصةً أنها فعلت ما فعلت حمايةً للمقاومة الفلسطينية من القضاء عليها من جانب الاحتلال وبعض الأطراف الخارجية، وعلى رأسها الإدارة الأمريكية التي اشترطت للتعامل مع حماس- كما هو مشار إليه- الاعتراف بدولة الاحتلال ووقف أعمال المقاومة العسكرية، وهو ما ترفضه حماس حتى الآن.

 

كما أن ما يعيشه سكان القطاع الآن لا يختلف كثيرًا عن الأوضاع السابقة؛ إذ يعاني سكان القطاع ومنذ فترة طويلة من سوء الأوضاع، وذلك بسبب اعتماده بصورة أساسية في معيشته على المعونات التي يحصل عليها من الخارج، وهذه المعونات- وإن قلت عن السابق- إلا أنه ما زال يحصل على جزء منها.

 

وعلى الصعيد الخارجي يتسم الوضع الإقليمي حاليًّا بحالة من عدم الاستقرار؛ الأمر الذي يجعل الإدارة الأمريكية تغض الطرف قليلاً عن الساحة الفلسطينية؛ بسبب الانتخابات الرئاسية المقبلة من جهة، والمأزق الذي تواجهه في العراق من جهة ثانية، خاصةً بعد تزايد أعداد القتلى الأمريكيين في العراق، ومن شأن ذلك أن يدفع "إسرائيل" لعدم المغامرة باقتحام القطاع، خاصةً بعد سلسلة التغييرات التي شهدتها الساحة الدولية مؤخرًا بعد خروج مجموعة من الرؤساء الأوروبيين الموالين لأمريكا و"إسرائيل"، وعلى رأسهم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، ودخول آخرين وقيامهم بإحداث تغييرات في سياساتهم الخارجية من أجل كسبِ ودِّ الدول العربية والإسلامية.

 

ليس هذا فحسب بل واقتناع بعض الدول العربية بعدم جدية الإدارة الأمريكية والحكومة الصهيونية في وعودهما الخاصة بإقامة الدولة الفلسطينية، وهذا ما وضح من خلال التصريح الأخير للرئيس المصري في صحيفة "الأخبار" المصرية السبت 25/8/2007 "بأن مؤتمر بوش للسلام بلا أجندة".

 

ملامح المستقبل

 الصورة غير متاحة

أوضاع معيشية صعبة لأطفال غزة في ظل الحصار

يبدو من خلال الوقائع الموجودة على الأرض أن الوضع الحالي قد يستمر لفترة طويلة، إذ لن يكف الصهاينة عن المضي قدمًا في سياسة الحصار والتجويع، دون اللجوء إلى الاجتياح العسكري، لما في ذلك من أضرار كبيرة على الحكومة الصهيونية داخليًّا وخارجيًّا، الأمر الذي يعني أنها قد تلجأ إلى اعتماد مزيد من المؤامرات والخطط التي من شأنها تأجيج الصراع الداخلي عسى أن ينجح ذلك في تأليب الجبهة الفلسطينية الداخلية.

 

إلا أنه وفي مقابل ذلك غالبًا ما سيُظهر الفلسطينيون قدرةً كبيرةً على تحمل الضغط الداخلي والخارجي، وتجاوز الخلافات البينية؛ حفاظًا على قضيتهم من الضياع، خاصةً أنهم يعلمون جيدًا أنه في حالة الرضوخ للإملاءات الصهيونية سيتم القضاء على الفصائل الفلسطينية ومن ثم المقاومة.

 

ويعني ذلك أن الفترة القادمة بالنسبة للقضية الفلسطينية ستتَّسم بالغموض الشديد، ولن يستطيع أحد التنبُّوء بما ستؤول إليه الأحداث، ولن تتضح الأمور إلا بعد انتهاء انتخابات الرئاسة الأمريكية، ومعرفة نوع الرئيس الأمريكي القادم وتوجهاته، سواء كان مع استمرار الحصار الصهيوني الخانق ضد قطاع غزة أو ضده، وفي نفس الوقت الانتخابات الصهيونية التي صارت على الأبواب، خاصةً بعد إدانة الحكومة الصهيونية الحالية بسبب حربها الخاسرة مع لبنان.