![]() |
|
غسان مصطفى الشامي |
التحدي الأكبر الماثل أمام الولايات المتحدة الأمريكية هو إنجاح مشروعها الجديد "مؤتمر الخريف"، والذي تعقد عليه الإدارة الأمريكية- قبيل رحيلها- آمالاً كبيرةً في تحقيق أهدافها وإستراتيجياتها في التعامل مع المتغيرات الجديدة التي طرأت على القضية الفلسطينية والأوضاع المختلفة في العالم العربي، فآمال واشنطن معقودة على الحكومات العربية- الضعيفة- في مدى مشاركتها في هذا المؤتمر المحكوم على فشله مسبقًا.
إن مؤتمر الخريف القادم يُمثل مشروعًا من المشاريع الأمريكية التي تُطلق بين الفينة والأخرى، ووهمًا كبيرًا، وإستراتيجية جديدة تهدف إلى خلق واقعٍ جديدٍ في المنطقة يتساوق مع المصالح الأمريكية، فها هي أمريكا تحاول الترويج بشدةٍ لهذا المؤتمر من خلال الجولات المتواصلة في الشرق الأوسط، بهدف حث الحكومات العربية على المشاركة والحضور المكثف في هذا المؤتمر.
إن كافة الدلائل والمؤشرات تؤكد أن مؤتمر الخريف لا يَعدو أن يكون كغيره من المؤتمرات السابقة التي انعقدت ولم يتمخض عنها سوى السراب، خاصةً فيما يتعلق بالحقوق الفلسطينية المسلوبة، بل كانت المؤتمرات وبالاً كبيرًا على هذه الحقوق، حيث تفاقمت مأساة الشعب الفلسطيني ونكبته، وانتُهكت المزيد من حقوقه، مقابل المزيد من التمكين للمشروع الصهيوني السرطاني واستفحاله في المنطقة، فمنذ عام 1948م، عام النكبة على الشعب الفلسطيني وحتى اليوم، طُرحت مبادرات كثيرة، وانعقدت مؤتمرات، وصدرت قرارات دولية، من أهمها: مبادرتان متتاليتان لوسيط السلام الدولي "الكونت فولك برنادوت"؛ دعت الأولى لإنشاء كيانين متحدين عربي ويهودي، ودعت الثانية لإنشاء كيانين "الدولتين" منفصلين، لكن العصابات الصهيونية اغتالته بعد يومٍ من طرح مبادرته الثانية في يونيو عام 1948م، لتموت المبادرة، ثم تلاها مبادرة وزير الخارجية الأمريكي وليم روجرز أواخر عام 1969م، ثم مبادرة الرئيس الأمريكي ريجان في 1/9/1982م، ثم مؤتمر مدريد "للسلام" في أواخر أكتوبر عام 1991م، الذي تلاه اتفاق "أوسلو" عام 1993م بين السلطة الفلسطينية والكيان الصهيوني ثم قمة كامب ديفيد عام 2000م، وقمة طابا 2001م، و"خارطة الطريق" في أبريل 2003م، وقمة شرم الشيخ 2005م، ناهيك عن اللقاءات والاجتماعات، واتفاقيات ما يُسمَّى بالسلام الثنائية بين كلٍّ من: مصر، الأردن، والسلطة الفلسطينية من جانب، والكيان الصهيوني من جانبٍ آخر، وهي لم تسترد أرضًا مسلوبةً، ولم ترد حقوقًا ضائعةً، ولم تُعد لاجئًا واحدًا من الشتات، بل ولم تحقق أي أمن أو استقرار للبقية من الشعب الفلسطيني الذي تشبث بأرضه ودياره.
إن مؤتمر الخريف يُمثل وهمًا أمريكيًّا جديدًا لشعوب المنطقة، بل يأتي للتغطية على فشل السياسات الأمريكية في العالم، فها هي تواجه اليوم كابوسًا مظلمًا في العراق وتواجه أزمات كبيرة في مختلف مناطق العالم ومع كثيرٍ من الأنظمة والجماعات.. فلن يَخرج هذا المؤتمر بنتائج تحقق الأحلام الفلسطينية في الاستقلال وبناء الدولة، فالنتائج المرتقبة نتائج مخيبة ولم تحقق للعرب أي إنجازٍ يُذكر، فالترحيب العربي بالمؤتمر طبيعي، فحكوماتنا العربية لا تستطيع أن تُعلن مقاطعتها للمؤتمر، فهي لا تملك الحكم في أمرها، وتقدم فروض الولاء والطاعة لأمريكا.. فكيف تقول: لا؟؟، أيضًا لن يُقدم هذا المؤتمر الحلول السحرية للأوضاع في العالم العربي، فهو يَأتي وفقًا للتصورات الأمريكية عن الأزمات التي تحياها المنطقة العربية؛ الأمر الذي يُؤكد فشل هذا المؤتمر كغيره من المؤتمرات السابقة وفشل كافة التصورات والرؤى الأمريكية.
كما أن العدو "الإسرائيلي" يدرك مليًا فشل هذا المؤتمر، وأنه لن يخرج بنتائج مهمة، فقد أعلن أن الوثيقة المشتركة التي سيقدمها الجانبان الفلسطيني و"الإسرائيلي" للمؤتمر، لن تحقق شيئًا جديدًا، فهي لن تبحث في القضايا الجوهرية للصراع (القدس واللاجئين والحدود)، كما أنها لن تُقدم خطوطًا مفصلةً وواضحةً في شأن قضايا الوضع النهائي؛ لذلك فوهم الخريف لن يجر على المنطقة إلا المزيد من النكبات والمهازل.
وها هو الكيان الصهيوني يواصل جرائمه اليومية بحقِّ الشعب الفلسطيني، ويُواصل سياساته في الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وسرقتها وإقامة الحواجز وبناء المستوطنات وأسر المزيد من أبناء الشعب الفلسطيني، فقد استولى على أكثر من ألف دونم من أراضي القدس وضمها إليه؛ الأمر الذي يؤكد أن هذا المؤتمر لن يخدم سوى الأهداف والمصالح الأمريكية ولن يحقق أية نتائج على طريق تحقيق الحلم الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
إن مؤتمر الخريف يُمثل فرصةً ذهبيةً أمريكيةً لتحقيق أهداف لم تستطع تحقيقها سابقًا في حمل الفلسطينيين على تَقديم تَنازلاتٍ بشأن القضية الفلسطينية وتَضييق الخِناق على حركة حماس وحصارها ومنعها من المشاركة في الانتخابات القادمة، كما يمثل فرصةً في الانقضاض على مشروع المقاومة والجهاد في فلسطين، فيما يُمثل فرصةً أمريكيةً في دعم مشاريع التطبيع؛ الأمر الذي قد يُؤدي إلى تشرذم أكثر بين الفلسطينيين والعرب.
إن مؤتمر الخريف المرتقب لن يحقق للفلسطينيين والعرب مطالبهم ولن يكون سوى مهزلةٍ جديدةٍ ووهمٍ أمريكي مخادع، ولن يجر سوى العار والإحباط الكبير بين الشعوب العربية.
------------
