د. خالد عودة

بعض الدول مهيأة بشكلٍ أفضل لتخطي التغيرات المناخية التي ستؤثر على الزراعة والتجارة والسكن والفقر، بينما البعض الآخر ليسوا مهيئين لمثل ذلك، ولتحديد الدول المهيأة والدول غير المهيأة طلبت اللجنة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي التابعة للأمم المتحدة إلى بعض العلماء تحديد البلدان المُعرَّضة للتأثر بهذه التغيرات المناخية.

 

وقد وضع مركز الشبكة الدولية لعلوم الأرض مقياسًا لتصنيف الدول وفقًا لمدى استعدادها للتكيف مع التغيرات المناخية بالنظر إلى تعرضها الطبيعي لأعراض الاحتباس الحراري العالمي المتوقعة، ولا يعتمد هذا المقياس على طول السواحل التي تطل عليها الدول أو مدى وقوعها في نطاق العواصف أو الفيضانات أو طوبوغرافية السطح في هذه الدول (أقل أو أعلى من مستوى سطح البحر)، وإنما يعتمد فقط على مدى قدرة هذه الدول اقتصاديًّا وعلميًّا واجتماعيًّا على مقاومة هذه التغيرات أو التكيف معها.

 

وتبرز القائمة التي تمَّ تصنيفها مفارقةً كبيرةً فيما يتعلق بالتغير المناخي، وهي أن أكثر الدول الباعثة للكربون هي أكثر الدول المستفيدة الأولى أو بمعنى آخر هي أقل الدول خسارةً مع ارتفاع درجة حرارة الأرض، بينما أقل الدول الباعثة للكربون هي أكثر الدول خسارة؛ فالولايات المتحدة هي أكثر دول العالم مصدرًا لانبعاث غاز ثاني أكسيد الكربون؛ حيث يعزى إليها نحو 20% من كمية الانبعاثات السنوية في العالم، ومع ذلك فقد وضعت في القائمة ضمن العشر دول الأولى الأكثر استفادةً أو الأقل خسارةً بالتغيرات المناخية، ويأتي قبلها دول البلطيق كالسويد وفنلندا والنرويج ثم سويسرا وكندا ونيوزيلاندا واليابان..

 

وكل هذه الدول هي دول اقتصادية غنية لديها الإمكانات العلمية والاقتصادية للتكيف بنجاح مع تهديدات الاحتباس الحراري العالمي من خلال تصميم أنظمة إخلاء فعالة، أو بناء جدران بحرية، فاليابان مثلاً لديها نظام تحذير متطور يصدر إنذارات قبل هبوب العواصف أو حصول مدٍّ بحري خطير، كما أن بعض البلدان الميسورة الأخرى كهولندا لديها إمكانيات التكيف مع زيادة الحرارة فقد أمضت قرونًا في التكيف مع أراضيها المنخفضة عن سطح البحر، كما لديها مواهب علمية في هذا الشأن وخبرات كبيرة حول تأثير ارتفاع مستوى البحار على السدود والحواجز الموجودة أصلاً، كما أن الدول الأكثر تقدمًا قد تتمكَّن من تفريغ المياه الراكدة والتخلص من العوامل الأخرى الناشئة عن ارتفاع الحرارة المسببة للأمراض.

 

وباختصار فإن الدول المتقدمة علميًّا هي التي تتمتع بإمكانات إدارة بيئية متطورة مما يجعلها مؤهلةً لاتخاذ إجراءات ليس فقط للحدِّ من انبعاثات الغازات المسببة للاحترار العالمي، وإنما أيضًا لإنشاء بنى ستؤمن دفاعات ضد التأثيرات المحتملة للتغيُّر المناخي، سواء من خلال بناء جدران بحرية أو مساعدة المزارعين على تغيير الأنماط الزراعية.

