ثمة كلام عن إعصار سياسي كبير- تسونامي- سوف يضرب المنطقة في الأجل المنظور، يتحدث "الإسرائيليون" في العلن عن نتائجه واحتمالاته، لكني لا أعرف ما إذا كنا قد فكرنا فيه أم لا، وكيف؟
خلال الأسابيع الأخيرة ظلت أضواء مكاتب وزارة الدفاع "الإسرائيلية" مُضاءَةً حتى الفجر؛ الأمر الذي جاء دالاًّ على أمرٍ جلَل يجري بحثه وراء الجدران، هذا التقديم ليس من عندي، ولكنَّ صحيفة "يديعوت أحرونوت" أوردته في 31/8 في معرض حديثها عن وثيقة وصفتها بأنها "بالغة الخطورة"، تعلَّقت بسيناريوهات ما بعد الانسحاب الأمريكي من العراق، وأشارت إلى أن الوثيقة قُدِّمت إلى وزير الدفاع إيهود باراك، الذي استنفَرَ طاقم وزارته لدراستها، وذكرت أن إعدادها استغرق ثلاثة أشهر، وأن فرق عمل من خمس جهات شاركت في الإعداد، وهذه الجهات هي: وزارة الدفاع- شعبة الاستخبارات العسكرية- قسم التخطيط في الجيش- مجلس الأمن القومي- وزارة الخارجية.
وكان السؤال الأساسي الذي طُلب من الجميع الإجابة عليه هو: كيف سيؤثر الانسحاب الأمريكي من العراق على المصالح الإستراتيجية لـ"إسرائيل"؟! وكانت الإجابة كالتالي: إن الانسحاب سوف ينتج عنه تشكُّل شرق أوسط جديد بكل معنى الكلمة، يمثِّل أسوأ احتمال توقعته "إسرائيل" في يوم من الأيام؛ إذ سيكون الانسحاب بمثابة "تسونامي" يضرب المنطقة؛ لأنه سيسفر عن تغيُّرات جذرية سيكون لها تأثيرها السلبي على كل حلفاء أمريكا في المنطقة، ولكن "إسرائيل" ستكون الأكثر تضررًا.
قدَّرت الوثيقة أن واشنطن حسمت أمرها فيما يتعلق بالانسحاب المبكِّر من العراق، ودلَّلت على ذلك بقرار الإدارة الأمريكية رفْعَ المساعدات الأمريكية لـ"إسرائيل" بشكل كبير؛ بحيث تصل في غضون عِقد من الزمان إلى ثلاثين مليار دولار بواقع ثلاثة مليارات كل عام، كما استشهدت بصفقة السلاح العملاقة التي وقَّعتها واشنطن مع السعودية، ووصلت قيمتها إلى 20 مليار دولار.
واعتبرت الوثيقة أن هاتين الخطوتَين استهدفتا إرضاء الدولتين في أعقاب القرار المتوقَّع بالانسحاب، لمنحهما الإحساس بأنهما ستكونان قادرتَين على مواجهة تبعات تنفيذ هذه الخطوة؛ حيث اعتبرت أن "إسرائيل" والسعودية ستكونان من أكثر الأطراف تضررًا من القرار الأمريكي.
في تقديرها لموقف ما بعد الانسحاب تحدثت الوثيقة عن ثلاثة مكامن للخطر ستنجم عن ذلك، هي كالتالي:
أولاً: أن الانسحاب سيُنظَر إليه في العالمَين العربي والإسلامي كهزيمة مروِّعة لأمريكا، وسيؤدي بشكل فوري إلى زيادة هائلة في طاقة الحركات الإسلامية الجهادية؛ حيث ستعمل هذه الحركات على زعزعة أنظمة الحكم العربية المعتدلة في المنطقة، إلى جانب تعزيز الأنظمة التي تناصب أمريكا العداء، واعتبرت الوثيقة أن أكبر ضرر إستراتيجي سيهدد "إسرائيل" سيكون المسّ باستقرار نظام الحكم في الأردن الذي تصفه الوثيقة بأنه "أهم ذخر إستراتيجي لـ"إسرائيل" في المنطقة؛ لأنه يمثل الحزام الفاصل بين "إسرائيل" والهلال الشيعي الذي سيتبلور بعد الانسحاب" إلى جانب موقف النظام الأردني الصارم ضد الحركات الإسلامية، فضلاً عن دوره البالغ الأهمية المتمثل في منع عمليات التسلل إلى "إسرائيل" عبر الحدود.
توقعت الوثيقة أن يؤدي الانسحاب الأمريكي من العراق إلى تحويله إلى نقطة انطلاق للعمل ضد الأردن، وسيترتب عليها تشجيع الحركات المناوئة للعمل من داخل البلد، إلى جانب أن النظام السوري سيسمح بالعمل ضد عمان من أراضيها، ومن شأن إحداث أي تغيير في الأردن أن يحوِّله إلى ساحة فعل ضد "إسرائيل"، بما يعيدها إلى السنوات الأولى لوجودها".
