د. جمال نصار

 

تعيش مصر مرحلةً صعبةً من تاريخها، فبعد أن كانت لها الريادة في كل الميادين، أصبحت في مؤخرة الركب في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والصحي والعلمي والتقني والبحث العلمي والسياسة الخارجية والأمن القومي، حتى الإعلام أصابه ما أصاب الميادين الأخرى.

 

وفي هذا السياق يمكن أن نذكر بعض الأمثلة لرصد الواقع المصري:

ففي المجال السياسي: هناك حالة من التكلس والانسداد والاحتقان السياسي والتضييق على الحريات العامة، فنجد أن الحزب الوطني منذ أكثر من ربع قرن مهيمن ومسيطر على الحياة السياسية، ولا يتيح الفرصة لأي حزبٍ أو تيارٍ شعبي للوجود، ويحاربه بكل الوسائل القانونية وغير القانونية، فالأحزاب لا تستطيع أن تُعبِّر عن رؤيتها إلا من خلال الغرف المغلقة في مقاراتها، ولا يُتاح لها عقد المؤتمرات الشعبية، وإذا فعلت تواجه بكمٍّ غير معقول من قوات الأمن لمنعها وحجبها عن الوجود في الشارع المصري، ولا تسمح اللجنة المشرفة على الأحزاب، والمهيمن عليها الحزب الوطني المسماة (لجنة شئون الأحزاب) لأي حزب جاد بالوجود أو التصريح، ناهيك عن محاولة إقصاء جماعة الإخوان المسلمين عن الساحة السياسية بشنِّ حملات اعتقال لقياداتها، وإحالة رموزها وشرفاء هذا الوطن للمحاكم الاستثنائية، ومحاولة التضييق المتعمد على حركتها في الشارع، ودسترة القوانين المقيدة للحريات العامة لخنق أي عملٍ فعَّال ليستفيد منه المواطن البسيط، وسيطرة جهاز أمن الدولة على مؤسسات الدولة بكاملها، والإهانة التي يلاقيها المواطن في تعاملاته اليومية، وانتشار ظاهرة التعذيب داخل أقسام الشرطة، ومقار أمن الدولة.. إلخ.

 

وهذا التزاوج الذي حدث بين السلطة ورأس المال؛ مما أدى إلى زيادة الفساد والاستبداد في كافة المؤسسات وسيطرة رأس المال على كل مجريات الأمور.

 

وفي المجال الاقتصادي: نرى زيادة معدلات البطالة المخيفة بنوعيها المقنّعة والكاملة، فهناك نسبة كبيرة من خريجي الجامعات والمعاهد العلمية لا يجيدون عملاً مناسبًا، وبعضهم لا يجد عملاً في الأساس، ناهيك عن البطالة المقنعة المنتشرة في معظم مؤسسات الدولة.

 

ونشهد أيضًا احتكار فئة معينة للمواد الأساسية مثل الحديد والأسمنت والأسمدة العضوية، وغيرها من المواد الأساسية، وزيادة غير معقولة في الأسعار لا تتناسب مع الدخل لشريحةٍ كبيرةٍ من المواطنين، وخصوصًا للمواد التي لا يستغني عنها المواطن، كما أن فرص الاستثمار لا تُتاح إلا للفئة القريبة من الحزب الوطني ورجاله، وظهر أخيرًا ما يُسمَّى ببيع أراضي الدولة في المدن الجديدة للمستثمرين الأجانب، والاهتمام ببناء المساكن الفاخرة دون المساكن المناسبة للشباب التي تتناسب مع دخله البسيط.

 

وتشهد البورصة المصرية عدم استقرار، بسبب تلاعب شريحة معينة في حركة السوق المصرفية، ناهيك عن استيلاء عددٍ كبيرٍ من رجال الأعمال على أموال البنوك، وتهريب الكثير منها للخارج.

 

وفي المجال الاجتماعي: زادت نسبة تعاطي المخدرات بكل أنواعها، وخصوصًا بين شباب الجامعات، بل بين طلاب ما قبل الجامعي بشكلٍ مخيف، وانتشار ظاهرة الزواج العرفي بين طلاب الجامعات والخريجين لعدم قدرتهم على إيجاد الدخل المناسب الذي يساعدهم على تأثيث المسكن الطبيعي الملائم، وزادت أيضًا نسبة العنوسة بين الفتيات.

 

وانتشار ظاهرة التفكك الأسري نتيجة سعي معظم أفراد الأسرة الواحدة للحصول على لقمة العيش، مما لا يتيح الفرصة لربِّ البيت أن يجلس مع زوجته وأبنائه لمتابعة ومناقشة وحل مشاكلهم، مما أدى إلى ظهور ما يُسمَّى بأطفال الشوارع.