 

 الصورة غير متاحة

أما البلدان الفقيرة والمتخلِّفة علميًّا فقد جاء ترتيبها متأخرًا في اللائحة؛ واعتُبرت سيراليون والبنجلاديش والصومال وموزمبيق وإثيوبيا من أكثر الدول خسارةً بالتغيرات المناخية، فهذه الدول فقيرة، وليس لديها الخبرات العلمية لمواجهة مثل هذه التغيرات، وسوف تنتشر فيها الفيضانات المدمرة، كما أن ارتفاع الحرارة سوف يساعد على تفشِّي الكوليرا في بلدان إفريقيا الشرقية مثل موزمبيق والصومال.

 

أما في بنجلاديش فقد دلَّت الدراسات على أن مياه البحر سوف تغزو جزءًا كبيرًا من البلاد؛ حيث إن 50% من أرضي بنجلاديش تنخفض عن سطح البحر بمقدار نصف متر، كما أن الحكومة قد فشلت في إخلاء السهول الفيضية قبل حدوث الأعاصير؛ لأن المزارعين الفقراء رفضوا ترك مواشيهم.

 

وفي دراسة مقارنة حديثة لفريق بحثي دولي برئاسة ساسميتا داسجوبتا Susmita Dasgupta (فبراير 2007م) حول تأثير ارتفاع منسوب البحار والمحيطات على 84 دولةً من الدول النامية التي تقع أراضيها على سواحل بحرية- باستخدام خرائط الأقمار الصناعية موقع البيانات والمعلومات الجغرافية والطوبوغرافية والاقتصادية والزراعية والصناعية والبشرية- اتضح أن زيادةً مقدارها متر واحد في منسوب أسطح البحار والمحيطات سوف يكون من شأنها اجتياح مساحةٍ تُقدَّر بنحو 194000 كم2؛ مما سيتسبَّب في تحويل نحو 56 مليون مواطن في هذه الدول إلى لاجئين بفعل البيئة.

 

وتبيَّن من الدراسة أن أكثر الدول تضررًا في شرق آسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا هي دول فيتنام- ومصر- وموريتانيا- وجوانا- وجوانا الفرنسية- وتونس- ودولة الإمارات- وجزر البهاما.

 

أما بنجلاديش وسيرلانكا فتعدان من أكثر الدول تضررًا في جنوب آسيا، وقدّرت الدراسة بنزوح نحو 10.5% من إجمالي عدد السكان في مصر وفيتنام من أراضيهم واعتبارهم في حكم اللاجئين.

 

والأمر لا يقتصر على الفقر، وإنما يتسبَّب التخلُّف العلمي في خسارة دول ذات اقتصاديات عالية؛ بسبب ضعف مستوياتها العلمية وعدم وجود برامج تتيح لها التكيف مع التغيرات المناخية، ومثال ذلك دول الجزيرة العربية التي يرتفع فيها مستوى دخل الفرد كالمملكة العربية السعودية مثلاًً، فإنها تحتل المرتبة 49، مع أن مستوى الدخل الفردي يبلغ 12000 دولار في السنة، وهي تأتي متخلِّفة عن قرغيزستان التي يبلغ الدخل الفردي فيها 1700 دولار في السنة.

 

والسبب في ذلك أن السعودية لا تحسن إدارة الموارد المائية مع عدم وجود برامج بيئية تُمكِّنها من التكيف؛ مما يجعلها معرضةً للمزيد من الجفاف مع تغير أنماط هطول الأمطار.

 

وعلى الجانب الآخر فدولة مثل كوستاريكا تتقدم على الدول المجاورة وتحتل المرتبة 37 لأنها أولت اهتمامًا أكبر لبيئتها في الماضي من خلال حماية ريع أراضيها بمحمياتٍ طبيعية، كما أنها قادرةٌ على مواجهة التحديات المستقبلية مثل تحسين عمليات الإخلاء عند حصول زوابع مع اشتداد العواصف.

