منذ أن أعلنت جماعة الإخوان المسلمين طرح مبادرة هي الأولى من نوعها بين جميع الأحزاب المصرية، بشأن عرض المسودة الأولية لبرنامج الإخوان للجميع، حتى صاحبها زخمٌ إعلاميٌّ مستهدف، إما بالقول بأنه تلميع لكيان غير معترف به، يهدف إلى إرغام السياسيين على الاعتراف بالجماعة شكلاً وموضوعًا، دعوةً وسياسةً، أو بقولٍ آخر بأنه إظهار لحسن النية في بعض الأمور التي تتوقف عندها الحرية الديمقراطية في مستقبل مصر، ومنها على سبيل المثال: المرأة، القبطي المصري، تداوُل السلطة، وماذا عن الاتفاقيات الدولية التي وقَّعت عليها مصر، وغيرها من تلك الأمور.
والناظر إلى تلك المسائل التي طرحها الإخوان المسلمون في برنامجهم، أو المسودة المبدئية التي هي قابلة للتعديل والتبديل على الصحيح، وهو الخطأ الذي وقع فيه باحثون مخضرمون أمثال: عمرو الشوبكي وعمرو حمزاوي وضياء رشوان وغيرهم؛ ظنًا منهم أن المتبع في السياسة الإخوانية قائمٌ على أنهم ملائكةٌ لا يُخطئون أو رسلٌ مبعوثون، والحقيقة هي غير ذلك.
لقد تم طرح برنامج الجماعة على الملأ، في سابقةٍ أشرنا إليها سلفًا على أنها بادرةٌ قويةٌ من الإخوان كجماعة يُنظَر إليها من النظام على أنها محظورة، ومن ثمَّ فإن البادرة تتحول على أقل تقدير إلى أطروحات يناقَش فيها السلبي والإيجابي في تعريف للآخر، بأننا كإخوان مسلمون لدينا ورقة عمل، برغم ما فيها من ملاحظات على بعض النقاط التي يمكن أن تُراجَع مراجعةً سريعة وتُعدَّل!!
لقد قرأت المسودة الخاصة بحزب الإخوان كجماعة وحزب قائم "على الورق" لا بد له من واقع، وجدته بالفعل جديرًا بأن ينشأ كحزب سياسي، يعطي دفعةً قويةً لتحريك الجمود الحاصل للعملية السياسية في البلد، ونستنتج على قدر ما بعضًا من الدلائل المستخلصة، وهي:
1- ان الإخوان استمدوا شرعية الحزب من القانون؛ بأنه يحق لكل جماعة سياسية الحق في تأسيس حزب يعبِّر عن أفكارها، ولقد بنوا الحزب على أساس أن الدين في الدولة الإسلام بنص تشريع الدستور المصري، فما هو الخوف إذًا من كونهم "إخوانًا مسلمين"؟ وهل يُمحَى تاريخ طويل من العمل الدعوي والسياسي، والذي استمد الشرعية من الشعب، مع أن الجميع يعلم أن الإخوان ضد الدولة الدينية، برغم كونها ذات مرجعية دينية، وهي بالطبع تختلف كليًّا عن الأحزاب في بعض البلدان، مثل تركيا مثلاً؛ فهناك أمر محتوم باحترام المبادئ العلمانية، ولهذا سُمح لهم بإنشاء أحزاب مرجعية علمانية.
2- يحق لكل فرد في مصر الدخول في هذا الحزب على تلك المرجعية التي ذكرناها، أي أنه يعلم أنه استمدَّ ذلك من القرآن والسنة والدستور المصري، سواءٌ أكان هذا العضو قبطيًّا أم مسلمًا، وأما القبطي فهو أخٌ لنا، فلن تُغلَق له كنيسة، ولن تُمنَع له شعيرة.. "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، فليبحث المغرضون عن شيء آخر غير تلك القضية التي كفل الدستور المصري للقبطي أحكامها.
3- طرح الإخوان فكرتهم حول التعليم لم يطرحها أحد قبلهم في هذا الشأن، حتى إن أحد العلماء وصف تلك الفقرة بأنها بناءٌ وسدٌّ منيع، يحاول الإخوان من خلاله بناء جيل قوي ينهض بمصر مستقبلاً ولسنوات عديدة.
4- هناك من تطرَّق إلى مصر بصفة خاصة وماذا لو اعتلى الإخوان حكم مصر؟! (على افتراض) ماذا سيكون مصير المعاهدات والبنود والاتفاقيات المرتبطة بها مصر مع بعض الدول؟!
مع أن تلك المعاهدات ليست وليدة يوم وليلة، وباستطاعة الشعب وقتها تحديد ما يرغبون فيه، (لاحظ أن هناك تكتلاتٍ دوليةً بين الدول ذات المصالح المشتركة، وهو ما قد يؤثر على المستقبل للشأن الداخلي والخارجي لمصر إذا تراجعت مصر عن تلك المعاهدات).
