د. حامد أنور

 

حينما أعرب السفير الأمريكي الأسبق ديفيد ولش إبَّان خدمته بالسفارة الأمريكية في القاهرة عن استيائه من الصحافة المصرية أدركتُ حينها أن هناك أمرًا سوف يُدبَّر بليلٍ يتم فيه وأد حرية البشر كما وُئدت أحلامهم الغضة في هذا العالم الذي سقطت فيه كل الأقنعة، وتم هذا الأمر من خلال لعبة أمريكية مصرية مقززة.

 

إن اللعبة المصرية الأمريكية تقوم على أن ما تمَّ الاتفاق عليه في سراديب البيت الأبيض ينتقد علنًا، أما كاميرات الإعلام وما أوحى به الشيطان الأمريكي لسدنةِ النظام لدينا يُهاجمه الأمريكيون على الفضائيات والجرائد هنالك يرتدى مسئولونا ثوب البطولة المرقع ويتناولون حبوب الشجاعة المزيفة، وتخرج الحناجر صارخةً "نرفض التدخل في شئوننا الداخلية"، رغم أنها مستباحةٌ بشكلٍ غير مسبوقٍ.. فهل تستطيع مصر إلغاء الكويز أو منع حاملات الطائرات والمؤن الأمريكية من المرور في قناة السويس لضرب إخواننا في العراق أو منع تصدير الغاز الطبيعي للكيان اليهودي ليقتل أطفال فلسطين؟!! وهذه اللعبة الساذجة لخداع الشعوب وتضليلها فعلوها من قبل في انتهاكاتِ المهزلة الانتخابية وفي مأساة التعديلات الدستورية، وها هي اللعبة المتفق عليها تتم فصولها مع اعتقال الصحفيين.

 

إن أمريكا تستغل أي فرصةٍ متاحةٍ لها حتى ولو كان كراهية الشعوب المحمومة لها ولسياساتها، ولكل مَن رضي بعصابة البيت الأبيض فتستغل هذا الشعور الفيَّاض بالبغض في تسويق مصالحها ومخططاتها.

 

لو كان المسئولون المصريون محقين لحاكموا محمد علي إبراهيم حين وجَّه إساءةً بالغةً للقضاة وتطاول على مقامهم وتعدَّى عليهم بفجِّ القول والأسلوب لا أن يُحاكم أنور الهواري وحده رئيس تحرير "الوفد" بنفس التهمة الباطلة، لو كانوا فعلاً محقين لفعلوها حين تكتَّل صحفيو النظام وقاموا بالهجوم على أحمد نظيف.

 

لا أدري لماذا صمت حينها أعضاء الحزب الوطني حتى ظنَّ البعض أنها النهاية ليأتي استقبال مبارك له لتتغير البوصلة تمامًا، بلا أي حياءٍ من أيٍّ منهم في عجيبةٍ من العجائب لا تحدث إلا على أرض مصر.

 

لقد تعرَّض أشرف مروان للاغتيال المعنوي على أيدي بعض الأقلام، وعندما تمَّ نفس المسلسل تغيَّرت كل الأمور.. ما هذا الذي يحدث فيكِ يا أرض الحضارة؟

 

عندما أصدر محافظ دمياط قرارًا بمنع استخدام أطباق "الدش" في المقاهي بالمحافظة لما ينتج عنه من سهر الفلاحين والعمال وذهابهم إلى الأعمال متأخرين وكسالى؛ مما يُؤثِّر على مسيرة مصر وقطار التنمية ويُعرقل عجلة الإنتاج انتفضت الأقلام صارخةً وباكيةً على الحرية، ذلك العصفور الذي يريد محافظ دمياط اغتياله، ورفض التدخل في خصوصيات الناس المقدسة، ليتراجع المحافظ المسكين عن قراره، فما الذي جرى الآن أيها الخجل؟ أين حمرتك؟

 

إن حبس إبراهيم عيسى وزملائه يكشف بوضوحٍ كذب الادعاءات الأمريكية عن أن حملتها على المنطقة تهدف إلى نشر الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط، والإدارة الأمريكية التي قدَّمت أبناءها قرابين من أجلها في العراق تقف المسكينة عاجزةً مشلولةً أمام تعنت النظام المصري الذي لم يتحرك عندما اعتُدِيَ على أبي هريرة وخالد بن الوليد بل تجاوز البعض في حق الإله بقصيدةٍ ركيكة، ليخرج علينا أدعياء الحرية وأبناء الثقافة الفرنسية مدافعين عن تلك التجاوزات، ولكنهم يقرون بحبس الصحفيين بسبب التجاوزات في حق أعضاء الحزب الوطني ويبدو أن ذات الحاكم مقدسة في العالم الثالث.

 

إن مفهوم أمريكا عن الحرية هو التحلل من تعاليم الإسلام وعدم الانصياع لقيمه والتعدي على كل المقدسات والعقائد، أما مفهومنا عن الحرية فهي رفض الظلم، والاستبداد وإعادة الحقوق إلى هذا الشعب الأبي المسكين والاستجابة لكل متطلباته.

 

ومن هنا تكون المشكلة أن أزمتنا مع الغرب هي أزمة مدلول المصطلح؛