يبدأ حزب العدالة والتنمية المغربي ذات التوجهات الإسلامية غدًا الإثنين اجتماعًا شاملاً لتقييم وترتيب الأوراق لخوض معارضة قوية للحكومة المقبلة، بعدما فشلت المحاولات الحكومية بدفعه للمشاركة في الحكومة المقبلة.
وجاء هذا الفشل بعد قرار المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي يوم الخميس 27 سبتمبر بالدخول في الحكومة الجديدة، وهو ما قطع الطريق أمام أية إمكانية لمشاركة حزب العدالة والتنمية في الحكومة المقبلة، مما سيجعله يحتل مقعد المعارضة الأولى في البرلمان المغربي انطلاقًا من تصريحات قيادييه المؤكدة بإمكانية الدخول في الحكومة إن لم يدخلها الاتحاد الاشتراكي، الذي عقد اجتماعًا ساخنًا حسم فيه مبدأ المشاركة في حكومة "عباس الفاسي"، مفوضًا المكتب السياسي للحزب بالتفاوض مع الوزير الأول المعين حول طبيعة هذه المشاركة وحجمها.
واحتياطًا من أي قرار لا يساير مبدأ المشاركة، فقد تمَّ منع بعض أعضاء الشبيبة الاتحادية من الدخول إلى المقر المركزي للحزب بالرباط؛ نظرًا لتشبثهم بموقف عودة الحزب إلى المعارضة بعد النتائج الهزيلة التي حصل عليها الحزب (المرتبة الخامسة بـ38 مقعدًا، بعدما كان الأول في انتخابات 2002م).
وطالب بيان ما يُسمَّى بـ"الاشتراكيون الجدد" داخل الحزب، بعودة الاتحاد الاشتراكي للمعارضة، وهو ما كان يُرجِّح تحالف العدالة والتنمية مع حزب الاستقلال المكلف بتكوين الحكومة الجديدة بالمغرب.
وأشار البيان إلى الأخطاء التي ساهمت في تراجع ترتيب الحزب في الانتخابات الأخيرة ومنها: الالتفاف على روح الجبهوية في التنظيم الحزبي، وتخريب الشبيبة الاتحادية، التي تعد أهم أداة تنظيمية كان يعتمد عليها الحزب على امتداد الوطن في حملاته الانتخابية، والتعامل باستخفافٍ كبيرٍ مع القطاع النسائي الاتحادي عبر فرض لائحة وطنية للنساء فاجأت الجميع بمَن فيهم المكتب السياسي، ثم نهج سلوك تدبير الإعلام الحزبي لا يُشرِّف الحزب".
وفيما يمكن اعتباره توجيهًا لقرار المجلس، قال محمد اليازغي، الكاتب الأول للحزب، خلال الكلمة الافتتاحية، إن تراجع الحزب في انتخابات السابع من سبتمبر يطرح عليه عدة تساؤلات سياسية وتنظيمية ينبغي الإجابة عنها بنوعٍ من الرزانة والحكمة، مشيرًا إلى أن الحزب "مدعو اليوم للوفاء بالتزامه مع حلفائه في الكتلة الديمقراطية من أجل موقفٍ موحدٍ بشأن تشكيل الحكومة المقبلة".
ويجتمع الحزب الاشتراكي مع حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية فيما يُسمَّى "ميثاق الكتلة"، وهو بيان مشترك صدر منذ يوليو الماضي يقضي باتخاذ قرارات مشتركة بعد الانتخابات.
![]() |
|
سعد الدين العثماني |
ورغم أن سعد الدين العثماني، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، قد أجرى يوم الإثنين 24 سبتمبر مشاورات مع الوزير الأول الاستقلالي عباس الفاسي، الذي كلَّفه العاهل المغربي بتشكيل الحكومة الجديدة، إلا أن هذه المشاورات ظلت "شكلية"، ولم تتداول مسألة المشاركة أو البقاء في المعارضة، حسب جريدة "التجديد" المقربة من الحزب.
وأضافت الجريدة، نقلاً عن مصدرٍ من الأمانة العامة للحزب، أن الوزير الأول "عباس الفاسي": "لم يقترح على قيادة العدالة والتنمية المشاركة في الحكومة، وإنما كان حديثًا عامًّا حول المطلوب من التشكيلة الحكومية المقبلة.
وتداول اللقاء برنامج وهيكلة الحكومة الجديدة وأولوياتها ومن ضمنها استقلالية القضاء وملف التعليم، وأكدت المصادر أن لقاء العثماني والفاسي، جاء للتطبيق الحرفي لتعليمات الملك محمد السادس التي زوَّد بها الوزير الأول عندما عيَّنه في 17 سبتمبر الماضي.
ولعل هذا الموقف الأخير لحزب العدالة الخاص بعدم المشاركة في الحكومة يترجم حدة الصراع بين الحزب الإسلامي والحزب اليساري الاشتراكي، فيما يمكن تسميته بـ"الحرب الباردة" الناتج عن مرجعيةِ كل حزب، وما سبق من معارك سياسية داخل البرلمان في الحكومة المنتهية ولايتها، بسبب معارضة حزب العدالة والتنمية للمهرجانات الفنية، التي تشيع الميوعة الأخلاقية في المجتمع وتبذر الأموال العامة، وحرص الاتحاد الاشتراكي على معارضة كل قانون له مرجعية إسلامية مثل البنوك الإسلامية أو التمويلات البديلة.
وكان حزب العدالة والتنمية، الذي احتلَّ المرتبة الأولى من الأصوات والثانية على مستوى المقاعد (46 مقعدًا)، وراء حزب الاستقلال (52 مقعدًا)، قد ربط أمر تحالفه مع الاستقلال بشروط منها عدد الأحزاب المشاركة وطبيعة البرامج، التي ستطبق.
وأظهر قياديو الحزب الإسلامي نيتهم في المشاركة ضمن حكومة يقودها حزب الاستقلال، وهو حزب محافظ ويضم قيادات لها مرجعية إسلامية ما زالت وفيَّة لنهج زعيمها التاريخي علال الفاسي، ولكن بشروطٍ منها: خروج الاتحاد الاشتراكي، الذي حاز 36 مقعدًا.
![]() |
|
محمد السادس |
ويبقى القرار في نهاية الأمر وقبل الخامس من أكتوبر القادم، بيد العاهل المغربي، محمد السادس مع وجود تصريحاتٍ من الوزير الأول "عباس الفاسي" تفيد بأنه سيطبق "التعليمات الملكية حرفيًّا".
فإذا كانت هناك تعليمات ملكية تريد مشاركة الإسلاميين في الحكومة، فإن "ميثاق الكتلة" أو قرار مجلسه الوطني لن ينفع الاتحاد الاشتراكي وسيضطر للعودة إلى مقعد المعارضة، وإذا لم تكن هناك أوامر فوقية فإن الحكومة الجديدة ستكون حكومة "استمرارية".
ويؤكد المراقبون أن اللقاءات التشاورية، التي قام بها الوزير الأول مع أغلبيته السابقة، ستجعل الحكومة المقبلة نسخة "منقحة" للحكومة الماضية، وستصبح الحركة الشعبية والتجمع الوطني للأحرار (يمين) أهم الشركاء في الائتلاف الحكومي الجديد بعد أن جاءا في المركز الثالث والرابع في الانتخابات الماضية، بينما سيفقد الاتحاد الاشتراكي عددًا من الحقائب بالنظر إلى النتائج التي حصدها في الاستحقاق الانتخابي الأخير.

