ما تزال صواريخ المقاومة الفلسطينية تُشكِّل هاجسًا للكيان الصهيوني، الذي يبدو في حالة عجزٍ عن مواجهتها، لاسيما مع كل نجاح تحققه، سواء في توجيهها ضربات موجعة لجنوده، أو لسكان مستعمراته، أو عند تمكنها من بلوغ مديات أبعد من التي وصلتها من قبل، أو عند حصولها على أنواع متطورة منها، أو تطوير قدرات ما يصنع منها محليًّا.

 

وفي أقل من شهر واحد؛ فوجئ جيش الاحتلال بعمليتين أثارتا مزيدًا من قلق أجهزته تجاه هذا السلاح؛ الأولى منهما هي عملية إطلاق الصواريخ في العاشر من سبتمبر على معسكر "زيكيم" لجيش الاحتلال في عسقلان، والتي أدَّت إلى جُرح سبعين ضابطًا وجنديًّا، أحدهم في حالة موت سريري، وهو ما أدَّى إلى اتخاذ قرارٍ من قِبل حكومة الاحتلال باعتبار قطاع غزة "كيانًا معاديًا".

 

والعملية الأخرى تتمثل في إطلاق صواريخ "كاتيوشا" من نوع "جراد" على منطقة النقب الغربي ومغتصبة "نتيفوت"، في السابع من أكتوبر الجاري، والتي عدَّتها مصادر صهيونية نقلةً نوعيةً في أداء المقاومة؛ لأن نتائج الفحص الفني للصواريخ المستخدمة فيها أظهرت أنَّ مدى الصاروخ يبلغ عشرين كيلومترًا (الحد الأقصى للمدى السابق 15 كيلو مترًا)، وأنه يحمل أكثر من كيلوجرام واحد من المواد المتفجرة الخطرة.

 

 الصورة غير متاحة

 صواريخ المقاومة تهدد أمن الصهاينة

وتشير هذه المصادر إلى أنَّ "نتيفوت" إياها كانت خارج نطاق نيران المقاومة قبل هذه العملية، وهو ما حرَّك جدلاً قديمًا في الأوساط السياسية والأمنية للكيان الصهيوني، بوجوب تعجيل الاجتياح الشامل لقطاع غزة، رغم الصعوبات التي تكتنفه.

 

في هذا السياق تمامًا؛ تم ربط التخوفات الصهيونية من السلاح الصاروخي للمقاومة، بأبعاد ثلاثة:

 

- نجاح المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة في الحصول على عددٍ من تلك الصواريخ، أو أنَّ الصواريخ الجديدة التي استخدمت تم تطويرها في قطاع غزة.

 

- تمكُّن حركة "حماس" خلال الأسبوع الذي سبق عملية قصف مغتصبة "نتيفوت" من القيام بتجريب صواريخ جديدة من تصنيع جهازها العسكري ذات مدى أطول، وأطلقتها نحو مغتصبة "يد مردخاي" المقامة إلى الشمال من قطاع غزة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948م.

 

- الرسالة المستقاة من العملية الأخيرة؛ هي أنَّ أحد أذرع المقاومة كشف عمليًّا عن ما هو متوارٍ في قطاع غزة لقابلات الأيام، بمعنى أنَّ القدرات الفعلية لأذرع المقاومة الفلسطينية تتجاوز بمرحلة أو مراحل ما تستخدمه من أدواتٍ في الوقت الراهن، وأنَّ ذراعًا من أذرع المقاومة ربما يكون قد تسرَّع في الكشف عن المخبوء من المفاجآت التي يصعب تقديرها أحيانًا، وسط تقديرات إلى أنَّ كتائب القسام بالذات تحوز النصيب الأوفر من تلك المفاجآت.

 

ويبدو أنَّ الموقف الصهيوني الرسمي، الذي يدرك تمامًا أنَّ الاجتياح الواسع لقطاع غزة لن يكون نزهةً بالنسبة له؛ نظرًا للخسائر البشرية الفادحة التي قد يمنى بها، فضلاً عن أنه لن يستطيع استئصال المقاومة أو الإجهاز على سلاحها الصاروخي؛ فإنه مقابل ضغوط المعارضين له، والذين يطالبونه بسرعة التدخل لمواجهة خطر الصواريخ والقذائف؛ يكتفي بإطلاق تصريحاتٍ عامةٍ لامتصاص انزعاج البؤر المستهدفة بالقصف والمناوئين لموقفه.

 

فمقابل دعوات وزير الخارجية الصهيوني الأسبق وعضو قيادة حزب "ليكود"، سيلفان شالوم، الذي طالب فيها رئيس حكومة الاحتلال إيهود أولمرت بما أسماه "التوقف عن تملُّصها (حكومته) من الرد، فهي لا تستطيع الهروب دومًا من ذلك، وعليها أن تُعطي قرار الدخول إلى غزة وعدم استباحة الأمن الصهيوني، فحياة الناس ليست لعبة".

