أضحوكةٌ مصريةٌ قديمةٌ كانت تروَى هكذا: كان الرئيس المصري محمد حسني مبارك يرقد على فراش الموت، فأتى إليه أحد وزرائه، وقال له: سيادة الرئيس، ألن تلقى خطابَ وداعٍ على الشعب المصري، ففتح الرئيس عينيه وأجابه: حقًّا، إنما (إلى أين يذهب الشعب؟!).

 

بعد مرور ثلاثين عامًا في السلطة، الرئيس مبارك يشار إليه على أنه فرعون مصر الحديث، خلال ثلاثة عقود كانت فترة قبوع الرئيس مبارك في الحكم الأطول منذ الإطاحة بالملك عام 1952م، فكانت فترة رئاسته أطول من الرئيس جمال عبد الناصر (رائد القمة العربية في البلاد)، والرئيس محمد أنور السادات (الرجل الذي صنع السلام مع "إسرائيل")، أليس من الطبيعي أن يشار إليه كفرعون مصر الحديث؟!

 

هذا وسوف يَعقد حزبُ الرئيس مبارك (الحزب الوطني الديمقراطي)- ابتدءًا من يوم الجمعة- جمعيةً عموميةً مكونةً من حوالي 650 مندوبًا من مصر، إلى جانب ضيوف من جميع أنحاء العالم، هذا وسوف يناقش الاجتماع الأوضاعَ الاقتصاديةَ والسياسيةَ، أما القضايا التي لها علاقة بالإرهاب هي التي لم تناقش بعد.

 

هذا وقد صرَّح أحد مسئولي الحزب أن الخلافة والقضايا التي تتعلق باستقرار مصر لفترة طويلة تُعتبر من أهم القضايا التي تدور في أذهان الناس.

 

من سيخلف الرئيس مبارك؟

وهذا السؤال يتردد في أذهان الكثير من الناس ويريدون الإجابة عنه، لكنْ كما صرَّح أحد مسئولي الحزب بعد إحاطة اللجنة: "لن تحصل على إجابة السؤال الذي تريده".

 

ومن جانبه أكد السيد علي الدين هلال- أحد مسئولي الحزب الوطني- أن "مسألة الخلافة الدستور هو الذي ينظِّمها"، وأضاف: نحن في بلد تحكمه المؤسسات ولا يحكمه الأفراد، هذا هو جواب السؤال.

 

لكنَّ هذه القضية حسَّاسةٌ لدرجة كبيرة؛ حيث إن الحكومة توعَّدت بحبس رئيس تحرير صحيفة مصرية بعد نَشْرِه أخبارًا تدور حول اعتلال صحة الرئيس مبارك، ومن جانبه فقد قال مدَّعِي الحكومة: إن هذا الخبر أحدث ضجةً في العالم بأكمله، وتسبَّب في خسائر اقتصادية تقدَّر بملايين الدولارات!!.

 

هذا، وقد صرَّح المسئول الديني (شيخ الأزهر)- والمعيَّن من قِبَل الرئيس- على غرار الشائعة التي جالت مصر والعالم حول مرض الرئيس مبارك، أن الصحفيين الذين ينشرون الشائعات لا بدَّ من جلدهم ثمانين جلدةً.

 

الولايات المتحدة تراقب عن كثب قضية الخلافة؛ لأن من مخاطر واشنطن أن تجد نفسها في نفس الموقف المثير للشبهة الذي وجدت المملكة العربية السعودية فيه نفسها مع لبنان.

 

كان السعوديون قد خوَّلوا نفوذَهم في لبنان للسيد رفيق الحريري- رئيس الوزراء اللبناني الأسبق- وعندما اغتِيل الحريري فقَدَت السعودية أداةَ التأثير على لبنان، ولم تكن مثل إيران، والتي استثمرت أموالها في بناء مؤسسة حزب الله، والتي كان لديها نفوذ قويٌّ في لبنان.

 

هذا وقد صرَّح أحد المسئولين السعوديين أن إيران كانت أكثر ذكاءً من السعودية؛ فإذا قُتل حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله- وهو الشخصية البارزة في حزب الله- فإن نفوذ إيران سيستمر من خلال المؤسسة.

