في ندوة حضرها عدد غير قليل من شباب الإخوان، معظمهم من طلاب الجامعة، فرض حديث الساعة نفسه حول القضايا المحلية والإقليمية والدولية، وبالطبع كانت لقضاياهم ومشكلاتهم وطموحاتهم الحظّ الأوفر من النقاش، وبخاصة ما يتصل بالجامعة، بدايةً من كمائن الأمن الموجودة على أبوبها، والتي تشبه لحدٍّ كبير الإجراءات الأمنية على المعابر والحدود الدولية، مرورًا بالحصار والتضييق عليهم والإفساح لغيرهم من التيارات الأخرى، خاصةً ما يسمى بـ"عصافير الأمن"!
فالتجاوزات التي لا حصر لها، من تزوير انتخابات الاتحادات الطلابية بكافة الوسائل، والسماح لفرق البلطجة (الذراع الأمنية الجديدة في الجامعات المصرية) بالوجود العلني تحت حماية أمنية، ثم المناخ غير الآمن، والذي حوَّل بعض الأساتذة إلي جنرالات (طبيعة المرحلة)، وأصبحت مجالس التأديب والفصل- بل والتهديد والتحريض- هي الأدوات التربوية السائدة! والبعض الآخر يؤثر السلامة، فتخلَّى عن رسالته التربوية! وغير ذلك من القضايا والمشكلات التي يتصل بعضها بالمستقبل الغامض، بل والبائس للخريجين منهم.
![]() |
|
محمد السروجي |
ودار النقاش- والذي غلبت عليه حماسة واندفاع وطموح الشباب- وكانت الأسئلة كالمطر، وأحسست أنني أمام سيل هادر، بل شلالات من الآراء الفكرية والمشاعر الوطنية والقيم الإيمانية، التي تعتز بها كل أمة، ويفخر بها كل وطن يمتلك هذه الثروة البشرية، ومن هذه الأسئلة:
* هل هناك حقًّا أملٌ في التغيير السلمي في ظل استبداد وفساد النظام القائم؟!
* لماذا رد فعل الإخوان عقلاني أكثر من اللازم مع نظام لا عقل ولا قلب له؟!
* إلى متى ستحكمنا الثوابت والأصول مع نظام لا يعتبر حتى الحقوق؟!
* إذا كانت بيوتنا وأموالنا وحريتنا لا حرمة لها فماذا نفعل؟!
* إلى متى نسكت عن حالة الخطف العلني (مع سبق الإصرار والترصد) لمستقبل وثروات مصر؟!
* إذا كانت المؤسسات مهمَّشة والقانون غير سائد، فلماذا لا ندوِّل قضايانا وهي مشروعة وعادلة؟!
* لماذا لا ندعو الجماهير للعصيان المدني، وهو نمط سلمي معمول به في كثير من البلدان الديمقراطية؟!
وغير ذلك من الأسئلة التي تعبِّر عن هموم وطموح جيل من الشباب الوطني المتديِّن والمتحمِّس في ظل واقع مأزوم ومستقبل مجهول!!
حاولتُ جاهدًا استجماع إمكاناتي الذهنية والبدنية للردِّ والتوضيح والضبط والتهذيب لشلاَّلات الحماسة والعاطفة الملتهبة والمحبوسة في إناء الوطن المغلق حرصًا على التوجيه؛ لتكون قوةً دافعةً منتجةً وليست غير ذلك، فأجمعت ردي ورؤيتي لاستدعاء جملة من الثوابت والضوابط والقيم، تربَّينا عليها من أساتذة كرام وقيادات راشدة، منها:
* البناء الذاتي للأفراد بالنضج الفكري والاستواء النفسي والتميز السلوكي.
* النهج السلمي في الإصلاح والتغيير.
* تجنب الفوضى، بل والتصدي لها؛ حفاظًا على استقرار الأمة وسيادتها وثرواتها.
* وحدة الوطن، وتمتين العمل الجبهوي مع كافة ألوان الطيف السياسي.
* مهمة الإصلاح لا يقوَى عليها فصيلٌ منفردٌ، مهما كانت إمكاناته المادية والبشرية والتنظيمية.
* الصبر الإيجابي والثبات على المبدأ والإصرار على دفع عجلة الإصلاح.
ثم قرأتُ عليهم بعض كلمات المرشد المربِّي الأستاذ مصطفى مشهور- رحمه الله- حين تحدث عن ملامح منهج التربية والتغيير؛ فقال: "متدرِّج لا فوري، عميق لا سطحي، شامل لا جزئي، عالمي لا قطري، نقود الأمة إليه ولا ننوب عنها فيه".
انتهى كلامي وشاهدت علامات القناعة والرضا في عيون البعض، وعدم القناعة لدى البعض الآخر، لكننا تعاهدنا على التزام نهج الجماعة السلمي والمتدرِّج حتى وإن غابت القناعات.
ثم حدثت نفسي: ماذا يريد النظام من شباب وطلاب الإخوان؟! هل يريد الإزاحة والإقصاء وإخلاء الساحة للوريث القادم؟! أم يريد إعادة الجماعة للمربع رقم واحد؟! هل يريد كبح مشاعر الانتعاش التي عاشتها الجماعة، خاصةً الشباب بعد انتخابات 2005م لتسود مشاعر اليأس والإحباط في ظل وضع معيشي مأزوم؟ هل يريد التغطية على منظومة الفساد والاستبداد القائم والإخفاقات المتلاحقة لمنظومة الحكم بجناحَيها الحزبي والحكومي؟! أم يريد أن يكفر الناس بالحل والتغيير السلمي؟! هل يدري النظام ماذا يرد؟!!
--------
* مدير مركز الفجر للدراسات والتنمية- M_srogy@yahoo.com