 

وهكذا فإن قدرة البلدان على التكيف مع الاحترار العالمي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باهتمامها بالبيئة عمومًا.

 

ماذا أعدت مصر للتكيف مع هذه التغيرات المناخية؟

نأتي إلى مصر، فبالرغم من إنشاء وزارة مختصة بالبيئة- إلا أن اهتمامات هذه الوزارة ما زالت مقتصرةً على حماية سماء القاهرة من السحابة السوداء، وحماية التراث الطبيعي من أحياء وحفريات من خلال إنشاء عددٍ من المحميات التي بلغ عددها نحو 26 محميةً، إلا أنه لا توجد أي فعاليات لحماية الهواء من عوادم المصانع، أو مياه النيل من التلوث الناشئ من إلقاء المخلفات الصناعية، أو التربة الزراعية من آثار التسمم من المبيدات الزراعية، أو شواطئ البحار من النحر البحري!

 

ولا توجد لدى الحكومة أية مؤشرات على تطوير البنى الاقتصادية التي تُتيح لها مواجهة تحديات التغيير المناخي، سواء من خلال بناء الجدران والحوائط البحرية أمام الشواطئ أو مساعدة المزارعين على تبني أنماط جديدة من المحاصيل الزراعية والدورات الزراعية التي تتناسب مع التغيرات المناخية القادمة، كما لا توجد برامج لإخلاء السكان أو نقلهم إلى مجتمعات جديدة، أو لإنذار السكان قبل هبوب العواصف أو حدوث المد البحري!

 

كما لا توجد دراسات كاملة عن الآثار الاقتصادية أو الاجتماعية التي يمكن أن تنشأ عن التغيرات المناخية المتوقعة، مع العلم بأن تحذيرات اللجنة الحكومية الدولية لدول العالم ترجع إلى التسعينيات.

 

كما أن نتائج البحوث والدراسات قد بدأ نشرها تحت مظلة الأمم المتحدة منذ عام 1996م، ووضعت هذه اللجنة السيناريوهات المختلفة لتأثير هذه التغيرات المناخية على دول العالم، وأهمها السيناريوهات المطورة عام 2001م، وما زالت نتائج البحوث بغرض تطوير هذه السيناريوهات ترد تباعًا إلى الأمم المتحدة ويتم تداولها عبر شبكة الإنترنت، والمؤتمرات الدولية على قدمٍ وساق، والعلماء منهمكون في الدراسة والتحليلات؛ بينما المسئولون في مصر لا ينظرون إلى هذه التهديدات الطبيعية بجدية، ومن المسئولين الوزراء نجد مَن ينكر هذه التغيرات المناخية، وكأنها مباراة سياسية بين الحزب الحاكم والمعارضة، أما الجامعات ومراكز البحوث المصرية فقد سيطرت عليها السياسات النفعية الحزبية والشخصية، ولم يعد هناك مجال لنمو البحث العلمي أو لتفريخ الباحثين في مصر.

 

وحتى فبراير 2007م لم تكن هناك آذان صاغية في مصر للتحذيرات الدولية حول التغيرات المناخية، وقبل ذلك كانت وزارة البيئة تركز اهتماماتها على استبدال الوقود التقليدي بالغاز الطبيعي تحت دعوى اعتماد التكنولوجيا النظيفة وتحقيق آلية للتنمية النظيفة في مصر، وتم تشكيل اللجنة الوطنية للآلية خلال مارس 2005م والتي بدورها اعتمدت مشروعات الطاقة الجديدة والمتجددة من خلال تحويل الوقود التقليدي إلى الغاز الطبيعي، إلا أن هذه السياسة لن تجدي نفعًا في تلافي آثار الاحتباس الحراري العالمي، فهي تهدف إلى تقليل نسبة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون وبعض الغازات الأخرى السامة، إلا أن الغاز الطبيعي- شأنه شأن البترول والفحم الحجري- يعد أحد مصادر انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، وإحلال الغاز الطبيعي محل الوقود التقليدي في كل دول العالم- بافتراض توفر الغاز الطبيعي من ناحية، ووجود سياسة عامة دولية تحظر استخدام أنواع الوقود التقليدي من ناحية أخرى- لن يتيح سوى نافذة يتراوح مداها بين 20 و30 عامًا، وهو مدى لا يتفق مع الأموال الطائلة التي سوف تنفَق على تخفيض الانبعاثات.

