قبل يومٍ واحدٍ من عرض مذكرة الحكومة على البرلمان التركي ومطالبته بالسماح للحكومة باتخاذ قرارات تتعلق بالتدخل العسكري وإرسال قوات تركية خارج الحدود، أجرى طارق الهاشمي- نائب الرئيس العراقي- مباحثات عاجلة مع الطرف التركي بهدف البحث عن حلٍّ سلمي لمشكلة وجود منظمة حزب العمال الكردية الانفصالية PKK بمنطقة شمال العراق.

 

فقد وصل صباح أمس الثلاثاء 16/10/2007م طارق الهاشمي- نائب الرئيس العراقي- بشكلٍ مفاجئ إلى تركيا؛ لمناقشة سبل الحل السلمي لمشكلة وجود منظمة حزب العمال الكردية الانفصالية وقيامها باستخدام أراضي العراق للتخطيط والهجوم على قوات الجيش والأمن التركيين داخل المحافظات التركية، وهي المشكلة التي تُثير كثيرًا من المواجع للحكومة التركية والجيش، وتحرجهما أمام الشعب والتيار القومي التركي بالذات الذي يتهم الحكومة بالتراخي في التعامل مع أزمة المنظمة.

 

غير أن تصريحات الساسة الأتراك بشأن التدخل العسكري في الشمال العراقي تبدو متأرجِحَةً بين التقدم والتأخر خطوة؛ حيث شدد جميل شيشك- نائب رئيس الحكومة والمتحدث الرسمي لمجلس الوزراء، الإثنين الماضي- على أن هناك عوامل من الجيرة والتاريخ المشترك مع العراق وحرص بلاده على عدم التجاوز أو الاعتداء على دول الجوار أو غيرها من منطلق الصلح والسلام المتأصِّلَين في ثقافتها، وتأكيده أن التدخل في شمال العراق لأجل القضاء على المنظمة الكردية الانفصالية الإرهابية فقط.

 

وأكد حزب المجتمع الديمقراطي (DTP كردي معارض برلماني) عدم تصويته لصالح المذكرة أمام المجلس، وقال دولت باغجلي- رئيس حزب الحركة الوطنية (MHP المعارض البرلماني قومي)، أمام المجموعة البرلمانية للحزب-: "نحن من زمنٍ نطالب بهذه العمليات العسكرية، ونريد أن لا تكون المسألة العسكرية المطلوبة مجرَّد المنظمة الإرهابية، ولكن أيضًا مسعود البرزاني وقوات البشمرجة الكردية المسلحة بالشمال العراقي".

 

 الصورة غير متاحة

طارق الهاشمي

زيارة الهاشمي لتركيا التي تُعَدُّ الثانية- حيث كانت الزيارة الأولى في 23/8/2007 في أقل من شهرين- تُظهر مدى القلق العراقي على قرار تركيا بالتدخل العسكري في شماله، ويحاول الهاشمي على ما يبدو إقناع الساسة الأتراك بخطورة هذا المنحنى، خصوصًا مع الاعتراضات الكردية العراقية على مثل هذا التدخل وحديث منطقة شمال العراق ذات الحكم الذاتي بأنها ستقاوم هذا التدخل المسلح بالسلاح.

 

يُشار إلى أن منطقة الحكم الذاتي الكردية بشمال العراق والمتحالفة مع القوات الغربية منذ عام 1991م لإسقاط حكومة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، واستمرارها في دعم الوجود العسكري الغربي على أراضي العراق منذ عام 2003م، رفضت في مطلع هذا الشهر إرسالَ وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري (كردي) إلى تركيا للتوقيع على اتفاقية أمنية تقضي باتخاذ حكومة بغداد تدابير وإجراءات عملية بالتعاون مع الحكومة التركية؛ لمنع تحركات وإيواء وتسليم عناصر منظمة حزب العمال الكردية المطالبة بفصل مناطق شرق تركيا، والتي تتخذ من طريق السلاح مدخلاً لتحقيق أغراضها بتركيا.

 

وقام جواد البوراني- وزير الداخلية العراقي- بالتوقيع على الاتفاقية مع وزير الداخلية التركي بشير أطالاي في أنقرة مؤخرًا وبدون وضع مادة بالاتفاقية تسمح للجيش التركي باجتياز حدود العراق لتعقب عناصر المنظمة الكردية.