 

وأيضًا إزاء ما صدر عن روني مهتساري، رئيس بلدية عسقلان الاحتلالية، والذي حثَّ حكومته على الشروع باجتياح قطاع غزة بالقول: "يجب أن يسقط صاروخ في تل أبيب، إذْ عندها فقط ستفعل حكومة "إسرائيل" ما هو متوقع منها، لتعمل بشكلٍ مكثفٍ ضد منظمات الإرهاب (أذرع المقاومة) في غزة" على حدِّ تعبيره.

 

مقابل هذا وذاك جاءت تصريحات أولمرت لتكتفي بالقول، إنّ حكومته ستردّ لوضع حدٍّ لإطلاق الصواريخ الفلسطينية، ما يوحي- بحسب استنتاجات تقارير بعض وكالات الأنباء- باحتمال شنِّ عملية عسكرية في القطاع، موضحًا في اجتماعٍ لكتلة حزبه "كاديما" اضطراره لاتخاذ "إجراءات على المستوى الأمني".

 

 

أولمرت

وحدَّد أولمرت المأزوم، أنَّ ذلك سيتم بعد تقديم وزير حربه الجديد إيهود باراك خططه لوقف إطلاق الصواريخ في الجنوب، دون معرفة طبيعة الإجراءات الأمنية التي سيتخذها، أو موعد تقديم خطط باراك، وجاء ذلك رغم أنَّ أولمرت قال في وقتٍ سابقٍ من الشهر الجاري إنَّ موعد القيام بعمليةٍ عسكريةٍ واسعةِ النطاق في قطاع غزة بهدف وقف إطلاق الصواريخ، يقترب.

 

ورغم الجدية التي أبدتها المقاومة إزاء تلك التهديدات وعمليات الاستعداد الميدانية التي جرت تأهبًا لأي توغلات؛ فإنَّ المقاومة أبدت كذلك استخفافًا بالتهديدات الصهيونية بشأن اجتياح غزة، والتي لا تهدف إلا للتغطية على العجز إزاء معضلة الصواريخ، من وجهة نظرها.

 

وقال "أبو عبيدة"، الناطق الإعلامي باسم "كتائب الشهيد عز الدين القسام"، الذراع العسكري لحركة "حماس"، إنَّ مطالبات قادة الاحتلال بالاجتياح ما هي إلا عبارة عن "إسطوانة يتم إخراجها عندما يشعر الاحتلال بالأزمة"، ويتم استخدامها- كما يقول- "للتغطية على العجز الصهيوني أمام المقاومة الفلسطينية التي أرهقت العدو بقذائفها وصواريخها، فأصبحت تُشكِّل حلقةً مستعصيةً قويةً يحسب لها الاحتلال ألف حساب، ولا يجرؤ على التفكير بتنفيذ اجتياح واسع، فيلجأ إلى التهديد والوعيد".

 

وكان واضحًا أنَّ أذرع المقاومة أخذت التهديدات في الوقت ذاته على محمل الجد تحسُّبًا لأي تطوّر، وهو ما تجلَّى في المناورات الميدانية التي أجرتها "كتائب القسام" قبل أسابيع.

 

أما على المستوى العسكري؛ فقد اكتفى وزير الحرب الصهيوني إيهود باراك بالقول إنَّ الكيان سيكون قادرًا خلال بضع سنوات على الدفاع عن نفسه ضد ما يقرب من تسعين في المائة من الصواريخ التي تطلق عليه، وربط ذلك بانتهاء مشروع تطوير نظام الدفاع المضاد للصواريخ الذي تتبناه حكومة الاحتلال، لكنَّ رئيس هيئة الأركان المشتركة غابي أشكنازي، الذي مثل هو وباراك أمام لجنة المراقبة الحكومية لمناقشة تقرير لجنة مراقبة النفقات الحكومية المتعلقة بما يُسمَّى "الجبهة الداخلية"، أي نشاطات جيش الاحتلال في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1948م؛ حذَّر من أنَّ تهديد صواريخ المقاومة للداخل الصهيوني لن يتقلص في المستقبل القريب.

 

 الصورة غير متاحة

مصنع صهيوني ضربته صواريخ القسام

وقد جاءت تحذيرات أشكنازي متزامنةً مع تحذيرات مماثلة أطلقها مسئولون في الصناعات الحربية الصهيونية، من تعثر مشروع "الدفاع الصاروخي" أو تأخر تنفيذه، وهم الذين أشاروا إلى أنَّ خطة تمويل منتظم قد يترك الأهداف الصهيونية مكشوفةً أمام تهديدات الصواريخ الفلسطينية.

 

وحذَّر المسئولون من أنَّ التمويل غير الكافي وقصير النظر قد يجعل المتعاقدين غير قادرين على الالتزام بموعد العشرين شهرًا الذي حدَّدته حكومة الاحتلال لنشر الأنظمة المضادة للصواريخ الباليستية قرب المراكز السكانية للمغتصبين الصهاينة.

