د. حامد أنور

لم أشعر بالارتياح مطلقًا لقرار الوزير رشيد بتحويل شركات الإسمنت إلى النائب العام، نعم.. فالحكومة عوَّدتنا على الكثير من الألاعيب خاصةً فيما يتعلق بالسياسة الدولية، دع عنك تصريحات رئيس رابطة تجار الإسمنت، والتي اتهم فيها رشيد بالمسئولية عن رفع الأسعار وإن كان قد تراجع عنها مؤخرًا.
ولكن السبب الرئيس لهذه الحيلة هي تخفيف أجواء الاحتقان والإحباط التي تسود الشارع المصري، خاصةً بعد تصاعد الإضرابات، وثانيًا- وهذا هو الأهم- تمرير صفقة بيع بنك القاهرة، والتقليل من مرارتها على الرأي العام.
إن حيل الحكومة المصرية لم تَعُد تنطلي على أحد، ولكن أكثر ما أثارني في الموضوع هو تصريحات شركات الإسمنت، والتي أبرزتها وكأنها ندٌّ للحكومة المصرية، وجهًا لوجه، وقدمًا بقدم، وقدمت ضدها شكاوى دولية، وقامت بتصعيد الأمر قضائيًّا على المستوى الأممي، كما قامت بتعطيش السوق بدعوى أدائها عمرات وصيانةً لخطوط إنتاجها.
لقد ضاعت هيبة الدولة أمام أخطبوط شركات الإسمنت، وتأثر شكلها بشدة أمام جموع المواطنين، وانتظرت أن يخرج علينا اللواء فؤاد علام على الفضائيات ليعطي تلك الشركات دروسًا في هيبة الدولة وسلطة الدولة ولكنه لم يفعل، ويبدو أن هيبة الدولة لا تظهر إلا على أبناء سيناء والعمال البسطاء والمواطنين الغلابة.
لقد وقفت الشركات أمام الحكومة موقف الندِّ للندِّ، وهذا من أخطر تداعيات الاقتصاد الحر، تراجع هيبة الدولة وقدرتها على التحكم في سياسات الشركات والمصانع، والتي هي مرتبطة بكيانات اقتصادية عملاقة، تتضاءل أمامها سلطات دول العالم الثالث، كما أنها لا تتورَّع عن سحق أو شراء كل من يهدد مصالحها.
إن تنافس الدول على جذب الاستثمار الأجنبي يدفعها إلى تقديم تنازلات كبيرة حتى ينجذب إليها رأس المال، وكلما زاد الاستثمار الأجنبي كلما قلت سلطة القرار السياسي للدولة، وعلى ذلك فلا أجد مبررًا لما يهلل له التليفزيون المصري والجرائد القومية، من تصاعد الترتيب المصري عالميًّا في جذب الاستثمار؛ لأنه يعني بكل بساطة الانبطاح لسلطة رأس المال الخارجي وتقديم الجديد من التنازلات.
إن أباطرة السوق العالمي لهم من الحيل والوسائل الخبيثة ما يجعل المرء يشعر بالفزع؛ لأننا نتعامل مع شياطين لا بشر، مع ذئاب لا بني الإنسان؛ ففي شهر مارس عام 2002م أعادت دول أوروبية صادرات مصر من المنسوجات؛ بحجة تشغيل أطفال في المصانع التي أنتجتها.
انظر إلى الرحمة المزعومة والشفقة المدَّعاة، أولئك الذين يمتصون دماءنا وثرواتنا وبترولنا يتحرَّق قلبهم حزنًا على الأطفال، أولئك الذين قتلوا مليون طفل عراقي أثناء الحصار ولم تهتز لهم شعرة، يشعرون بالأسى على أطفال مصانع الغزل والنسيج.
وها هي شركات الإسمنت أيضًا تلجأ لحيلة ذكية هي الأخرى؛ فقد رفعت أجور العاملين في شركات الإسمنت؛ ليصل أجر العامل فيها إلى 3 آلاف جنيه شهريًّا، وقد يصل في بعض الأحيان إلى 6 آلاف جنيه، مع زيادة عامل الخبرة ليكون هذا إغراءً لكل عمال مصر، وزيادةً لرغبة البعض في بيع شركاتهم.
إنه ترويجٌ للخصخصة بشكل خفي، حتى إن أحد العمَّال صرَّح لي أنه يتمنَّى بيع شركته والمدرجة حاليًّا في البيع إنهم يخدعون العمال الطيبين حتى يتم بيع كل المصانع والشركات والبنوك، وحينئذ يفرضون هم شروطهم وأجورهم.
أيها السادة.. إنه ليس الاقتصاد الحر، إنه الاقتصاد المرّ، وهل هناك أكثر مرارةً من أن تباع أراضيك وثرواتك أمام عينيك ولا تحرك ساكنًا..؟!!
إنه ليس الاقتصاد الحر، إنه الاقتصاد المر، وهل هناك أكثر مرارةً من أن يزداد الأغنياء غنًى والفقراء فقرًا..؟!!