 

هذا وفي الوقت الذي ينتظر أن تعرض المذكرة الحكومية على المجلس النيابي التركي اليوم الأربعاء 17 من أكتوبر الحالي للمناقشة والتصويت عليها بـ"نعم" لصالح استخدام الحكومة الجيش التركي لمدة سنة، قال المتحدث الحكومي إن الاستخدام سيكون لأكثر من مرةٍ في خلال السنة في القيام بعملياتٍ عسكرية وإرسال قوات خارج الحدود التركية.. فإن أكراد تركيا رفضوا المذكرة الحكومية، وأكدوا عدم تصويتهم عليها بالمجلس؛ لأن التدخل العسكري لن يأتي بحلٍّ نهائي، خصوصًا أنه سبق للجيش التركي اقتحام حدود العراق عدة مرات لنفس الحجة، ولم يقضِ على المنظمة، ويقول أحمد ترك- رئيس الحزب-: إن الحل الصحيح هو الحل السياسي والسلمي الدائم للأزمة الكردية بتركيا، ودعا الحكومة للعمل لإعداد مشروعٍ لحلٍّ دائمٍ سيكون حزبه متعاونًا معها فيه.

 

 الصورة غير متاحة

رجب طيب أردوغان

موقف رفض دعم حزب المجتمع الديمقراطي مذكرة القيام بعمليات عسكرية داخل حدود العراق الكردي أثار حفيظة حزب الحركة الوطنية MHP (قومي تركي متشدد) المعارض البرلماني والمؤيِّد لدخول القوات التركية للشمال العراقي، واستخدام القوة في القضاء على تمرد الأكراد؛ حيث انتقد بشدة أوقطاي فورال- نائب رئيس الحزب- موقف حزب المجتمع الديمقراطي؛ أسوةً بموقف الحكومة الذي عبَّر عنه طيب أردوغان بمطالبته بأن يصوِّت عدد 549 (كل أعضاء المجلس بما فيه أكراد تركيا 550 عضوًا) عضوًا برلمانيًّا على المذكرة.

 

وقال أيضًا محمد شاندر- عضو البرلمان عن حزب الحركة الوطنية-: إن قول العضو البرلماني صلاح الدين قبطان من المجتمع الديمقراطي "إذا طُرِدنا من البرلمان بسبب معارضتنا للعمليات العسكرية ضد أكراد العراق كما حدث عام 1991م، سنقوم بأكبر حركة عصيان مدني بتاريخ تركيا وسيكون جبل الجودي (يقع بين الحدود التركية العراقية) من ورائنا" مرفوض، وتساءل شاندر: ما القصد من عبارة "وراءنا جبل الجودي"؟!.

 

موقف سياسي.. وتحذيرات من مأزق

التهديدات التركية باجتياح الحدود الشمالية العراقية للقضاء على وجود وتحرك المنظمة الانفصالية أثار ردود أفعال متابينة بالمجتمع التركي؛ حيث يقول عوني أوزجورل- المحلل السياسي التركي-: "إن احتمال التدخل العسكري ضعيف في رأيه، والأمر لا يعدو أكثر من موقف سياسي حكومي، خصوصًا وليس هناك مشروع واضح في هذا الصدد (أي موقف تركيا من شمال العراق)، ولعل تركيا تريد من وراء موقفها هذا أن تقوم أمريكا بفرض قيود على المنظمة الكردية؛ باعتبارها المسئولة عن العراق وصاحبة الكلمة الأولى فيه!! إن مشكلة شمال العراق ليست في وجود المنظمة هناك، ولكن المنظمة تحت حماية مسعود البرزاني- حاكم الإقليم- ومن ثَمَّ يجب علينا أن نعرف قبل التحرك العسكري ماذا تعني المواجهة مع الأكراد أو مع القوات الأمريكية؟! لذا أرى أن المذكرة الحكومية مبهمة وغير واضحة المعالم، والتدخل العسكري لن يحل المشكلة؛ لأن أحدًا لا يستطيع أن يقدم ضمانة بعدم عودة المنظمة غدًا؛ لذا نحن بحاجة لمشروع متكامل للحل".