 

كما أن قيام جميع دول العالم الثالث مجتمعةً- بما في ذلك مصر- بتخفيض مستوى انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون لا يخفِّض سوى 10: 15% من حجم الانبعاثات السنوي في الغلاف الجوي، فالدول الكبرى الغنية هي التي تنبعث منها 60: 65% من حجم الغازات السنوي، بينما حرائق الغابات المدارية والبراكين النشطة السطحية ينبعث منها 20: 25% من الغازات، أما البراكين "تحت السطحية" فمن غير المعلوم الكم الهائل من الغازات التي تنبعث منها في قيعان البحار والمحيطات.

 

وهذا يعني أننا يجب أن ندرس الاقتراحات التي تساعد على التكيف مع الظروف المناخية بدلاً من إنفاق المليارات من أجل تخفيض الانبعاثات الكربونية؛ حتى لا يتحوَّل الأمر إلى نوعٍ من الابتزاز الدولي، فكلنا نعلم أن الدول المتقدمة صناعيًّا هي التي سوف تتولى تصدير التكنولوجيا الجديدة النظيفة إلى الدول الفقيرة، بما في ذلك استخدام المفاعلات النووية للحصول على الطاقة النظيفة، وأن الدول الفقيرة هي التي ستتولَّى عبء سداد تكلفة هذه التكنولوجيا دون أن يكون ذلك مؤثرًا في الحدِّ من الاحتباس الحراري العالمي، كما أنه لن يحُول دون وقوع المتغيرات المناخية، والأجدى من ذلك هو أن تقوم مصر وغيرها من الدول الفقيرة باستخدام هذه المليارات- سواءٌ أكانت مملوكةً لها أم هبةً من الدول الكبرى- في إعداد الترتيبات اللازمة للتكيف من الظروف المناخية الجديدة.

 

والحكومات هنا عليها دور كبير في تقديم الدعم للقطاعات الحساسة للتغير المناخي، مثل الزراعة والسياحة، وكذلك في إعادة تصميم المناطق الحضرية الواقعة على السواحل لمواجهة ارتفاع مستويات البحار، وتصميم الدفاعات الإنشائية الجديدة كالحواجز والسدود، ووضع آلياتٍ جديدة لسحب المياه الراكدة، والحد من استهلاك مياه الشرب وتحسين إدارة الموارد المائية، وحماية الأراضي المنخفضة، ووضع برامج الإخلاء عند حدوث زوابع أو مد بحري.

 

مصر في مهبّ التغيرات المناخية

المشكلة في مصر مزدوجة، فإمدادات المياه العذبة من الجنوب إلى الشمال سوف تقل نتيجةَ الجفاف الذي سيعتري دول منابع النيل بسبب ارتفاع درجة الحرارة، أما مياه البحر الأبيض المتوسط فسوف تغزو الجزء الشمالي من دلتا نهر النيل وتتجه نحو جنوب الدلتا بسبب ارتفاع منسوب سطح البحر.

 

فزيادة نسبة التبخر في المناطق الإستوائية وشبه الإستوائية سوف تؤدي إلى انخفاض كمية مياه نهر النيل، ومن ثم انخفاض حصص الدول المستفيدة، الأمر الذي تتضاءل معه فرص التنمية بالدول القاحلة وشبه القاحلة، وعلى الرغم من أن تأثير التغيرات المناخية على منابع نهر النيل ما زال غير مؤكد ويتراوح ما بين زيادة في كمية الأمطار تصحبها فيضانات في الحبشة والسودان ومصر يليها فترة جفاف، أو نقص في كمية الأمطار مع زيادة في معدل التبخير، إلا أن السيناريو المرجح هو زيادة معدلات التبخير مع ثبات كمية الأمطار على هضاب الحبشة والتي تشكل نحو 85% من مصادر مياه النيل.

