ما زال الهجوم شديدًا، وغير مبرر على جماعة الإخوان المسلمين، وما زالت الحملة مستعرةً عليهم، وما زال السرُّ غامضًا في التعرف على المفتاح المحرك لكلِّ هذا الكمِّ الهائل من الكُتَّاب والصحفيين الذين يسددون سهام أقلامهم، ودانات كلماتهم، ووابل شتائمهم للإخوان المسلمين: أفرادًا وجماعةً، فكل ما يصدر عن الإخوان باطل- كما يرون- وكل عملٍ لهم قابل للنقد اللاذع، وكل حركة في الحياة العامة تواجه بالسهام السامة والهجوم الشرس وافتراض سوء النية وانحطاط القصد إذا تقدموا للأمةِ ببرنامجٍ سياسي ومشروع لحزبٍ يُعبِّر عن رؤيتهم السياسية، ويشاركون به في تحريك الركود في الحياة العامة، إذا فعلوا ذلك كانوا على خطأ، وأخذت الأقلام تنالهم والسهام تنهشهم، وإذا لم يتقدموا بأي شيء والتزموا الصمت ولاذوا بالسكات، وليس ذلك من دأب الإخوان، قالوا جميعًا وفي نفسٍ واحد، أين برنامجكم؟ وأين وثيقتكم في العمل السياسي العام، أين رؤيتكم في إصلاح الحياة السياسية، أين؟ وأين؟.

 

ولا شكَّ أن هذه الأمور أو التصرفات تجعل الحليم حيرانَ، وتعرقل خطوات الأمة جميعها نحو الإصلاح المنشود والحل المطلوب؛ لأن الجدالَ الموجود على الساحة، والصخب المثار في الميدان، من شأنه أن يُعطِّل قوى الأمة جميعها على الوصول إلى الحلول الناجعة لعلاج أمراضها والتخلص من كثيرٍ من سلبياتها وبقائها هكذا متخلفة عن ركب أمثالها من أمم العالم الثالث المتخلف، "فلا حصلنا ولا وصَّلنا"، كما يقول المثل العامي.

 

هل ما يظهر على ساحة العمل العام يُعبِّر على أننا أمة جادة، وأن زمامها بيدٍ تقودها إلى الخير والرشد والتقدم، أم أن الأمر على عكس ذلك تمامًا، وأن طاقات الأمة يتم هدرها فيما لا يفيد وبما يعود على الجميع بأسوأ العواقب وأفدح الخسائر المادية والمعنوية؟.

 

وغالبًا ما تسير الأمور هنا في غير المسار المأمول أن تسير فيه والخط الذي تخدمه والهدف الذي تصبو إليه قلوب الناس، فالناس في وقتٍ من الأوقات تتطلع إلى نسيم الحريات العامة وكسر الأغلال وتحطيم القيود، ثم هم يُفاجئون بعكس ذلك، مزيد من القيود، وزيادة في التضييق، وزوال كثير من هوامش الحريات العامة وكأنَّ العناد وضيق أفق ذوي الشأن، والحاقدين على كل شيء جميل، هو السائد وهو القدر المحتوم.

 

إن الفساد السياسي، وركود الحياة العامة والاستئثار بالسلطة، من شأنه أن ينعكس على حياة الأمة فيكسبها الوهن والضعف والهزال، وينعكس عليها بالسلبية والخمول والخمود، ويطوح بها بعيدًا عن مواطن الجد وعالم الشرف وأماكن الاعتزاز.

 

وهل تستمر هذه الحياة الكريمة طويلاً، ويبقى هذا التوهان كثيرًا، وهذا العجز عن اللحاق بالأمم الناهضة، هل يستمر هكذا إلى الأبد، أبدًا فسنة الله في حياة الناس، وهي التي لا تتبدل ولا تتغير، تقول عكس ذلك، فالكون في حركةٍ دائمةٍ، والحياة متجددة أبدًا، والليل يتبعه نهار والنهار يعقبه ليل، وسبحان مغير الأحوال، ومقلب الليل والنهار ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران: من الآية 140).

