د. حلمي القاعود

 

مع أنني متخصص في العلوم الإسلامية واللغة العربية؛ فإنني لا أسمح لنفسي بارتياد مقام الفتوى؛ لأن الفتوى عواقبها خطيرة، وهذه العواقب لا تتوقف على مَن أصدر الفتوى، ولكنه يتحمل وِزْرَ مَن عملوا بها إذا كانت خاطئةً؛ ولذا كان كثيرٌ من العلماء والفقهاء يحذرونها، ويقول الواحد منهم: لا أدري، وقيل: من قال لا أدري فقد أفتى.

 

وكان الشيخ الشعراوي- رحمه الله- يحوِّل من يطلب منه الفتوى إلى العالم الجليل الراحل الشيخ عطية صقر- رحمه الله- هربًا من تحمُّل مسئوليتها، وإذا كان بعض فقهاء الشرطة وعلماء السلطة، قد أباحوا لأنفسهم- من أجل أغراض دنيوية تافهة- أن يُفتوا بغير علم أو عن هوى؛ فإن ذلك لا يعني إفلاتهم من المسئولية أمام الله تعالى.

 

وحين قلت في مقال سابق إن صلاة الشيوعي باطلة، في معرض قيام أحد الشيوعيين بتحريض أنصار منظمة فتح الفلسطينية على صلاة الجمعة في الخلاء لإثارة الاشتباكات مع منظمة حماس، وإشعال نيران القتال بين الطرفين؛ حيث إن هذا الشيوعي لم يركع لله ركعةً واحدةً؛ فقد كنت أقرر حقيقةً يتفق عليها العلماء، وليست فتوى، وقد عرَّف الفقهاء صلاة الجمعة بأنها ركعتان، وهي فرض عين على كلِّ مسلمٍ حرٍّ ذكر مقيم، غير معذور بعذر من أعذارِ ترْكِها إذا كانوا أربعين مستوطنين، أي مقيمين بالبلد الذي تؤدَّى فيه الصلاة (على أرجح الأقوال وبعض الفقهاء ينزل بالعدد إلى أحد عشر، والبعض الآخر إلى ثلاثة).

 

فلا تجب الجمعة على الكافر ولا الصبي ولا المجنون ولا المرأة ولا العبد ولا المسافر ولا المعذور بعذر من أعذار ترْكِها مثل المريض مرضًا يشق معه الذهاب إلى مكان الصلاة.

 

وقد اشترط الفقهاء أن تكون صلاة الجمعة في خطة أبنية أي في مكان معدود من البلد، ولو كانت الأبنية من الخشب أو القصب (ما يشبه الآن القش والحطب) أو السعف (غصون النخيل)، وينطبق ذلك على الأندية الرياضية المحاطة ببناء وأسوار وأبواب، مثل نوادي الأهلي والزمالك والإسماعيلي والترماي والسكة الحديد.

 

الجمعة إذًا لا بد أن تكون في بناء، وزاد بعضهم مشترطًا أن تكون في مسجد جامع، أى المسجد الرئيسي بالمكان، سواءٌ كان قريةً أو حيًّا.. أما الصلاة في الخلاء فهي مستحبة في صلاة العيدين؛ حيث تجمع الساحات الخالية أكبر عدد من الناس؛ لأن الناس يتفرَّغون تمامًا في يوم العيد.

 

وقد رأينا فيما سبق أن الفقهاء يشترطون فيمن يصلي الجمعة أن يكون مسلمًا؛ لذا فالكافر أو الملحد لا تقبل منه صلاته؛ لأن الأصل في قبول العبادات- سواءٌ كانت صلاةً أو زكاةً أو صومًا أو حجًّا أوعمرةً أو غير ذلك- هو الدخول في الإسلام والإيمان بالخالق جل وعلا، ونبيه- صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من وحي يتمثل في القرآن الكريم والأحاديث القدسية والأحاديث النبوية والسنة العملية، ومن لم يؤمن بذلك فقد حبِط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين؛ وفقًا للآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالإِيْمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِيْ الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِيْنَ﴾ (المائدة: من الآية 5).

 

والشيوعيون لا يؤمنون بالله، ومرجعيتي في ذلك ما قاله ماركس وأنجلز ولينين وبقية الركب الشيوعي المعتدل منهم (الستاليني) والمتطرف (التروتسكي)، فهم لا يعترفون بوجود إله، ولا يؤمنون بالغيب، أو ما يسمَّى عندهم ما وراء الطبيعة، ويرون أن الأديان نشأت وفق ظروف تاريخية اجتماعية لا علاقة لها بخالق الكون وما فيه، ويرون أن الكتب السماوية مجرد أساطير (يسميها بعض الماركسيين العرب منتجًا تاريخيًّا) ردَّدها أو اخترعها أفراد أذكياء يسمون الأنبياء، وما لنا نذهب بعيدًا وقد ذكر" شو إن لاي"- رئيس وزراء الصين الشيوعية، في مؤتمر دولي شهير، هو مؤتمر الدول الآسيوية والإفريقية (عدم الانحياز)، الذي انعقد في باندونج عام 1955م؛ حيث حضره عدد كبير من القادة المسلمين يمثلون أغلبية العالم الإسلامي- أن الشيوعية تعني الإلحاد، أي الكفر، فقد قال أمامهم بالحرف:

"إن حرية العقيدة الدينية مبدأ تعترف به جميع الدول المعاصرة.. نحن الشيوعيين ملحدون، ولكننا نحترم الذين يعتقدون بدين، ونأمل من الذين لهم دين أن يحترموا من ليس له عقيدة بدين..." (نقلاً عن: كليموفينتش- الإسلام: أصله، نشوءه ومستقبله، مطابع زنانيه، موسكو 1958م، ص 58).