 

أما الدكتور أثر قراقاش- أستاذ الاقتصاد بالجامعات التركية- فيقول بشأن المذكرة الحكومية للتدخل العسكري: "إن قتل المنظمة لجنود الجيش التركي كان متعمَّدًا وليس دفاعًا عن النفس، وهي تدرك جيدًا أن أعمالها تلك يمكن أن تؤدي إلى تدخل عسكري بشمال العراق، وهي على هذا النحو تدعو الجيش التركي لدخول شمال العراق؛ لكي تخلق مشاكل كبيرة جدًّا لتركيا في المجتمع الدولي من كل النواحي، وهي تريد إعاقة التطور والتنمية بتركيا، والحقيقة أن تركيا تُسحَب أو تُجَرُّ نحو الوقوع في مأزق وفخ كبير، ومثل هذه العمليات ستضع تركيا في مأزق.. أعتقد أن الحل العسكري لن يؤدي إلى شيء، وأن حلاًّ دبلوماسيًّا دوليًّا ذا تعقُّل هو الصحيح، وتصاعُد أصوات حزب العدالة والتنمية في مناطق الشرق يعني رغبة شعب المنطقة في الحلول السلمية.. منذ 23 سنة لم نتمكن من الحل عبر السلاح والجيش.. أما حزب المجتمع الديمقراطي فجاء للبرلمان بأصوات الشعب، ولا يمكن القول بأنه امتدادٌ للمنظمة الكردية.

 

من جهتة يقول صادق قهرمان- المحلل السياسي التركي بالعراق-: إن زيارة الهاشمي مفاجأة، ولم تكن منتظرة، والمعتقد أنه سيبحث المسألة مع المسئولين الأتراك؛ لأن هناك قلقًا، والطرف العراقي يريد الحل السلمي والسياسي.. الطرفان يدركان أن الحل العسكري لن يؤدي إلى حل؛ ولذا أُرسل طارق الهاشمي لإقناع أنقرة بالتوجه السياسي والدبلوماسي.

 

توجهات الاستقرار الداخلي وراء التصعيد

هذا ويرى بعض المراقبين للشئون التركية- العراقية أن تصعيد منظمة حزب العمال لأعمالها العنيفة ضد الجيش والأمن وحرَّاس القرى المسلَّحين في الأيام الأخيرة جاء إثْرَ التوجه السياسي الداخلي لحكومة العدالة والتنمية، والسماح بدخول حزب المجتمع الديمقراطي الكردي للبرلمان بعد انقطاع 16 سنة (دخل الأكراد البرلمان التركي علنًا للمرة الأولى عام 1991 تحت عباءة الحزب الاجتماعي الشعبي، ثم طُرِدوا وأُسقطت عضويتهم بسبب حلف العضوة ليلى ظانا اليمينَ البرلمانية بالكردية) وزيادة الدعم الشعبي للحزب والحكومة في الانتخابات الأخيرة؛ مما يقود الأساس الذي تَبني عليه المنظمة دعايتها بين أهالي منطقة شرق تركيا، وينسف مشروع الانفصال الذي تدعو له منذ ظهورها عام 1984م.

 

ومن ناحية أخرى فإن أكراد العراق وتركيا وإن كانوا يصرِّحون بين الحين والآخر بعدم قبولهم الأعمال الإرهابية التي تقوم بها منظمة حزب العمال الانفصالية، ووصفهم إياها بالإرهابية، إلا أنهم لا يزالون يحتضنون بشكل أو بآخر أفكار وقواعد ومعسكرات هذه المنظمة على أرض العراق، ولا يتخذون أي خطوات عملية في تجميد نشاطها العسكري أو السياسي بالعراق؛ بالتعلل بوجود عناصر المنظمة في مناطق جبلية وعرة، تقع بالمثلث الحدودي الإيراني- العراقي- التركي.

 

ومن ثم فإن الأكراد لديهم مخاوف كبيرة من استخدام تركيا هذه الحجة لاحتلال منطقة الشمال العراقي، والسيطرة على بترول محافظة كركوك (ثلث البترول العراقي تقريبًا) التي يتنازع على سيادتها التركمان والأكراد، والعمل على تقويض حكمهم الذاتي، أو أي تطلعات مستقبلية لديهم نحو إقامة دولة كردية مستقلة.