وأوصت الوثيقة بالبدء في دعم النظام الأردني وتعزيز قدرته على الثبات، عن طريق تكثيف الدعم الدولي والأمريكي لحل مشكلاته الداخلية، وعلى رأسها مشكلة المياه، مع تعزيز أجهزته الأمنية ورفع كفاءتها.
ثانيًا: حذَّرت الوثيقة من أن الانسحاب سيكون عنصرًا مشجِّعًا لقوى المقاومة الفلسطينية وحزب الله على توجيه ضربات لـ"إسرائيل"، واعتبرت أن العراق سيعود ليصبح نقطةَ انطلاقٍ لتنفيذ عمليات إطلاق الصواريخ باتجاه "إسرائيل"، ونوَّهت إلى أن الأطراف قد تكون معنيةً بحصول عناصر الحركات الجهادية على صواريخ بعيدة المدى؛ لكي يكون بوسعهم إطلاقها على "إسرائيل" من غرب إيران.
ثالثًا: رأت الوثيقة أن الانسحاب من العراق سيحرِّر إيران من الضغوط الممارَسة عليها حاليًّا، وسيسمح لها بتطوير برنامجها النووي، وصولاً إلى إنتاج القنبلة النووية، في حين أن سوريا ستنجو من الحملة الأمريكية الهادفة إلى تضييق الخناق على نظام الحكم فيها، وتحدد الوثيقة العام 2009 لاستكمال سوريا عملية تحديث جيشها، وهو نفس العام الذي يغادر فيها بوش البيت الأبيض.
غير أن بعض الخبراء الذين يمثلون أقليةً في طواقم العمل التي أعدت الوثيقة أشاروا إلى أن الانسحاب الأمريكي قد يشتمل على تطوُّر إيجابي واحد بالنسبة لـ"إسرائيل"، فتحدثوا على أن قادة الجيش الأمريكي في العراق هم الذين يرفضون بشدَّة قيامَ الإدارة الأمريكية بمهاجمة إيران وتدمير برنامجها النووي، على اعتبار أن إيران ستردُّ بشنِّ عمليات انتقامية ضد القوات الأمريكية في العراق، ورأى هؤلاء الخبراء أن الانسحاب من العراق قد يُزيل عقبةً كَأْداء أمام تحرك أمريكي عسكري محتمل ضد إيران.
لسنا في وارد مناقشة مدى صواب هذه الاحتمالات؛ لأن ما يهمنا منها في السياق الذي نحن بصدده أمران: الأول أن هناك فريق عمل من الخبراء حاول أن يدرس مقدَّمًا الاحتمالات المترتبة على الانسحاب الأمريكي وتأثيرها على المصالح الإستراتيجية "الإسرائيلية"؛ الأمر الثاني أن الرأي العام "الإسرائيلي" أُحيط علمًا بتلك الاحتمالات، وكان من الطبيعي أن أجري مقارنةً بين هذا النمط من التفكير، وبين ما يجري عندنا- مصريًّا وعربيًّا.
أول ما لاحظته أننا مشغولون بمشاكلنا الداخلية الآنية، وأن قضايا المصير الإستراتيجية مغيَّبةٌ عن الاهتمام العام، حتى بين شرائح النخبة، وهي الملاحظة التي يرصدها بسهولة أي قارئ للصحف والمجلات أو متابع لبرامج التلفزيون والإذاعة في بلد كمصر مثلاً؛ الأمر الذي يعكس حالةً من الانكفاء على الذات، ترى الداخل ولا ترى الخارج، وتنشغل بهموم الحاضر عن تحديات المستقبل.
لا أريد أن أقلل من معالجة مشكلات الداخل؛ ذلك أن من شأن تلك المعالجة- إذا تكللت بالنجاح- أن توفر للوطن قدرًا من المناعة والعافية يمكِّنه من أن يتصدَّى بقوة لتحديات الخارج، لكنَّ الأمر ليس بهذا التبسيط لسببين:
الأول.. لأن العراك هو العنوان الذي يختزل الحالة في الداخل، وهو ما يعني أننا لا نُقوِّي الداخل وإنما نُضعفه، ونشتِّت الصف الوطني ولا نحشده.
السبب الثاني.. أن المصالح الإستراتيجية لكل بلد- أمنها القومي إن شئت الدقة- تتوزع على الداخل والخارج، بالتالي فإن رعاية تلك المصالح ينبغي أن تتم على الجبهتين معًا، والاهتمام بجبهة دون أخرى لا يختلف في شيء عن دفن الرؤوس في الرمال، لا يدفع خطرًا ولا يصده ولكنه يغمض الأعين عنه.
إن ثمة حديثًا يتداوله المسئولون عن مصر في عام 2020 وعن القاهرة في عام 2050، ولكن الأول يتحدث عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والثاني يتناول التخطيط العمراني، لكني لا أعرف أن هناك رؤيةً متبلورة في الخرائط السياسية، سواءٌ في داخل مصر أو في مجالها الحيوي، ومحيطها الإستراتيجي، وسيكون أمرًا غريبًا إذا وجدت تلك الإستراتيجية دون أن يعرف الرأي العام شيئًا عن ملامحها أو اتجاهاتها، وسيكون الأمر أغرب- صادمًا ومفجعًا في الحقيقة- إذا لم تكن تلك الإستراتيجية موجودةً من الأساس.
