عقب مرور ست سنوات على أحداث 11 سبتمبر، لا يزال الإسلام السياسي في جميع أنحاء العالم الإسلامي على المحكِّ، وكانت المفاجأة في نشوب هذا ديمقراطيًّا وليس من خلال قنبلة، لكنه من خلال صناديق الاقتراع، ومن ثمَّ صرَّح "نيوكونز" بأنه لا تعتبر الديمقراطية الترياقَ بالنسبة للإسلاميين كما يعتقد الكثيرون.
لا بد من ملاحظة أنه منذ بداية غزو الولايات المتحدة الأمريكية أفغانستانَ والعراقَ، كانت هناك استجابةٌ متسقةٌ من المسلمين الذين لهم حقُّ التصويت، هذا وعلى صعيد آخر فقد صوَّتت بكثافة كلٌّ من: لبنان، إيران، العراق، فلسطين، باكستان، فلسطين، تركيا، الجزائر، لصالح الأحزاب الدينية بطريقة لم يسبق لها مثيل من قبل؛ حيث إن معظم الحكومات مرتبطة ارتباطًا قويًّا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم فقد نهض الإسلام السياسي نهوضًا ملحوظًا.
وإذا كانت الهيمنة الإسلامية لأوروبا الغربية هي أسطورة، فبالمثل لا يمكن أن يقال للعالم الإسلامي؛ لأن السياسات الأمريكية الوحشية والخرقاء قد أحدثت تغيراتٍ ثوريةً, حتى إن التطرف هو من الآراء المعتدلة نتيجة للوضع القائم في المنطقة منذ الخمسينيات.
ولعل مصر نموذج لذلك؛ ففي الانتخابات الأخيرة في عام 2005 قام أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المحظورة رسميًّا بترشيح أنفسهم كنواب (مستقلين) بمجلس الشعب؛ لذا فلقد ارتفعت نسبة تمثيلهم بالمجلس من 17 إلى 88 مقعدًا من أصل 444 مقعدًا، أي ما يعني زيادته بنسبة خمسة أضعاف، على الرغم من التقارير المشيرة إلى طرق التلاعب التي قام بها الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم؛ فأصبحت جماعة الإخوان التي طالما كانت تتجنَّب العنف بالأمس هي قوى المعارضة الأساسية الآن.
والأوضاع في باكستان متشابهة إلى حد ما؛ فعادةً الأحزاب الدينية تفوز بنسبة صغيرة من التصويت، والتي بدأت في التغيُّر عقب غزو الولايات المتحدة لأفغانستان.
في أكتوبر 2002 فاز التحالف اليميني للأحزاب الدينية "MMA" بنسبة 11.6 من الأصوات, وهو ما يزيد عن ضعف حصتها, مكتسحًا المرشحين في الإقليمَين المتخمَين بأفغانستان.
أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش في عام 2004 أن تقوية مفهوم الديمقراطية في الشرق الأوسط سيكون الموضوع الأساسي للسياسة الخارجية, وحينها أدرك الجميع فشل تلك السياسة، إلا أنه في كثير من طرق السياسة الخارجية نجحت الولايات المتحدة في تحويل آراء المسلمين ضد الحكومات الملكية الفاسدة، وتدهورت الأحزاب القومية التي كانت تسيطر على المنطقة لما يزيد عن خمسين عامًا.
ومن المفارقات أنه بدلاً من أن تحوَّل إلى الأحزاب العلمانية الليبرالية- كما كان مفترضًا- اصطفَّ المسلمون خلف الأحزاب الرافضة للتدخل الأمريكي العدواني، وبمعنى آخر فإن الأحزاب الدينية قد اعتلت السلطة لأسباب ليست لها صلة بالدين.
ومما لا شك فيه أن المعارضين للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط بهذه الطريقة ليست الأحزاب الدينية- على حدِّ قولِّ كلٍّ من مشرف ومحمود عباس ومبارك- إلا أن الأحزاب الإسلامية قد استفادت من الغضب العارم للمسلمين حول الأرواح التي تُزهَق في العراق وأفغانستان, والعمى الأمريكي الذي جعل من "إسرائيل" ترسانةً نوويةً في الضفة الغربية, والتعذيبات الحادثة بمعتقل أبو غريب، وسجن الآلاف من المسلمين بدون محاكمة، ولا زال الخوف البلاغي من الإسلام ينبعث من بوش ومن حوله.
