تشهد دوائر مفكري أمريكا المتابعين لشئون الشرق الأوسط سجالاً ساخنًا بين اثنين من كبار الباحثين على صفحات مجلة أمريكية؛ واحد يمثل المحافظين الجدد وواحد يمثل البراجماتيين، يختلفان حول أداة كسب أمريكا لحربها مع العالم العربي والإسلامي، السلاح أم الأفكار.
إذ طالب الباحث فيليب جوردن من معهد بروكنجز في العاصمة واشنطن، المعروف عنه أنه معهد براجماتي يميل للحزب الديمقراطي، في مقاله الأول على صفحات مجلة "ذي نيو ريبابليك" الأسبوعية، بتحويل الحرب الأمريكية الحالية على ما تسميه الإرهاب إلى "حرب أيديولوجية طويلة الأمد" على غرار صراع الرأسمالية الغربية مع الشيوعية الذي انتهى بفوز الرأسمالية.
في حين دعا الباحث رأول مارك جيرشيت من معهد "أمريكان إنتربرايز أنستيتيوت" أو معهد الإبداع الأمريكي التابع لحركة المحافظين الجدد، على نفس صفحات المجلة بالاستمرار في الضغوط العسكرية وتكثيف الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية بل و"اللفظية" على الدول العربية المهمة- خصوصًا مصر والسعودية- استمرارًا للحرب الحالية على الإرهاب.
جاء ذلك في الجزء الثاني من سجال فكري تشهده واشنطن بين المحافظين الجدد ممن يفضلون مواجهة عسكرية حازمة كتلك التي تشنها إدارة بوش الحالية وبين البراجماتيين في مركز أبحاث بروكنجز ممن يفضلون "معركة الأفكار" جاء السجال في معظمه على شكل خطابات متبادلة.
أما فيليب جوردن فقال في مقاله الرائج الآن في أمريكا في أوساط المتابعين لشئون الشرق الأوسط: "إنني أقول إننا في "الحرب على الإرهاب" الخطأ منذ ست سنوات فنحن نضع تركيزًا أكثر من اللازم على القوة العسكرية، والكلام القوي والتصرفات الأحادية، في حين أننا يجب علينا بدل ذلك أن ننخرط في حرب صبورة ومعركة أيديولوجية طويلة المدى- بنفس الطريقة تقريبًا التي قمنا فيها بشن الحرب على الشيوعية بنجاح".
غير أن الكاتب الأمريكي رأول مارك جيرشيت رد عليه قائلاً: إن الناحية العسكرية فعالة وإن الضغوط هي طريق مختصر لإحداث تغييرات في العام العربي، ودلل على ذلك بإمكان تحقيق المزيد في مصر بهذا الأسلوب.
وقال الكاتب إن السعودية ومصر يجب أن يكونا هدفين في الحرب على الإرهاب عن طريق الضغط عليهما، فقال: "يمكننا فعل المزيد على سبيل المثال في مصر، حيث إن مصر ما زالت هي أهم دولة عربية".
وأضاف: "علينا ربط المعونة الأمريكية لمصر، خصوصًا المعونة العسكرية، بالتقدم الديمقراطي، وبالمناسبة من هو العدو الذي يهدد مصر؟" مشيرًا بذلك إلى انعدام ضرورة حقيقية لتحديث العسكرية المصرية، وهو المطلب الدائم لكثير من أصدقاء "إسرائيل" في واشنطن. وقال: "إذا ما هاجم النظام سعد الدين إبراهيم والمعارضين الديمقراطيين الآخرين فعلينا أن نأخذ تلك الأموال. وإذا لم يتب ويتراجع النظام فلنأخذ المزيد من الأموال بعيدًا... ويجب علينا أن نهاجم النظام لفظيًّا بالطبع. بل وبانتظام".
وعلل ذلك بقوله إن على أمريكا التحرك في "الأماكن الهامة" في معرض كلامه عن مصر والسعودية فقال: "لا يمكننا تقديم المساعدة في كل مكان بنفس النجاح لكننا يجب علينا أن نحاول حيث يكون للأمر قيمة".
واتهم الكاتب المتبني لقضايا "إسرائيل" دومًا، والذي عمل سابقًا كمحلل في الاستخبارات الأمريكية، اتهم جماعة الإخوان المسلمين في مصر ببدء الحرب الحالية فقال: "لقد بدأت جماعة الإخوان المسلمين والكثير من مشتقاتها وفروعها هذه الحرب بشكل كبير".
وطالب الكاتب، الذي يعتبر من أكثر محللي الشرق الأوسط رواجًا ضمن تيار المحافظين الجدد الموالين "لإسرائيل"، أيضًا بعرض تثمين للحكم في السعودية بانتظام، حيث قال: "ليس هناك سبب جيد لعدم قيام الخارجية الأمريكية بنشر ترجمة كل ثلاثة أشهر للمواد الدينية والمواد التبشيرية التي تدعمها السعودية في الخارج... إذا كانت أيدي السعوديين تقف وراء انتشار مواد معاداة اليهود في العالم المسلم، فيجب علينا أن نركز ذلك".
هذا في حين رد جوردن أن الضغوط لن تجدي وإنما يجب تحويل الحرب إلى حرب فكرية على غرار الحرب الباردة فقال عنها: "في نهاية المطاف فزنا فيها (الحرب الباردة) لا على أرض المعركة العسكرية ولكن في قلوب وعقول الشعوب في أرجاء العالم- بمن فيهم أعداؤنا المباشرون في ذلك الوقت"، وختم قائلاً: "إن أقوى أسلحتنا في هذه الحرب (الحالية) هي قيمنا التي تفرقنا عن أعدائنا".