نحسب أن د. عمرو الشوبكي من الكتَّاب القلائل الذين يتميَّزون بالوعي والموضوعية في كتاباتهم الصحفية، ومع تقديرنا واحترامنا له ولمقالاته التي أثرَت الصحافة المصرية والعربية، لكن لا يخلو الأمر من أن نختلف معه.. فلا بأس؛ لأن الاختلاف لا يفسد للودِّ قضية، وبما أنه من الكتَّاب المرموقين فلا أجدُ غضاضةً في الحوار معه بلغة الصحافة بمقال؛ ردًّا على مقال كتبه في جريدة (المصري اليوم) الغرَّاء، بتاريخ 1/11/2007 بعنوان: "هل يمكن إصلاح جماعة الإخوان المسلمين؟!".
وأقول: لِمَ لا؟ فأي هيئة أو جماعة أو حزب وَجَدت بها عيوبًا، سواءٌ كانت بأسلوب النقد الذاتي أو بالنقد من الآخر؛ فعليها أن تُصلِحَ من نفسها، بل الفلسفة التي قامت عليها جماعة الإخوان المسلمين هي: "أصلح نفسك وادعُ غيرك".
لكنني أجد الدكتور عمرو قد ذهب بعيدًا عن المراد المقصود في العنوان، وصال وجال في مناطق يراها من وجهة نظره مكمنَ العيوب المراد إصلاحها، وأراها ألغامًا قد تَنسِف ما قامت عليه الجماعة- لا سمح الله- وتأتي على عرشها من القواعد، ولذا وجب علينا أن نوضح للدكتور عمرو بعض النقاط التي أراها مهمةً؛ حتى تظهر الصورة جليةً، وعلى د. عمرو أن يتفق أو يختلف مع تلك الرؤية، هذا حقه، وإن كان هذا حقه فمن حق الجماعة أن تلتزم بثوابتها التي قامت من أجلها.
الدولة الدينية والدولة المتدينة
لعل البعض لا يملُّ من تكرار مفهوم الدولة الدينية التي يبشر بها الإخوان, والإخوان لا يملُّون من تكرار أن الإسلام لم ولن يعرف أبدًا الدولة الدينية, فهي تسمية غربية في الأساس وأُقحِمَ هذا المصطلح إقحامًا على الإسلام؛ على اعتبار أن كل من ينادي بالدين يريد دولة دينية, والعصور التي عرفت هذا المصطلح لم تمتّ إلى التاريخ الإسلامي بصلة، بل هي من أيام محاكم التفتيش في أوروبا، والتي حكم فيها القساوسة وزعموا أنه حقٌّ إلهيٌّ، أي أنهم المتحدثون باسم الإله، وابتدعوا صكوكًا للغفران، وأخرى لدخول النار، وحوَّلوا حياة الناس إلى جحيم، وعارضوا النهضة العلمية والثقافية، وحاربوا العلم والعلماء.
أين هذا من الإسلام؟ فالإسلام لا يعرف الدولة الدينية، ولا حتى مصطلح "رجال الدين" القائمين على هذه الدولة, بل يعرف علماء الدين وفقهاء الدين, ولا أحد من الإخوان يتحدث باسم الإله ولا باسم الدين، ولم يزعم أحد احتكاره لهذا الدين, بل دعا الإخوان أن يحكمَنا الإسلام والشريعة الإسلامية التي جاء بهما النبي- صلى الله عليه وسلم- من عند الله، ولم يأت بهما الإخوان، بل دعا لهما الإخوان بالطريقة والأسلوب اللذَين تتوافق عليهما الأمة، ويرى الإخوان أن الإسلام فيه خير الأمة وصلاحها وازدهارها وتقدمها، ومن ثم فإن الإخوان لا ينادون بالدولة الدينية، ولكن بالشعب المتديِّن، الذي يأخذ من الإسلام مرجعيته في شئون حياته.
وهنا أجدني في تعجُّب واضحٍ مِن رَفْضِ د. عمرو الشوبكي فَهْمَ الجماعة للإسلام بأنه نظام شامل!! وأنا هنا أقتبس من المقال؛ حيث قال: "ولكن من المهم على الأقل وجود توجه داخل الجماعة يراجع بعض توجهاتها المغلقة، التي لا تفهم طبيعة وتعقيدات الواقع السياسي المحلي والدولي، وتقف عند ترديد جمل عامة تبقى أحوالها على ما هي عليه، كتلك التي تقول إن الإسلام دين شامل، وإن السياسة هي جزء من هذا الدين، دون أن تفصل بين المجال السياسي والديني..
