الصورة غير متاحة

د. جمال نصار

كانت الحكاية يوم الثلاثاء 13 مارس 2007، وانتهت 16 سبتمبر 2007م من مزرعة طرة إلى وادي النطرون (2)، وهي تقريبًا حكاية كل سياسي في مصر، وكل مشغول بالرأي العام، يريد لبلده ووطنه العز والتقدم والازدهار.

 

وبدأت الحكاية باتصال الإعلامي طارق الشامي بكاتب هذه السطور مساء الإثنين 12 مارس، وأخبرني بالقبض على الأستاذ الدكتور محمود غزلان- الأستاذ الجامعي وعضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين- فنزل الخبر عليَّ كالصاعقة، وتأكدت من ابنه الأستاذ محمد غزلان، وقال لي إن الجيران خرجوا للتنديد بالقبض على والده؛ مما أزعج ضباط أمن الدولة والقوة المرافقة لهم.

 

وفي منتصف ليلة الثلاثاء 13 مارس استيقظَت زوجتي وأبنائي على طرْق زوَّار البيت؛ حيث لم أكن موجودًا بالبيت في حينها، وقاموا بتفتيش البيت، ولم يتركوا مكانًا إلا بحثوا فيه، حتى دورة المياه لم تسلَم من البحث عنِّي، وأخذوا كالمعتاد بعضَ الأوراق الخاصة، منها بحثٌ تقدَّمت به في المؤتمر السنوي للجمعية الفلسفية المصرية في ديسمبر 2006م بعنوان (الوطن والمواطنة في فكر الإمام البنا).

 

وحينما علمت في الصباح بمداهمة منزلي، أخبرتُ زوجتي بإعداد حقيبة فيها لزوم السفر المفاجئ، ثم ذهبت وسلَّمت نفسي إلى مقرِّ أمن الدولة بالجيزة ظُهر نفس اليوم، وبعد حديث مع ضابط أمن الدولة أنزلوني في زنزانة، وإذا بي أرى الأستاذ الدكتور محمود غزلان.. الأستاذ الجامعي.. يفترش الأرض، وبعد قليل أخرجوا الدكتور محمد سعد عليوة- استشاري المسالك البولية- من زنزانة مقابلة، وذهبوا بنا إلى الصندوق الحديدي المسمَّى سيارة الترحيلات للذهاب إلى نيابة أمن الدولة العليا بالتجمع الخامس، وهناك التقيت بالدكتور مصطفى الغنيمي الأمين العام لنقابة أطباء الغربية، وبصحبته الأستاذ محمد السروجي مدير مدرسة الجيل المسلم بطنطا، وكذلك الدكتور محيي حامد استشاري الأنف والأذن والحنجرة بالزقازيق، والإعلامي محمد القصاص من القاهرة.

 

وحينما دخلتُ على رئيس النيابة (المحقِّق) قال لي: أنت متَّهَمٌ بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين (المحظورة)، فقلت له: تسمح لي بقراءة محضر التحريات، فاستجاب، ونظرت إلى الاتهامات التي سطَّرها النقيب "أسامة الجبالي"، وكان منها:

- الانتماء لجماعة الإخوان المسلمين (المحظورة قانونًا) أقصد شرف الانتماء، والاتصال برموز المجتمع والكتَّاب لتهييج الرأي العام، وكتابة المقالات التي تحضُّ على كراهية النظام، وتكدير الأمن العام، ومحاولة قلب نظام الحكم، وغيره من الافتراءات التي سطَّرها ضابط أمن الدولة (أو بمعنى آخر كُتبت له)، ولفت انتباهي عدة أمور، منها:

* أن الضابط الذي قام بالتحريات وصف معلوماته بأنها حسَّاسة ودقيقة وسرية، فقلت لرئيس النيابة: كيف كانت حساسة ودقيقة وسرية؟! فقال طالما أنه قال ذلك فقد صدق، فتعجبت من تسليمه التامّ لكلام ضابط أمن الدولة!!

 

* هل الإنسان يحاسب على فكره ونيته، والتزامه بإسلامه، وتُقيَّد حريته بدعوى تكدير الأمن العام، فقلت في نفسي: إذًا علينا ألا نفكر، وهل هؤلاء الأخيار والشرفاء يسبِّبون تعطيل الدستور (طبعًا قبل التعديل) لك الله يا مصر!!

 

* أن الأصل في كل مَن يخالف الحزب الحاكم في سياسته وفكره وأسلوبه، فهو يدعو إلى إثارة الرأي العام، وكراهية النظام، وتكدير الأمن العام، ومخالفة الدستور، وعليه أن يستعد لملاقاة عقابه!!

 

* أن النظام الحاكم لا يراعي في مواطنيه إلاًّ ولا ذمةً، ويُسخِّر كلَّ مؤسسات الدولة لخدمة أغراضه، وليس لخدمة الشعب، مستخدمًا الأسلوبَ الأمنيَّ والقمعيَّ لكل مَن تسوِّل له نفسه عدم الرضا والتسليم لما يقوم به هذا النظام.

 

* أن كل من يدعو إلى الإصلاح والتغيير بشكل دستوري وسلمي جزاؤه الحبس والاعتقال، طالما أن النظام الحاكم ليست لديه الإرادة الحقيقية للإصلاح، ويتعامل مع كل المعارضين السياسيين بالاعتقال والتنكيل والإبعاد تارةً، والتشويه الإعلامي تارةً أخرى.

 

رسائل قصيرة

- إلى كل الشرفاء والمبعَدين في سجون مصر، والمغيبين عن أولادهم وزوجاتهم.. كل عام وأنتم إلى الله أقرب وعلى طاعته أدوم، وأخصُّ بالذكر المهندس خيرت الشاطر وإخوانه، والدكتور محمود غزلان وأحبابه، وكل الإخوان الكرام في مزرعة طرة، والدكتور عصام العريان وإخوانه، وكل من التقيت به من الإخوان في مزرعة طرة، ووادي النطرون (2)، وغيرهم من المعتقلين.

 

- إلى كل المسئولين عن الظلم الواقع على المعتقلين والمحبوسين والمحالين إلى المحاكم العسكرية من الإخوان وغيرهم.. تذكَّروا يوم العرض الأكبر أمام أحكم الحاكمين، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وأن الدنيا إلى زوال.

 

- إلى بعض الكُتَّاب والصحفيين النشاز، الذين خرجوا عن كل آداب المهنة، واستخدموا المؤسسات القومية في خدمة أغراض أي نظام فاسد، وتشويه صورة الشرفاء من أبناء مصر، أقول لهم: اتقوا الله، واعلموا أن خطورة الكلمة قد تهوي بصاحبها في نار جهنم..
والعاقبة للمتقين

-------
*
nassareg2000@yahoo.com