علاوةً على ذلك, فإن الأحزاب الدينية تميل إلى جذب عقول الفقراء، ممثلةً في العدالة والنزاهة والتوزيع العادل للموارد، ومن ثمَّ على سبيل المثال، جاء الانتصار الكاسح لحماس ضد فتح في انتخابات 2006 بفلسطين، وبالمثل الازدهار الهائل لحزب الله بلبنان لم تكن مفاجأةً بسبب الولع بالشريعة، ولكن بسبب حالة السيد حسن نصر الله- زعيم حزب الله- باعتباره الرجل الذي أجهد "الإسرائيليين"، وأمدَّ العديد من الشعب اللبناني في الجنوب بالخدمات الطبية والاجتماعية، كما فعلت حماس في غزة.
وقد ركزت الصحافة الغربية حديثها لمدة ست سنوات بدءًا من 11/9/2007م عن الجماعات الإرهابية والمجاهدين الانتحاريين، لكن على الرغم من كون التهديد بالعنف أصبح أمرًا حقيقيًّا، إلا أن بعض المعلِّقين الذين قاموا بمقارنة ما يسمونه جهلاً منهم بـ"الفاشية الإسلامية" والنازية وكلاهما جريمة هستيرية، إلا أن الفروق النسبية والقدرة العسكرية كبيرة جدًّا بالنسبة لأن تكون المقارنة صحيحةً، وأنَّ القياس الذي وصفه نيوكونز مع الحرب العالمية الثانية يمكن إثبات كونة خاطئًا.
ولطالما يتدخَّل الغرب في شئون العالم الإسلامي، وتصطف بريطانيا وراء جورج بوش حول الحروب غير الشرعية، فسوف تنفجر القنابل، ويموت الأبرياء من البريطانيين في أعمال الجهاد الشريرة، وهذا لا يعني أننا أوشكنا أن نُغزَى ولا أن تغرِقَ أوروبا ديموغرافيًّا، كما صرَّح "مارك ستين" أحد معلِّقي أمريكا الشمالية قائلاً: "سوف يشكِّل المسلمون ما يقرب من 10% من إجمالي سكان أوروبا بحلول عام 2020".
وقد كان ذلك هو الردَّ المعتاد بالنسبة للولايات المتحدة بشأن التراجع عن مطالبتها بالديمقراطية، بعد فوز الأحزاب (الخاطئة)، ولم يكن هذا الوضع فقط في النصر الانتخابي الذي حققته حركة حماس, لكنه يشمل أيضًا مصر عندما ظهرت قوة جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات.
![]() |
|
إحدى مظاهرات الإخوان المطالبة بالإصلاح السياسي |
ومن ناحيةٍ أخرى، فقد توقَّفت الولايات المتحدة الأمريكية عن الضغط على نظام مبارك لإتاحة المزيد من الإصلاحات الديمقراطية؛ فالعديد من ناشطي جماعة الإخوان المسلمين، وأيضًا المناوئين لنظام مبارك في الانتخابات الرئاسية، لا يزالون في السجن (وكل هذا بدون كلمة لوم واحدة من واشنطن)!!.
ومن ناحية أخرى فقد قمت بزيارة إلى مصر، وأثناء هذه الزيارة انتابني شعورٌ قويٌّ بأن الإسلام السياسي هو الباقي هناك، وأن الجميع يدرك ويتعايش مع ردود فعل الولايات المتحدة كما لو لم يكن لها أي علاقة بهذا الشأن، وقد بدأ الأقباط أنفسهم في حوارات مع جماعة الإخوان المسلمين، كما فعل يوسف سيدهم، الذي يحرِّر الجريدة القبطية الرائدة، والذي أكد على ضرورة الحوار لتوضيح سياسة الجماعة، وإنهاء سوء الظن المتبادل.
في الحقيقة إننا نحاول مثل الأقباط إيجاد طريقة لتسوية النزاع مع الإسلام السياسي، ومن ثمَّ فإن التظاهر بأن الإسلاميين لا وجود لهم وأننا لن نتحاورَ معهم، ليس حلاًّ؛ ولذا فيجب فتح الحوار مع الذين نستطيع العمل معهم، والبدء في إصلاح الأضرار التي أحدثتها السياسات الأمريكية الانهزامية للمنطقة، والتأثر الحادث بالغرب منذ أحداث 11/9.
--------
المصدر: (الجارديان- وليام دارليمبل، مؤلف كتابThe Last Mughal: The Fall of a Dynasty, Delhi 1857 (سقوط السلالة الحاكمة ديلهي عام 1857م).