والحقيقة أن المقصود بهذا الفصل هو إعادة الإسلام كمصدر للقيم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية، وكإطار عام ومصدر رئيسي للتشريع، كما هو منصوص عليه في الدستور، وحين يتحول إلى ممارسة سياسية يومية وإلى برنامج حزب سياسي يخلط بين المجال الديني والسياسي، فإن الفشل الذريع هو مصيره؛ لأنه سيتحوَّل إلى أداة وصاية على المجتمع، يتصور أصحابها أنهم حرَّاس للعقيدة الدينية، وليسوا مجرد مدافعين عن برنامج حزب سياسي، فيحولون اجتهادات السياسة المتغيرة إلى قضايا عقائدية كبرى غير مقبول الخروج عنها".
وهنا أجدني أتساءل في عجب وحيرة: هل السياسة رجس من عمل الشيطان، لا يجوز الاقتراب منها إلا إذا خلع المرء نفسه من الدين وصار بلا دين؟ ومن قال إن من يختلف مع الإخوان في الاجتهادات السياسية المتغيرة سيختلف مع الدين؟! وإن قال الإخوان في برنامجهم إن الخصخصة بالطريقة التي نفذتها الحكومة أضرَّت بالاقتصاد الوطني وبالاستثمار ثم جاء من في الحكومة أو المعارضة يختلف مع هذا الطرح يكون قد عارض الدين والعقيدة!! وإذا قال الإخوان في برنامجهم إن الأمن القومي المصري لا يقف عند الحدود الجغرافية للدولة بل يتعداه إلى العمق العربي والإسلامي، ثم طرح الآخرون فهمًا غير ذلك، رماهم الإخوان بالزندقة والخروج عن الملة لأنهم عارضوا العقيدة والدين!! ما هذا العبث؟!
إن فهم الإخوان للإسلام هو أنه نظام شامل كما جاء في رسالة (التعاليم) للإمام الشهيد حسن البنا؛ حيث ذكر في الأصل الأول من أصول فهم الإسلام: "الإسلام نظام شامل، يتناول مظاهر الحياة جميعًا؛ فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء".
وإن دلَّلنا على هذا الكلام النفيس بقول ربنا في كتابه: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِيْ الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ﴾ (الأنعام: من الآية 38).. واتَّهَمني د. عمرو بأني أخلط الدعوي بالسياسي، لأكدت له مرةً أخرى بكلام الإمام البنا في رسالة بين الأمس واليوم: "إذا قيل لكم إلام تدعون؟! فقولوا: ندعو إلى الإسلام الذي جاء به محمد- صلى الله عليه وسلم- والحكومة جزء منه، والحرية فريضة من فرائضه، فإن قيل لكم هذه سياسة! فقولوا هذا هو الإسلام ونحن لا نعرف هذه الأقسام".
وإذا اتهموا السياسة بأنها بلا أخلاق؛ فنحن نمارسها بأخلاقنا بوضوح وشفافية، وإن قالوا إنها كذب ونفاق، ولا يصح أن نُدخِلَ فيها الدين، قلنا نصلحها بالدين ولا نجعلها كذبًا ولا نفاقًا، نحن سنمارسها هكذا، ومن ارتأى لنفسه غير ذلك فهو حرٌّ إلى ما ذهب إليه.
نحن لن نفصل السياسي عن الدعوي، ولا الدعوي عن السياسي؛ لأن سياستنا هي دعوة إلى الحق، والحق هو مبتغى كل الأحرار، ومن أعرض عن الحق فهو وسياسته، ومن عارضنا فلا يعني أنه عارض الإسلام أو الحق؛ فهذا هو فهمنا ومبتغانا.
وإن أصر د. عمرو على أن السياسة التي توصل للحكم شيء، والوعظ والإرشاد شيء آخر، فسأستسمحه أن يعود لرسالة (المؤتمر الخامس) للإمام البنا تحت عنوان: الإخوان المسلمون والحكم؛ حيث قال الإمام: "وهذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنًا من أركانه، ويعتمد على التنفيذ كما يعتمد على الإرشاد، وقديمًا قال الخليفة الثالث: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"، وقال: "والمصلح الذي يرضى لنفسه أن يكون فقيهًا مرشدًا، وترك أهل التنفيذ يشرِّعون للأمة ما لم يأذن به الله؛ فإن النتيجة الطبيعية أن صوت هذا المصلح سيكون صرخةً في واد ونفخةً في رماد" (بتصرف).