 

ووفقًا لمصدرٍ في الصناعات الأمنية الصهيونية، أشارت إليه وسائل إعلام عبرية؛ فإنه من الممكن القول بأنَّ هذا المشروع يجري ببطء شديد، خلافًا لقرارات حكومة الاحتلال وأجهزتها الأمنية بشأن توفير "دفاع فعَّال" عن المناطق المستهدفة بالصواريخ في جنوبي فلسطين المحتلة وشمالها.

 

وعلاوةً على ذلك؛ فإنَّ خبراء ومحللين عسكريين في الكيان الصهيوني يرون أنَّ رهان وزير الحرب إيهود باراك على التقنية المضادة للصواريخ؛ يجسد النظرية الخاطئة السائدة التي تركز على الحلول التقنية بديلاً عن العمق الإستراتيجي، وأشار هؤلاء الخبراء والمحللون لصحيفة "هآرتس" العبرية، إلى أنَّ الصواريخ المضادة للصواريخ مثل الصاروخ الصهيوني "حيتس" (السهم) المطوّر بمساعدات أمريكية، تنجح لأنها تستهدف صواريخ هجومية تُطلق من على بعد آلاف الكيلومترات، ما يتيح وقتًا كافيًا لكشفها واعتراضها، لكنَّ الصواريخ قصيرة المدى مثل "الكاتيوشا" أو "القسام" إذا أُطلقت رشقات منها دفعة واحدة؛ فإنها تكون قادرة على اختراق الستار الدفاعي الأكثر تطورًا.

 

بات واضحًا أنَّ العجز الحاصل لدى المؤسسة الأمنية والسياسية الصهيونية عن مواجهة صواريخ المقاومة، والحد من تأثيرها الفعَّال؛ قد فاقم من حالة القلق من هذا السلاح، والتي انعكست من خلال جملة مظاهر يمكن رصدها على النحو التالي:

 

 الصورة غير متاحة

كتائب القسام ترد بصواريخها على الجرائم الصهيونية

- المخاوف البالغة من احتمال نجاح المقاومة الفلسطينية في تصنيع وإطلاق الصواريخ من الضفة الغربية المحتلة باتجاه عمق فلسطين المحتلة سنة 1948م، والتحذير من "تغيير إستراتيجي" في موازين القوى يستوجب "ردودًا ساحقة".

 

وخيّمت هذه المخاوف على وسائل الإعلام العبرية أيضًا، فقد حذَّر روني دانئيل، المعلق العسكري للقناة التلفزيونية الصهيونية الثانية، من أنَّ وصول الصواريخ للضفة يُمثِّل تطورًا بالغ الخطورة وأكثر حساسيةً من وجودها في قطاع غزة.

 

وعزا دانئيل هذه الخطورة إلى وجود عشرات المغتصبات الصهيونية في أرجاء الضفة، بجانب أنَّ الكثير من مدن الضفة متاخمة لعددٍ من المدن والتجمعات السكانية التي يغتصبها الصهاينة داخل فلسطين المحتلة سنة 1948م؛ الأمر الذي يعني أنَّ إطلاق الصواريخ من الضفة سيوقع أعدادًا كبيرةً من القتلى.

 

- قرار مجلس الوزراء الصهيوني المصغر بتأييد تحصين الطائرات المدنية العاملة ضمن أسطول الشركات الصهيونة ضد الصواريخ التي تُطلق من الأرض.

 

الصورة غير متاحة

صواريخ المقاومة ترهب الكيان الصهيوني

فقد ذكرت الإذاعة العبرية أنّ تلك الطائرات المدنية ستُزوّد خلال عامين بمنظومات خاصة جرى تطويرها في الكيان الصهيوني تحميها من الصواريخ الأرضية، على أن تتحمّل حكومة الاحتلال نصف التكاليف وتتكفل شركات الطيران المعنية بنصفها الآخر.

 

وقالت الإذاعة إنّ المعلومات التي عُرضت أمام المجلس الحكومي المصغر تشير إلى امتلاك أذرع المقاومة الفلسطينية في الوقت الحالي قدرات صاروخية تمكنها من استهداف الطائرات المدنية للكيان الصهيوني، على حد تعبير الإذاعة.

 

- تخّوفات من مما يسمى الارتفاع الكبير الذي سُجِّل في الأسابيع الأخيرة في حصول المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة على المواد المتفجرة والوسائل القتالية بما فيها الصواريخ، ولكنها بالمقابل تخوّفات غالبًا ما تكون مدفوعة بإرادة تحريضية ودعائية للضغط على الجانب المصري، ولا تعكس حالة موضوعية.

 

- التأثير على معنويات عناصر جيش الاحتلال، وفي هذا الصدد نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، أنَّ عشرين مجندة في جيش الاحتلال رفضن التوجه إلى معسكر "زكيم"؛ خوفًا من الصاروخ الذي أطلقته "سرايا القدس" الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي و"ألوية الناصر صلاح الدين" الذراع العسكري للجان المقاومة الشعبية، مؤخرًا على المعسكر.