للعام الثاني على التوالي يتم فتح الملف النووي المصري المرة الأولى كانت في العام الماضي وعلى لسان السيد جمال مبارك نجل الرئيس وأمين لجنة السياسات بالحزب الوطني، وفي نفس التوقيت تقريبًا عشية انعقاد المؤتمر السنوي للحزب الوطني ويومها قيل كلام كثير.

 

وكانت هناك شكوك كبيرة حول جدية الإعلان؛ حيث إنه كان مفاجئًا بكل معاني الكلمة حتى إن وزير الكهرباء نفسه علم به عن طريق الصحافة ثم تلا الإعلان زفة كبيرة في الإعلام المسموع والمقروء والمرئي حتى أصبح الموضوع حديث العامة والخاصة في كلِّ مكان.

 

ولكن اللافت للنظر أن الرئيس مبارك اكتفى في تعليقه بالإعلان عن حقِّ مصر في بناء محطات نووية وفي الاستخدام السلمي للطاقة في جميع المجالات، ويومها انتظر الجميع أن يصدر قرارًا سياديًّا بالبدء في المشروع، ولكن شيئًا من هذا لم يحدث وخفت الحديث إعلاميًّا شيئًا فشيئًا.

 

وقال كثيرون من الخبثاء إن توجيهًا صدر بالتوقف عن إثارة الموضوع إعلاميًّا وصدرت تعليمات مشددة إلى مسئولي الطاقة النووية في مصر وعلمائها بالتوقف عن الحديث إلى وسائل الإعلام.

 

وهذا العام وفي نفس التوقيت تقريبًا قبل بدء المؤتمر السنوي للحزب الوطني، والذي يبدأ ومصر تموج بأحداث داخلية اقتصادية وسياسية واجتماعية رفعت من حدة الاحتقان الداخلي بحيث بدا وكأنَّ الحزب الوطني قد دخل في مواجهةٍ مفتوحةٍ مع كلِّ القوى الوطنية والشعبية، وبات واضحًا أن قيادات الحزب الوطني قد طلقت ثلاثًا أي جهودٍ حقيقيةٍ للإصلاح.

 

في ظل هذا المناخ المحتدم والصراع المفتوح بين الحزب الوطني وكافة قوى المجتمع الفاعلة، وفي مبادرةٍ إعلاميةٍ تم التجهيز لها جيدًا من خبراء الإعلام بالحزب الوطني والذين يشهد لهم بالحرفية العالية وأثناء الاحتفال بافتتاح المرحلة الثانية من توسعات محطة كهرباء شمال القاهرة أعلن الرئيس مبارك قرار بدء برنامج لبناء عددٍ من المحطات النووية لتوليد الكهرباء، وأكد الرئيس أنه سيتم البدء في الخطوات التنفيذية لإقامة أول محطةٍ نوويةٍ بخبراتٍ مصرية.

 

وأضاف الرئيس أنه سيصدر خلال أيامٍ قليلةٍ قرارًا جمهوريًّا بإعادة تشكيل المجلس الأعلى للاستخدامات السلمية للطاقة النووية، كما دعا الحكومة إلى التقدم بمشروع قانون ينظم العلاقة بين الجهات العاملة في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية حتى يتم تحديد التزامات ومسئوليات هذه الجهات وصلاحياتها، وأكد الرئيس أنه يعلن هذا القرار الإستراتيجي متحملاً مسئوليته كرئيسٍ للجمهورية.

 

والسؤال هل الإعلان مختلف هذه المرة عن السنة الماضية؟ الحق يُقال ودون الدخول في النوايا أن الإعلان تم إخراجه بحصافةٍ إعلاميةٍ عالية، فقد تمَّ في حضور الوزير النشيط المهذب وزير الكهرباء، وخلال افتتاح توسعٍ جديدٍ في محطة شمال القاهرة، كما أن الإعلان تمَّ من رئيس الجمهورية نفسه- أكبر سلطة في البلد- وكانت الكلمات حاسمةً والعبارات واضحة، بل إنه أعلن سلسلةً من الإجراءات التنفيذية للبدء الجدي في إحياء الملف النووي السلمي.

 

ويمكن التغاضي عن توقيت الإعلان باعتبار أنه الرئيس، وبحكم أنه رئيس الحزب الوطني الديمقراطي أعلن هذا القرار الإستراتيجي ومؤتمر الحزب الوطني السنوي على الأبواب، ولكن يمكن التغاضي عن الدوافع البراجماتية من هذا الإعلان فقط إذا تمَّت خطوات حقيقية بعد هذا الخطاب خصوصًا بعد المرارة التي خلقها الإعلان الذي تم في العام الماضي على لسان السيد جمال مبارك وما تلاه من تصريحاتٍ وتسريباتٍ جعلت الجميع يتهمون الحزب الوطني وقياداته بعدم المصداقية، ولكن الشهادة لله أن الرئيس مبارك وقتها اكتفى بتأكيد حق مصر في الاستخدام السلمي للطاقة ولم يعط أي وعودٍ، ولكن هذه المرة الأمر مختلف، فالإعلان تمَّ من رئيس الجمهورية نفسه وتم الإعلان عن خطواتٍ محددةٍ للتنفيذ.

 

ماذا نقول هذه المرة؟؟

أقول: لا داعي لبدء أي زفةٍ إعلاميةٍ، وهذه نصيحة أوجهها إلى خبراء الإعلام في الحزب الوطني.. تمهلوا حتى يترجم هذا الخطاب إلى خطواتٍ تنفيذية على الأرض، وبعدها ابدأوا الزفة، وفي النهاية أقول (أفلح إنْ صدق).