إن ثمة تحولاتٍ مثيرةً تتابع من حولنا، ولا يستطيع أي محلل تجاهلها؛ لأنها تؤثر على مصالحنا بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لا أتحدث فقط عن مشكلات نقص المياه أو التغيرات المناخية وثيقة الصلة بالاحتباس الحراري أو تناقص السكان في العالم المتقدم والانفجار السكاني في العالم النامي، ولا أتحدث فقط عن التحولات الحاصلة في الخرائط السياسية، متمثلةً في أزمة الداخل الأمريكي واحتمالات التغيير مع انتخاب رئيس جديد واختفاء الرئيس بوش وفريقه بعد 18 شهرًا، وظهور مقدمات لحرب باردة جديدة بين الشرق والغرب بعد استعادة روسيا عافيتها وتصالحها مع الصين، وتكوين منظمة شنغهاي تعبيرًا عن صعود الدور الآسيوي في مواجهة حلف الناتو، وبروز طبعة أخرى من المحافظين الجدد في فرنسا بقيادة الثنائي ساركوزي ووزير خارجيته كوشنير، وقد كشفا عن وجهَيهما وهو السعي للالتحاق بالمركبة الأمريكية، وفي المزايدة على الموقف الأمريكي إزاء "إسرائيل" وإيران.
ما أعنيه ليس فقط هذه التحولات المؤثرة على مصالحنا وخياراتنا، ويُفترض ألا تغيب عن المخطط الإستراتيجي، وإنما أعني أيضًا تصورنا للتداعيات والتطورات الحاصلة والمرتقبة في المنطقة، التي تتصل مباشرةً بمصالحنا الحيوية؛ الأمر الذي يُثير عددًا من الأسئلة المهمة في مقدمتها ما يلي:
* كيف نرى احتمالات المستقبل الفلسطيني، إذا ما استمرَّ تكريس الانفصال بين الضفة الغربية وغزة، واعتبار الأولى كيانًا صديقًا لـ"إسرائيل"، والثانية كيانًا معاديًا لها، وهو الفخ الذي وقع فيه الجميع أو استُدرجوا إليه، في حين تتجه "إسرائيل" لإعادة تحديث جيشها بالكامل خلال خمس سنوات، حتى تتجنَّب تكرار الهزيمة التي لقيتها في لبنان؟!
* إلى أيِّ مدى سوف نتأثر بالانسحاب الأمريكي في العراق؟ مع ما سوف يستصحبه ذلك من تداعيات، بعضها يتعلق بزيادة النفوذ الإيراني، والبعض الآخر يتعلق باحتمالات تقسيم البلد إلى ثلاث دويلات، كما يريد الأمريكيون، إضافةً إلى سيناريو الحرب الأهلية بين متعصبي الشيعة والسنة؟!
* كيف نتصور النتائج المترتبة على توجيه ضربة لإيران لإجهاض مشروعها النووي؟ الأمر الذي ينصِّب "إسرائيل" قوة عظمى وحيدة في الشرق الأوسط، وما تأثير ذلك على منطقة الخليج عمرانيًّا وبيئيًّا وعلى موقف الشيعة في العالم العربي، وعلى وضع القضية الفلسطينية، وكيف سينعكس أثر الضربة على سوريا ولبنان؟!
* إلى أي مدى يؤثر انفراط الصفِّ العربي على موقف العالم العربي إزاء مختلف القضايا؟ بوجه أخص كيف يمكن إجهاض محاولات تفتيت المنطقة عبر تقسيم دولها إلى معتدلين ترضى عنهم واشنطن و"إسرائيل" ومتطرفين رفع ذلك الرضى عنهم؟ وكيف يمكن احتواء وعلاج التباعد السوري عن مصر والسعودية؛ بحيث لا يضر ذلك بالمصلحة الإستراتيجية العربية؟!
* ما هو موقفنا من التدخل الدولي في دارفور واحتمالات انفصال جنوب السودان، والسعي الأمريكي لإقامة قاعدة عسكرية كبيرة في شمال إفريقيا؛ بحجة إقامة مركز للتصدي للإرهاب؟!
* لا أستبعد أن تكون هناك أسئلة أخرى ملحَّة يغيبها الانكفاء على الداخل والانشغال بما هو عابر، وهذه الأسئلة تشكِّل مع ما ذكرت حزمةً من علامات الاستفهام الحائرة، التي تبحث عن إجابات تشبع الرغبة في التعرف على المَسَار، وتحسس مواضع الخطى، وتحديد الأهداف والمقاصد؛ إذ هي مشكلة لا ريب أن تمضي دون أن تعرف إلى أين أنت ذاهب؛ لأنك في هذه الحالة ستواجه مشكلة أكبر؛ حيث ستظل معرضًا طول الوقت لأن تضل وتشقى!!