 

ومع زيادة معدلات التبخير تقل حصة مصر من مياه النيل، خاصةً أن جزءًا لا بأس به يُمثِّل نحو 20% من الحصة المقررة لمصر يتبدد في أراضي جنوب السودان قبل دخول النيل مصر- لكثرة التفرعات وضيق المجري الأصلي، فلو أضفنا إلى ذلك زيادة عدد السكان المتوقعة والتي تُقدَّر بنحو 100% في عام 2050م وأكثر من 200% عام 2100م، ومن ثم زيادة الطلب على المياه للأغراض الزراعية والصناعية- فإن ذلك يعني انخفاضًا في حصة الفرد من المياه بأكثر من 66% عام 2100م.. هذا مع العلم بأن 95% من المياه الطبيعية التي تُغذي مصر تأتي من نهر النيل.

 

أما تأثير هذه التغيرات المناخية على شمال الدلتا فهو أمرٌ لا مفرَّ منه، فقد أجمعت السيناريوهات المصممة بمعرفة اللجنة الدولية الحكومية للتغيرات المناخية، والمؤسسات البحثية الأخرى على أن النطاق الساحلي في مصر يقع ضمن مناطق الخطر الكبرى التي سينالها النصيب الأكبر من التغييرات المناخية في العالم، فالنطاق الساحلي في مصر يمتد نحو 3500 كيلو متر طولاً بمحاذاة البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، وهو يضم نحو 40% من عدد سكان مصر، والغالبية العظمى من هؤلاء السكان يتمركزون في عددٍ صغيرٍ من المدن المطلة على السواحل مثل الإسكندرية وبورسعيد ودمياط ورشيد والسويس.

 

وهذا النطاق الساحلي ذو أهمية كبيرة من الناحية الاقتصادية والصناعية والاجتماعية؛ فهو يضم نحو 80% من الصناعات المصرية، كما أنه مورد لنحو 60% من الثروة السمكية بمصر، وإلى جانب الأهمية السياحية فإن هناك اتجاهًا متزايدًا لنمو صناعات كبرى مثل إنشاء المفاعلات الذرية في بعض مناطق الساحل الشمالي.

 

وتتجسد خطورة التغيرات المناخية على مصر بصورةٍ أوضح في النطاق الساحلي الممتد شمال دلتا النيل بين بورسعيد شرقًا والإسكندرية غربًا، فهذا النطاق هو الأكثر عرضةً للتأثر بالتغيرات المناخية وأهمها ارتفاع منسوب سطح البحر- نظرًا لانخفاض طوبوغرافيته من ناحية، وطبيعة تربته من ناحية أخرى، فهو يُمثِّل القوسَ الشمالي لدلتا نهر النيل، وأراضي الدلتات هي أراضٍ طينية رطبة، تتميز بوفرة المياه الجوفية بالقرب من السطح، وقابليتها للانخفاض المستمر بمرور الزمن باستمرار ترسيب الطمي الوارد من نهر النيل بفرعيه، ويُشكِّل الطمي والغرين المحمول بمياه النيل سدودًا طبيعيةً أمام مياه البحر؛ حيث إن الماء المالح له القدرة على ترسيب حمولة الأنهار عند المصبات، ومن ثَمَّ تنشأ سدود طبيعية بين مياه النهر ومياه البحر، فلا يبغي أحدهما على الآخر.