 

قلنا، إن عددًا كبيرًا، وجيشًا جرارًا من الكُتَّاب وما يسمون بالمفكرين يسنون أقلامهم ويحملون سهامهم، ليوجهوها وقت اللزوم إلى الإخوان المسلمين، فيما يسمونها بالمحظورة، وهم في كل الأحوال ومختلف الظروف جاهزون ورهن إشارة السيد المطاع وولي النعمة النظام الحاكم، يصولون ويجولون خدمةً لأهدافه وذودًا عن حِياضه، وترسيخًا لجذور الظلم والتخلف واستئثارًا بالسلطة والثروة، واستحواذًا للمنافع والمغانم، وليذهب الأغلبية العظمى للناس إلى الجحيم، وليعاني منهم مَن يعاني من شظف العيش، وضيق ذات اليد، وتدني في الخدمات، وتجاهل لأبسط مطالب الحياة.

 

لا يهم ذلك كله؛ لأن الصرف والإنفاق والدعاية الكاذبة، يعمي العين، ويأخذ بالعقول ويُغيِّب الوعي، ويحول العقول عن الصواب والجادة ويجعل الكذب والنفاق والدجل هو السائد وهو الغالب.

 

وإذا ذهبنا نحصى آثار هذا الجو الفاسد في واقع الحياة، لن نستطيع أن نجمعه ولو في يومٍ واحدٍ لكثرته ولعظم التزاحم على النفاق، وللمنافسة على بلوغ خطوة، أيُّ الأقلام أكثر طبلاً وزمرًا وأيها أطول باعًا في الهجوم على الإخوان، والنيل منها، وتشويهها، ومحاولة صرف الناس عنها.

 

***

ولكن حسبنا أن نشير إلى أمثلة لبعض الكتابات عن الجماعة، وكيف أنها لا تترك فرصةً إلا وتجرحها حتى ولو في سياقٍ موضوعٍ قد لا يحتاج بالضرورة الحديث عن الإخوان.

 

فهذا (محمود. م) يرمي الإخوان بالكذب في مقالة بجريدة (المصري اليوم) يوم الثلاثاء 16/10/2007م) تحت عنوان بذيء "كذب الإخوان ولو صدقوا"، وما أحسبه وهو يرمي الإخوان بهذه النقيصة إلا أنه يسقط ما في نفسه المريضة، وما يتصف هو به نفسه، يسقط ذلك على غيره، وهذا مرض نفسي أنصح الكاتب أن يعالج نفسه عند طبيب مختص، وهذه الصفة التي ذكرها هذا الكاتب نحن- الإخوان- نبرأ منها، ولا نقترفها والحمد لله، باعتبار أن الكذب صفة ذميمة لا يجب أن يتصف بها المسلم، وما بالك إذا كان ملتزمًا بدين، يحمل الدعوة إليه.

 

ويختلق الكاتب تهمًا وأمثلةً ليست حقيقيةً في الواقع وربما انعكاسًا لفهمٍ معوجٍ وتحليلٍ سقيم، فهو يقول إن بعض النواب الإخوان يخرجون عن طبيعتهم التي اشتهروا بها أثناء الانتخابات ليثيروا الشغب داخل قاعة مجلس الشعب، ويقف بعضهم على مقاعد المجلس ليحاولوا إفساد عملية التصويت على التعديلات الدستورية أو يتجرأ بعضهم على رئيس المجلس، وغير ذلك من الأمور، وهذا لا شك يتناقض مع ما يشير إليه رئيس المجلس من إعجابه بالأداء الراقي والأدوار المتميزة لنواب الإخوان وإثراء المناقشات وصولاً لتحقيق مصالح الناس.

 

المهم أن هذا الكاتب يرمي الإخوان بهذه النقيصة وهو يعلم يقينًا أنهم أبعد عن ذلك بكثير، بل إن دعوتهم ودينهم يحول بينهم وبين هذا العيب الشائن وهو الكذب "أيكون المؤمن كذابًا، قال صلى الله عليه وسلم: لا".

 

وما زال الكاتب المغوار يتحدث عن ميليشيات طلاب الأزهر، رغم أن القاصي والداني، قد بان له كذب هذا الادعاء بأن الإخوان يمولونها ويرعونها، وأنها كانت من تدبير الأمن، وأن التضخيم الإعلامي الذي صاحب هذا الموضوع كان مدبرًا بليل القصد منه النيل من قوة الجماعة وهيبتها بعدما حاز الإخوان على (88) مقعدًا في مجلس الشعب، وهيهات أن يصلوا إلى المطلوب، فكثير من هذه الهجمات والضربات إنما تصبُّ في النهاية في مصلحة الجماعة دعاية ومساندة، وتعاطفًا.