 

ويقول ماركس وأنجلز بصراحة قاطعة تدلل على الإلحاد والكفر: "إن إلغاء الدين الذي ما هو إلا سعادة وهمية للناس عمل ضروري لجلب سعادتهم الحقيقية" (مؤلفات ك. ماركس، وف. أنجلز، المجلد الخامس، الطبعة الثانية، ص 415).

 

ومع هذا الوضوح القاطع والصراحة الساطعة؛ فإن نفرًا من الشيوعيين العرب يرون عكس ذلك، ويعتقدون أنه يمكن الجمع بين الإسلام والشيوعية في سلة واحدة، وأن الشيوعي العربي يمكن أن يكون مسلمًا، وأن المسلم العربي يمكن أن يكو ن شيوعيًّا، ولا غضاضة لديهم في ذلك، بل لا بأس لديهم أن يتهموك بتهم غليظة هي التكفير والإخراج من الملة، والتحريض على قتلهم؛ إذا أوضحت لهم أن الشيوعية نقيض الإسلام، وهو أمر في غاية العجب!! فكيف يجمع الشيوعي العربي بين السعادة الوهمية التي يمثلها الدين- كما يقول ماركس وأنجلز- والسعادة الحقيقية التي تقدمها الشيوعية؟!

 

إن تناقضات الشيوعيين العرب لا حد لها، ولكن الأخطر أن يتذكر الشيوعي الفلسطيني المحرِّض على الاقتتال بين الفلسطينيين صلاة الجمعة، ويتخذ منها منطلقًا لتحقيق غاياته الشيطانية، وأظن أن المسالة في هذا السياق تخرج من دائرة الاعتقاد إلى دائرة أخرى تتعلق بمصير الشعب والوطن، ويندرج هذا الفعل الإجرامي الخسيس تحت بند واحد اسمه الخيانة؛ لأن حرية العقيدة لا تعني أبدًا أن نعرض مصائرنا للهلاك بحجة أن صلاة الجمعة في الخلاء جائزة، وهو أمرٌ له شبيهٌ في صدر الدعوة الإسلامية؛ حين أقام بعض المنافقين مسجدًا آخر غير المسجد الذي بناه الرسول- عليه الصلاة والسلام- ونزل الوحي يأمر المسلمين بعدم الصلاة فيه ووصفه بالوصف التاريخي الدال وهو الضرار، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)﴾ (التوبة).

 

ويبدو- والله أعلم- أن الشيوعيين العرب بعد أن سقطت النظرية الشيوعية في بلاد المنشأ والتطبيق، يصرُّون بالمكابرة على إثبات وجودهم في الواقع الفكري والثقافي، ولكنهم للأسف يثبتونه بطريقة غريبة ومنافية للمنطق والسلوك الطبيعي، فقد تحوَّل كثير منهم إلى أدوات في أيدي السلطات البوليسية الفاشية التي تحكم العالم العربي، فضلاً عن مغازلة العدو الصهيوني وإطلاق الدعوات الخبيثة لتشويه الجهاد الفلسطيني، والمقاومة للغزاة الأمريكان، ولو أحصيت ما كتبوه عن هجومهم الرخيص على الإسلام وتصوراته، وخاصةً ما يتعلق بالجهاد والمقاومة، لوجدته يفوق بأضعاف كثيرة ما كتبوه عن فلسطين والعراق وأفغانستان، وما تتعرَّض له الشعوب العربية والإسلامية من إبادة وتدمير على يد التتار الجدُد، الذين لا يعرفون الرحمة ولا الأخلاق، ومع ذلك يسمون الإسلام بالإظلام والمسلمين بالظلاميين.

 

ونتمنَّى بدلاً من ذلك أن يقولوا للغزاة النازيين اليهود والصليبيين الاستعماريين: كفُّوا عن قتْلِ شعوبنا وإبادتها، واخْرُجُوا من بلادنا إلى غير رجعة، وفي الوقت ذاته نطلب من الشيوعيين العرب (بعضهم تحديدًا) أن يكفوا عن دعم الأنظمة البوليسية الفاشية في البلاد العربية نظيرَ فتاتٍ لا يُسمِن ولا يغني من جوع، وبدلاً من التحريض نتمنَّى أن يقوموا بالتوفيق بين الفرقاء المتخاصمين أو المتقاتلين؛ ليكون أبناء الوطن والأمة على قلب رجل واحد، يتجهون إلى غاية كريمة وسامية، هي حرية الأمة وعزتها واستقلالها.. أما التحريض من خلال صلاة الجمعة فهو مرفوض ومستنكَر بكل المقاييس، ويجعل صلاة الشيوعي باطلة!!

----------

*Drhelmyalqaud@yahoo.com