5- استحالة السلام مع دولة الكيان الصهيوني، وهل نسيتم شهداءنا في قانا وبحر البقر؟ هل نسيتم أحمد ياسين ويحيى عياش والرنتيسي؟ هل نسيتم إيمان حجو ومحمد الدرة؟ أعتقد أنه لا ولن تكون هناك معاهداتٌ مع هذا القاتل الغاشم المحتل.
6- في موضوع السياحة والسياح؛ فالموقف الآن لا يحتمل أي تفسير بالنسبة للسائح الذي يأتي مستمتعًا بشمس مصر وجوِّها المعتدل وزيارة الأماكن الأثرية؛ فليس من المعقول أن يتخذ الإخوان- بعد افتراض حكمهم- قرارًا بنسف تلك الأحجار المسماة بالآثار لكونها أوثانًا وأصنامًا يحج إليها الأجنبي، فهل هذا يُعقل؟!
لقد وعى الإخوان أن الدخل الأجنبي أو العملة الصعبة تأتي- مع مصادر أخرى- من تلك الدول التي ترغب في زيارة تلك الآثار، والتي تدرُّ دخلاً ضخمًا على مصر، أما بالنسبة للسائح نفسه فلو التزم بالضوابط التي وُضِعت له؛ من حيث الإقامة والملبس والمأكل، فسوف يستجيب الأجنبي لذلك؛ لأنه من المعروف أن السائح الغربي عمومًا متحضِّر، ويعي الالتزام بالقوانين والضوابط، وبمصر ثلث آثار العالم، وبها مكتبة الإسكندرية، وبها أطول أنهار العالم، وفيها الآثار الإسلامية والقبطية والإغريقية.. إلخ، مع العلم بأن المجتمع المصري خاصة والشرقي عامة ملتزم بطبيعته (ضوابط+ قوانين+ وعي+ زائر غربي= سياحة 100).
7- الإذاعة والتليفزيون والفضائيات وما شابه ذلك من وسائل التكنولوجيا المتطورة والحديثة؛ فإنه ما أوصل به الإخوان أصواتهم إلى العالم الخارجي إلا بفضل هذه المعجزات المسماة بالتكنولوجيا، التي وهبها الله- تبارك وتعالى- للإنسان، فلا شكَّ أن الإخوان مع الحزب الجديد سوف يعدُّون أنها سلاح ذو حدَّين، سهم ذو سم، وسهم ذو عسل، فليعالجوا السم بالعسل، وليوسطوا بينهما ذلك الخير.
إن أفضل ما سمعته وأعجبت به ما قاله رجل مسنٌّ جاوز الثمانين عامًا؛ حيث وجدته فطنًا واعيًا لما يدور حوله، ولما أخبرته عن مشروع حزب لأول مرة تتقدم به جماعة الإخوان قال: "ما أحوجنا في هذه الدنيا- يقصد مصر- إلى أناس متطهرين متوضئين يخافون الله، يصلحون الدنيا بالدين!! هنيئًا لمصر بهم في تلك الأزمان، بعد أن ازداد الفقير فقرًا وازداد الغني غنى، واستشرى الفساد، وأصبح الضعيف لا مكان له في هذا البلد".. تلك عيِّنة من كلمات خرجت صافيةً من قلب لا يرجو إلا خيرًا لبلدنا مصر.
لقد سبق الإخوان بحزبهم هذا أممًا قامت على السياسة، لم يستطيعوا أن يوفقوا بين مواضيع شائكة في بلادهم، كالأجناس والأعراق، وإن ما قامت به جماعة الإخوان من طرح هذه المسودة للعالم أجمع- بعد أن استمدت ونهلت من مؤسسها ومرشدها الأول حسن البنا حيث قال: "ونريد الفرد المسلم والبيت المسلم والحكومة المسلمة والشعب المسلم"- هو ما ابتغاه الإمام البنا لبلادنا الحبيبة من خير وبركة.
أيها الإخوان.. لقد أحرزتم هدفًا؛ حيث أقررتم حق كل مواطن في إبداء رأيه في برنامج الحزب؛ فاصبروا أنتم على الحق وعلى الطرق القويم، أنتم نتاج رحِم ربانية مؤمنة، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
إن ما فعله الإخوان في عرض برنامجهم لهو شفافيةٌ يُحسَدون عليها، خيرٌ ممن وجد نفسه على شفا حزب لا يضر ولا ينفع، أضرَّ بمصر ورجالاتها ومستقبلها.
شكرًا لكم إخوان البنا، وهنيئًا لمصر بكم.. ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 216).