![]() |
|
محمد السروجي |
ما زال السجال الدائر حول القراءة الأولى لبرنامج حزب الإخوان ساري المفعول بين مؤيدٍ ومعارضٍ ومتحفظٍ، وما زال مؤشر الإعلام الحكومي والمعارض والمستقل متجهًا إليه ما لم تصدر تعليمات أو تعقد صفقات لتحويل المؤشر؛ خوفًا من الانصراف عن المؤتمر القادم للحزب الوطني الحاكم وأيضًا ما زال الخلط قائمًا بل ومتعمدًا في القضايا الثلاثة الساخنة وهي:
* الخلط بين اقتراح هيئة كبار العلماء ودورها الاستشاري أو الملزم وبين الدولة الدينية بالمفهوم الغربي الذي يرفضه الإخوان الذين يؤكدون على مدنية الدولة.
* الخلط بين عدم تولي غير المسلم منصبي رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء وبين ملف الأقباط عمومًا، بل تمَّ استدعاء موضوع الجزية وأمور خلافية حسمها الإخوان لصالح مبدأ المواطنة، وهذا معلن ومكتوب.
* الخلط بين عدم تولي المرأة منصب رئاسة الدولة وبين توليها الوظائف العامة
وسيبقى هذا التداخل والالتباس قائمًا ولأسباب عدة منها:
** المرجعية الفكرية والعقدية في التناول.
** المناخ السياسي بل والعام المشحون وغير الآمن والذي شكَّل نوعًا من الضغط والابتزاز الفكري لبعض النخب الموضوعية والمحايدة؛ خوفًا من اتهامهم بمولاةِ الإخوان أمثال الأساتذة ضياء رشوان وفهمي هويدي وغيرهم.
** موقف النظام الحاكم من الإخوان وحالة الإقصاء بل والاستنزاف المتعمد والذي توظف فيه كافة الأوراق والأدوات.
الإخوان ما لهم وما عليهم
وسط هذا الصخب والضجيج في تناول الرؤى الفكرية والسياسية يحسب للإخوان عدة نقاط:
** الوضوح والشفافية في عرض رؤاهم السياسية خاصة النقاط الحرجة منها والتي من المتوقع أن تُحدث جدلاً واسعًا وقد كان.
** عدم الأخذ بما يُسمَّى التقية السياسية في عرض أفكارهم احترامًا لعقول وحقوق المؤيدين بصفة خاصة وجماهير الأمة بصفةٍ عامة.
** الاعتزاز بالمرجعية الإسلامية رغم ردود الأفعال الغاضبة والصاخبة بل والإرهاب الفكري الذي يمارس ضدهم.
** الاستعانة بعددٍ غير قليلٍ من عموم المفكرين في التخصصات المتنوعة لاستطلاع رؤيتهم في البرنامج المسمى بالقراءة الأولى، وهي دلالة على استعداد الإخوان للتعديل بالإضافة والحذف.
كما يؤخذ عليهم عدة نقاط
** وجود أكثر من نص مكتوب لرؤية الإخوان السياسية (قد تكون الأوراق الأولى أو العصف الذهني وغير ذلك) مما أوهم البعض أن هناك حالة تضارب واختلاف في رؤى الإخوان أنفسهم بل تطوع أحد كبار الكُتَّاب متهمًا أن الإخوان ليس لهم رؤية سياسية محددة وواضحة.
** عدم تناول البرنامج بين عموم الإخوان بشكلٍ واسعٍ لإيجاد حالة من القناعة الفكرية تصاحب الولاء والمشاعر العاطفية والاكتفاء بالرموز السياسية أو المهتمين بالشأن العام.
دولة مدنية لها دين
الدولة في رؤية الإخوان مدنية بالمفهوم الوسطي المعتدل والذي لا يصطدم مع ثوابت الأمة ليست دولة دينية بالمفهوم الغربي القديم؛ حيث سيطرة رجال الدين على مقدرات وموارد وعقول وإرادة الأمة وليست دولة لادينية بالمفهوم الغربي الحديث؛ حيث حالة العداء ليست مع الأديان فقط بل مع الله سبحانه وتعالى.
الدولة في رؤية الإخوان تحترم وتعتبر الإنسان ككيان متكامل روحًا وعقلاً وجسدًا وليست دولة تختصم القيم والعقائد والشعائر تعطل الصيام؛ لأنه يقلل الإنتاج (كما قرر بورقيبة حاكم تونس السابق).
الدولة في رؤية الإخوان الكلمة العليا فيها للشعب والقانون ومؤسسات الدولة وليست لمجموعة من المغامرين الجدد أصحاب الثروة الذين زوروا إرادة الأمة ونهبوا ثرواتها واحتكروا مواردها وأفسدوا ذمم وأخلاق أبنائها.
الدولة في رؤية الإخوان يحكمها أحد أبنائها جاء بالانتخاب الحر المباشر ليتحمل المسئولية القانونية والشرعية يحاسبه شعبه ويخشى هو حساب الله يوم القيامة يقول كما قيل من قرون "لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله لما لم أمهد لها الطريق"، وليست لحاكمٍ يأتي بالتزوير والبطش الأمني يملك صلاحيات وسلطات لا يملكها البشر فيهمش المؤسسات ويعطل القانون ويحبس المعارضين ويقرب الموالين ويأمم الشركات ويصادر الأموال!! لا يحاسبه أحد ولا يسائله أحد!!
هذه الدولة التي نريد.. مدنية لكن لها دين.
--------
* باحث سياسي- M_srogy@yahoo.com