 

كما تشهد الرعاية الصحية تأخرًا كبيرًا، وخصوصًا في خدمات المستشفيات العامة، مع زيادة نسبة الأمراض المختلفة بين أفراد الشعب، والتقصير الواضح في مواجهتها مثل انتشار فيرس إنفلونزا الطيور، والكبد الوبائي، والفشل الكلوي، وأمراض الصدر والرئة، والسرطان، وفقر الدم، والغريب في الأمر انتشار هذه الأمراض في جميع الأعمار السنية المختلفة، وتلوث مياه الشرب.

 

وفي مجال التعليم والبحث العلمي: نجد أن هناك تخلفًا واضحًا في هذا المجال بالمقارنة لدول أخرى بدأت معنا وسبقتنا بمراحل كبيرة، فالأستاذ الجامعي، أو الباحث العادي لا يجد في معمله الحد الأدنى الذي يساعده على إنجاز بحثه أو مشروعه، ناهيك عن انتشار ظاهرة التسرُّب من التعليم، ومشكلة المشاكل الثانوية العامة التي تستنفد ميزانية الأسرة المصرية بشكلٍ غير معقول، والبون الشاسع بين ما يدرسه الطالب في الجامعات والمعاهد المتخصصة والواقع والممارسة العلمية.

 

وفي مجال السياسة الخارجية: نجد تراجع الدور المصري في هذا الشأن، ويظهر ذلك جليًّا في التعامل مع القضية المصيرية للأمة العربية والإسلامية، وهي قضية فلسطين بمساعدة فصيلٍ دون الآخر، وزيادة الشُّقة بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد، بما يصبُّ في مصلحة الكيان الصهيوني الغاصب والمحتل، ناهيك عن الموقف غير الواضح في السودان والعراق ولبنان، والغموض غير المبرر من التهديدات الأمريكية لسوريا وإيران، وقضايا عديدة أخرى تهم الأمة العربية والإسلامية.

 

والحقيقة أن هذا الحزب وضع نفسه في كفة، وكل فئات الشعب في كفة أخرى، فخاصم القضاة والصحفيين والأطباء وأساتذة الجامعات والمعلمين والعمال والطلاب، وكل مؤسسات المجتمع المدني، كما أنه يُسخِّر كل مؤسسات الدولة لمصلحته المحدودة، دون إتاحة ذلك للأحزاب الأخرى، ونسمع شعارات وتصريحات وخطب رنانة، وإذا ما قُورنت بالواقع الملموس نجد أنه لا وجودَ لها على أرض الواقع.

 

هذا رصد للواقع الذي نعيشه، ويراه ويلمسه كل مواطن بسيط، وليس فيه تجنٍ على أحد، وليرجع مَن شاء للتقارير المختلفة في مراكز البحوث القومية المتخصصة، وتقارير مؤسسات المجتمع المدني المختلفة، ومراكز حقوق الإنسان، وأرقام البنك الدولي.

 

والسؤال المهم في هذا السياق: أين شعارات المؤتمر العام التاسع للحزب الوطني (بلدنا بتتقدم بينا، والعدالة الاجتماعية، والقضاء على الفقر، وتطوير التعليم، وتحسين الخدمات العامة، والخدمات الصحية)؟!!!

 

وأستطيع أن أؤكد أن ما يدور في مؤتمر الحزب الوطني وجلساته هو شأن داخلي يخص الحزب ولا شأنَ لنا به، ولن يلمس المواطن العادي أي تغيير يُذكر، وهو مجرد تهيئة الأجواء للسيد جمال مبارك للوصول للحكم.

 

وكما يقول الأستاذ "فهمي هويدي": "اعتدنا على استقبال مثل هذه الرسائل في مختلف المناسبات السياسية، التي تتحول فيها هموم الناس وقضايا المجتمع إلى موضوعاتٍ للإنشاء وتمارين على البلاغة في التعبير، تمامًا كما تظل الإنجازات مجرد أخبار وتقارير تنشرها الصحف، ويقرأ عنها الناس في الصحف ولا يرون لها أثرًا على أرض الواقع" (الدستور: 3/11/ 2007).

 

وهذا لا ينفي بالطبع وجود بعض الشرفاء في الحزب الوطني كأفراد، ولا يعني ذلك أيضًا عدم وجود إنجازات، ولكنها بسيطة جدًّا، ولا تكاد تُذكر بالنظر إلى وضع وإمكانيات ومكانة مصرنا الحبيبة.

 

شكر واجب

أتوجه بالشكر والتقدير لكلِّ مَن ساهم في التعليق على مقالتي السابقة (الفرخة في حلِّ الأزمة) التي عرضت فيها نموذجًا للفساد الحكومي في بعض إدارات المرور، كما أشكر السيد العميد/ جمال النجار مدير إدارة العلاقات العامة بمديرية أمن القاهرة، والرائد/ هيثم منير بنفس الإدارة لاتصالهما بي، وإظهار النموذج المشرف للمسئول الذي يسعى لحل مشاكل المواطنين، ومواجهة الفساد الإداري المستشري في معظم هذه الأماكن. وفعلاً مصر ولادة.

-----------

* nassareg2000@yahoo.com
nassareg2000@gmail.com