 

وبالمثل فإن الولايات المتحدة خوَّلت مصالحها في مصر في يد مبارك، في حين أن معظم معونات الأمم المتحدة المالية تُسخَّر لخدمة الجيش المصري، ومع هذا فإن مبارك لا يكون دائمًا الحليف المخلص، واعتبر أحد المسئولين الأمريكان أنه يعتبر قيمة بالنسبة للمنظور التاريخي له والأهمية التي يوليها بالنسبة للولايات المتحدة، والسلام مع "إسرائيل".

 

وأضاف أحد المسئولين الأمريكان: الأمل أن يولِّي الرئيس مبارك خليفةً يحفظ نفس القدر التاريخي للسلام ويُبقي على العلاقة مع واشنطن، وبطبيعة الحال هناك من المرشحين من قال ذلك.

 

هذا ومن ناحية أخرى إذا سافرت في جميع أنحاء مصر، وسألت عن الرئيس المتوقَّع فلن تجد إجابةً متوقعةً غير جمال مبارك نجل الرئيس الحالي، والذي يحتلُّ منصبًا كبيرًا في الحزب الحاكم، هذا وفي أحد التصريحات السابقة للرئيس مبارك قال بأن الحكم لن يورَّث في مصر، وأشار بسخريةٍ إلى انتقال السلطة في سوريا من الرئيس حافظ الأسد إلى الابن بشار الأسد!!.

 

إلا أن أغلب الناس يقولون إن بيانَ الرئيس مبارك كان يرتكز على كلمة التوريث وليس نجله؛ مما يعني أن ابنه الأكبر سيكون الرئيس المنتخَب، وتسيطر الحكومة والحزب والحاكم على السياسات والانتخابات في مصر، وفي ظل غياب قوى المعارضة الحقيقية، فمن المؤكد فوز مرشح الحزب.

 

إلا أن هناك مشكلةً؛ فجميع الرؤساء ممن تولَّوا السلطة منذ الإطاحة بالملك عسكريون، وحيث إن جمال ليس ضابطًا عسكريًّا ولم يلتحق بالجيش؛ لذا فهناك شائعاتٌ تفيد بأن الجمعية ستعمل على الارتقاء بمنصبه في الحزب إلى المقام الأول كخطوة أولى في الانتقال، إلا أن المسئولين بالحزب لا يتوقَّعون أن تكون هناك أي تغييرات.

 

ومن الأسماء المثارة بشدة عمر سليمان رئيس المخابرات لفترة، وهو يحمل رتبة جنرال، وأكثر استساغةً لدى العسكريين، ولديه نفس التوجهات تجاه "إسرائيل" وواشنطن، إلا أن هناك مشكلةً أيضًا؛ فهو ليس عضوًا في الحزب الوطني الديمقراطي، ويتوجَّب عليه التخلي عن منصبه العسكري، وتولِّي منصب بارز بالحزب قبل أن يتمكن من الترشيح للرئاسة، والشخص الوحيد الآن الذي يمتلك كل المؤهلات هو الرئيس نفسه.

 

ويتحدث أعضاء الحزب علانيةً، قائلين إن مناقشة أمر الخلافة شيء سابق لأوانه، وإن الأحزاب المعارضة هي الوحيدة التي تسعى لإثارة تلك المسألة من أجل وضع الرئيس ونجله في موقف حرِج أمام الشعب، إلا أن أعضاء الحزب يعترفون بأن الجيش سيواجه موقفًا لا يُحسَد عليه عندما يحين الوقت لاختيار من يأتي خلفًا له.

 

ومن الجدير بالذكر أن الجيش المصري لا يتدخل في الأمور السياسية، تاركًا المواجهة الحكومية للهيئات المدنية، على الرغم من كونه أقوى هيكل في الدولة، والرئيس وحده هو من يعرف أسلحة الدولة العسكرية والمدنية.

 

هذا وحتى إن كان الحزب ملتفًّا حول مرشح واحد، فليس هناك طريقة لمعرفة إذا ما كان الجيش سيوافق على ذلك أم لا.

---------

المصدر: نيويورك تايمز- التاريخ : 1/11/2007م.