وقال: "الإخوان المسلمون لا يطلبون الحكم لأنفسهم؛ فإن وجدوا في الأمة مَن يستعدُّ لحمل هذا العبء، وأداء هذه الأمانة؛ فهم جنوده وأنصاره وأعوانه" (بتصرف).
وقال: "وعلى هذا، فالإخوان أعقل وأحزم من أن يتقدموا لمهمة الحكم ونفوس الأمة على هذا الحال، فلا بد من فترة تُنشَر فيها مبادئ الإخوان وتسود, ويتعلم فيها الشعب كيف يؤْثِر المصلحة العامة على المصلحة الخاصة".
وبالنسبة للوصاية التي سيفرضها الإخوان على الشعب باسم الدين، كما قال د عمرو: "هل الآلية الديمقراطية التي سيصل بها الإخوان لتطبيق برنامجهم على الشعب في انتخابات حرة وشفافة- كما ذكروا في برنامجهم- هي وصاية على الشعب؟ فاذا اختار الشعب حزبًا بعينه ليحكمه فقد اختار برنامج هذا الحزب دون وصاية أو غواية..
ونقطة أخرى أثارها د عمرو بقوله: ولعل ما جاء في برنامج الإخوان عن تشكيل لجنة للرقابة الدينية على الإنتاج الأدبي والقصصي لا يعكس فقط جهلاً بجوهر الرسالة الدعوية- في حال إذا ما فصلت عن الحزب السياسي- التي تقوم على النصح بالكلمة لا الوصاية على الناس، إنما أيضًا عدم بذل الحد الأدنى من الجهد في فهم الفارق بين ما يُعرَف في البلدان الديمقراطية بالمجال العام والخاص، والذي يعني أن من حق المؤسسات العامة التي ينفق عليها الشعب من الضرائب التي يدفعها أن ترفض ما يتعارض مع الثوابت الأخلاقية والدينية للشعب المصري كما هو موضَّح في الدستور، ودون الحاجة إلى فرض لجنة فقهاء تقهر الإبداع وتتدخَّل فيما لا يعنيها..
أما المؤسسات الخاصة، متمثلةً في دور النشر الخاصة، مثلها مثل مواقع الإنترنت والفضائيات فهي مجال مفتوح، ولا يمكن أن يتدخل فيها أحد بالمنع كما كان الحال في بلدان أوروبا الستالينية، إنما بالنصح والرسالة الأخلاقية".
وهذا كلام غير دقيق؛ فلم يذكر برنامج الحزب لا لجنه دينية ولا لجنة فقهاء، بل ذكر البرنامج تحت عنوان (القوالب الأدبية في فصل البناء الثقافي)- البند رقم 1-: إنشاء لجنة متخصصة لدراسة واقع الرواية والأدب عامة في مصر, وتوجيه مسارات الإبداع الأدبي لخدمة قضايا المجتمع (يعني لجنة متخصصة في الأدب لا في الدين، وظيفتها التوجيه والإرشاد لا المنع ولا الرقابة).
بل ذكر البرنامج قاعدةً حاكمةً في النهضة الثقافية برمَّتها، أراها من أروع ما كُتب في هذا المقام؛ فتحت عنوان (ضوابط إدارة الحياة الثقافية)- البند رقم 2-: الاعتماد في العمل الثقافي والإعلامي العام على غرس وتعميق ثقافة المناعة الشخصية والرقابة الذاتية للمواطن، بدلاً من ثقافة المنع والرقابة الفوقية؛ بحيث يكون هناك نوعٌ من الرقابة الذاتية لدى المواطن، تتركَّز في أعماقه، من خلال منظومة من القيم والأخلاقيات التي يتم تدعيمها في وجدانه، ليرفض عن قناعة خاصة، وليس بأوامر من السلطة أو حجرًا عليه من أي طرف كان.
أحسب أن د. عمرو قد خانه التوفيق في هذا الاقتباس المخلّ من البرنامج، وأجد نفسي مضطرًّا لمطالبته بالرجوع عن هذا الخطأ، ولولا المكانة الرفيعة التي يحتلها في قلوبنا وقلوب العامة لما طالبته بذلك.
ويبقى المطلب الرئيسي في الإنصاف والحيدة، وهما سمتا أي مثقّف حرّ، وهو الذي يُسهِم في بناء الأمة ونهضتها.