 

وهذا كاتب آخر، هو (نصر. ق) في جريدة "الأهرام" بتاريخ 18/10/2007م تحت عنوان "المرأة ليست عورة"، يهاجم الإخوان المسلمين رغم أن السياق لم يكن يستلزم بالضرورة أن يتهجم على جماعة الإخوان التي يصفها بالمحظورة، ولكنها الموضة، حتى أصبحت الجماعة مباحة العرض ليصل بالهجوم عليها كل مَن في قلبه مرض، وللمآرب والخطوات التي تتوق أنفسهم إليها، وما أحقرها من مآرب.

 

وبصرف النظر عن صحةِ هذا العنوان من الناحية الشرعية، فإن الإخوان المسلمين ليسوا حجر عثرة أمام المرأة في أن يكون لها دور في الحياة العامة في حدودِ ما تخوله لها طبيعتها وفطرتها وظروفها وأنوثتها، وهم قد أعلنوا في وثيقةٍ أجمعوا عليها منذ عام 1994م، أنهم لا يعارضون حق المرأة في العمل السياسي ترشيحًا وانتخابًا ولا يعارضون شغلها بعض الوظائف إلى الدرجات العالية، في مجالات تخصصهن، وما يناسب ظروفهن وفطرتهن، وإذا كان هناك من نقصٍ في عدد النساء اللاتي يشاركن في الترشيح والمشاركة في غمار الحياة النيابية، فإن مسئولية ذلك ترجع إلى الحزب الوطني، حزب السلطة والمنافع حيث يحاول الاستئثار بأغلبية المقاعد في كل الدوائر، ولا يشجع ترشيح النساء فيها خشية إفلات هذه المقاعد من يده، فتهتز أعداده وأغلبيته المزيفة.

 

والواقع العملي يُفيد أن الإخوان أكثر من غيرهم على الساحة ترشيحًا للمرأة في الانتخابات وتشجيعًا لها، لقناعتهم بدورها في مناقشات البرلمان، خاصةً ما يتعلق بالموضوعات المتصلة بالمرأة والأسرة والطفل، ونلفت النظر إلى تجربة ترشيح السيدة الفاضلة جيهان الحلفاوي في الإسكندرية عام 2000م، والدكتورة مكارم الديري في مدينة نصر عام 2005م، ولولا تعنت الحزب والأمن لتمَّ ترشيح بل ونجاح الكثيرات والكثيرات التي يوجدن في ساحات العمل العام من الأخوات الفضليات.

 

وأختم جولتي بكاتبٍ آخر له عمود دائم في "الأهرام" تحت عنوان "هم واحتكار الدين" بتاريخ 10/10/2007م، فيذهب إلى أنه لا يجب أن يتحمل أحد مسئولية العمل لنصرة الإسلام، والعمل على الدعوة لتطبيق شريعة الإسلام، التي ينص عليها دستور الأمة في مادته الثانية، ويعمل على تفهيمها للناس وإنزالها منزلة التطبيق لإصلاح حال الأمة، ولكن الكاتب يخلط في ذلك بين مَن يعملون في هذا المجال السياسي من غير عنفٍ ولا إرهاب مثل جماعة الإخوان المسلمين، وبين مَن ينهجون هذا النهج من الجماعات الأخرى، والتي نحسب أنها تركت العنف بعد المراجعات الفكرية الأخيرة وعمومًا فإن هذا الخلط فيه نوع من التعمد والتلبيس حتى يختلط الحابل بالنابل، ولا يفرق الناس بين الألوان والأطياف في مجالات العمل السياسي، وهذا لا شك فيه مكر شديد.

 

***

وحتى لا يطول بنا السير وراء مَن يتصيدون في الماء العكر، ويلتمسون العيب في البرءاء، أراني أكتفي بهذا القدر من الأمثلة والنماذج التي تحاول الوصول إلى مآرب تافهة وأغراض رخيصة فينافقون السلطة ويداهنون الأمن في الهجوم على الإخوان، ظنًّا منهم أن ذلك يضرب الجماعة، وبصرف الناس عنها أو يؤثر في الصف الداخلي لها، ونسوا أن الجماعة أقوى من ذلك بكثير، وأن الرباط الرباني الذي يجمع بين قلوب أبنائها، تتحطم عليه- بفضل الله- كل معاول الهدم التي بأيديهم.. ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (الزمر: من الآية 61)، والله يقول الحق ويهدي مَن يشاء إلى صراطٍ مستقيم.