لا أعتقد أن كلامي في المقطع الأول التالي محل اختلاف: هناك أزمة حقيقية تعانيها مصر.. أزمة تطال الجميع، بدءًا من النظام الحاكم ومؤسسات الدولة، مرورًا بالأحزاب والقوى السياسية، وانتهاءً بالشعب كله، بنخبه وجماهيره.

 

لسنا الآن في معرض الحديث عن هذه الأزمة من ناحية الأسباب والنتائج، سوى التأكيد على مشكلة عدم الثقة والشك واتهام الآخر، والتي انتقلت من الجماهير في تعاملها اليومي إلى النخب، وهي ميراثٌ متوقَّعٌ لعهود بوليسية قمعية، ونتيجةٌ حتميةٌ للجمود السياسي وانسدادِ أفقِ التغيير، بعيدًا عن مدى اتفاقي أو اختلافي مع الإخوان، أعتقد أنهم دائمًا في قفص الاتهام:
(1) اتُّهِم الإخوان بأنهم لا يملكون برنامجًا سياسيًّا أو مشروعًا واقعيًّا للتغيير، واتُّهِموا بأنهم المستفيد الأول من الأزمة السياسية التي تعانيها مصر؛ فالأحزاب لا يتعدى وجودها القانوني (المقر والجريدة)، وتُمنَع من الخروج للشارع، والانخراط والالتحام بصفوف الجماهير، بينما الإخوان يتحركون من خلال المساجد التي لا تستطيع الحكومة إغلاقها!!.

 

(2) اتُّهِموا بامتلاك عموميات لا تستند إلى تفاصيل وجزئيات، وحينما أعلنوا مبادرتهم للإصلاح في خريف 2004 قيل إنها محاولة مكشوفة للانقلاب على الشرعية والالتقاء بالمشروع الأمريكي لفرض التغيير من الخارج بطرح أنفسهم كبديل.

 

(3) حينما أعلنوا أنهم ينوون تأسيسَ حزبٍ سياسيٍّ، قيل إن هذه مناورةٌ للرد على اعتقال المهندس خيرت الشاطر وتحويله مع 40 من نخب الجماعة إلى المحاكمة العسكرية، كما ظهرت نبرة تحدٍّ في كتابات الصحف القومية تشكِّك في إمكانية الطرح، وشدَّد رجال الأمن قبضتهم، باعتقالات كثيرة ومطاردات ربما للتأكيد على أن موضوع الحزب خط أحمر لن يُسمَحَ بمجرد التفكير في الوصول إليه!

 

(4) كما أثارت القراءة الأولية للبرنامج التي أُرسِلَت 50 نسخة منها إلى شخصيات فكرية وسياسية جدلاً واسعًا لا مبرِّرَ له؛ فالقراءة أولية، بمعنى أنها خاضعةٌ للنقاش والحوار والحذف والإضافة، وعلى هذا الأساس تم استهداف النخب للوقوف على آرائهم تجاه التصورات المطروحة قبل الوصول إلى صياغة نهائية، وكنوع من المشاركة والتقدير.

 

مأزق النخبة

ربما لم يدرك هؤلاء المطلوب منهم تحديدًا، وتجاوزوا التقاليد، وقفزوا إلى ساحات الميديا ليلقوا بتحفُّظاتهم حممًا وبراكين، اعتبر أحدهم البرنامج ردَّةً إلى الوراء، وقال آخران: البرنامج هدم ثلاثة حصون من حصون الأمة: المدنية والمواطنة والمساواة، وكُتبت آراءٌ غاضبةٌ، وتعليقاتٌ محذِّرة، وتقارير خائفة على مستقبل مصر!!

 

ونتيجة لذلك ربما انتقلت الحرب الكلامية إلى صفوف الجماعة، التي أخشى أن تتشدَّد في صياغتها النهائية بعد أن شعرت بهذه الروح الانقلابية تترصَّد لها وتتربَّص وتطارد، كما أظهرت المحاولة ضِيقَ أُفُق النخبة وتهوُّرَها، وإيمانها بالمطلق، واستعجالها إشعال المعارك وتأجيج المشاعر.. ألم يكن الحوار أجدى والنقاش أعم نفعًا؟!

 

لقطة أخيرة.. منذ عام تقريبًا وأثناء نظر التعديلات الدستورية, وفي خضمِّ الجدل المثار حول حظر الشعارات الدينية، وقف أحد أعضاء مجلس الشعب- وهو النائب سعد الحسيني تحديدًا- ومعه مجموعة أوراق؛ ليقرأ بعض الشعارات الدينية والأفكار والمبادئ، ثم قال: هذا برنامج الحزب الوطني.. إنه قائم على أساس ديني!!

 

ساد الارتباك الجميع، واهتز رئيس المجلس من هول المفاجأة، وقالت د. آمال عثمان إنها مشكلة كبرى، وقد ردَّ النائب متهكِّمًا: أظن أنه لم يقرأ أيٌّ منكم برنامج حزبه "من أحضر العفريت عليه أن يصرفه"!!.

 

لم يخضع برنامج الحزب بعدها للفحص والتحليل وكذا برامج أكثر من 24 حزبًا هلاميًّا، يملأون ساحة الاستبداد، ويزينون جدرانها وحدها.

 

القراءة الأولية المقترحة لبرنامج الإخوان خضعت لذلك، وكأن التصور يغني عن الممارسة، أنا لا أستشعر نوايا حسنة، ربما نستحق: مثلما تكونون يولَّى عليكم!!