 

وكلما كانت أراضي الدلتا أكثر ارتفاعًا من مستوى سطح البحر، زحفت الرواسب الطبيعية من الطمي والغرين في اتجاه البحر فتزيد بذلك مساحة الدلتا بينما تنحسر مياه البحر إلى الخلف، والعكس صحيح، كلما انخفضت أراضي الدلتا عن مستوى البحر، زحفت مياه البحر إلى الأمام لتغطي جزءًا من شمال الدلتا، فتنحسر بذلك مساحة الدلتا.

 

والتاريخ الجيولوجي للدلتا الحالية يوضح لنا أن رواسب الدلتا التي حملها نهر النيل زحفت تدريجيًّا إلى الأمام (الشمال) باستمرار انحسار البحر الأبيض المتوسط خلال غالبية العهد البليوسيني منذ نحو 3.9 مليون عام حتى استقرَّت حدودها الشمالية الحالية في بداية العهد البلستوسيني منذ نحو 1.8 مليون عام، إلا أنه من المؤسف أن رواسب الطمي والغرين التي يحملها النهر تترسب الآن في بحيرة السد خلف السد العالي بأسوان، ولم يعد هناك مدد طبيعي مستمر لهذه الرواسب يصل إلى الدلتا، ومن ثَمَّ فإن التربةَ لا تتجدد وأصبحت عرضةً للتآكل بفعل عوامل النحر الجوية والبحرية.

 

والدراسات الحديثة في مصر تؤكد أن أجزاءً من أراضي الدلتا الواقعة حول البحيرات قد تملحت بالفعل، وأن مياه البحر قد تخللت التربة في الأجزاء الشمالية من الدلتا مما قلل من كفاءة ونوعية المياه الجوفية- هذا بالإضافة إلى عمليات التجريف التي أحدثتها يد الإنسان والتي أدت إلى تقليص المساحة المنزرعة (انظر بحوث المؤتمر الدولي على التغيرات المناخية وتأثيرها على النطاق الساحلي ودلتا النيل- المنعقد بالإسكندرية- أبريل 2007).

 

وباختصار فإنه يمكن القول بأن الساحل الشمالي للدلتا المصرية يعاني من أمراض عدة قبل الدخول في أي تفاصيل حول تأثير التغيرات المناخية المتوقعة خلال هذا القرن، فهو يعاني من مشاكل بيئية خطيرة أهمها: ارتفاع الكثافة السكانية، ارتفاع معدل النمو السكاني، الهبوط الأرضي المستمر، ارتفاع معدلات النحر، غزو المياه المالحة للتربة واختلاطها بالمياه الجوفية، تملح التربة، زيادة التلوث البيئي من مخلفات المصانع والمخلفات الآدمية، عدم وجود برامج حكومية لتحسين البيئة، ونقص مياه الشرب التي يعاني منها الآن سكان بحيرة المنزلة وكفر الشيخ- ما هي إلا ارهاصات بدء التغير المناخي.

 

وهذه الأمراض تقلل من فرص النجاة من تأثير التغيرات المناخية، ما لم تعمل الحكومة من الآن فصاعدًا على تنفيذ برامج الحماية والتكيف مع هذه التغيرات، فالدراسات الدولية تجزم بأن مناطقَ شاسعةً من محافظات الإسكندرية والبحيرة وبورسعيد ودمياط سوف تتعرض للغرق نتيجة غزو مياه البحر الأبيض المتوسط، هذا بالإضافة إلى مناطق أخرى صغيرة منفصلة بالقرب من الساحل الشمالي مثل خليج السلوم، ومنطقة عبيدة بالقرب من مرسى مطروح، وشمال بحيرة البردويل، كما أن هناك تغيرًا على مستوى مصر في أنماط الأمطار والرياح الموسمية، وزيادة مضطردة للعواصف، ونقص حاد في موارد المياه العذبة، وتقلص في مساحات الأرض الزراعية؛ مما يؤدي إلى زيادة التصحر بحلول عام 2050م.

 

وطبقًا للمعالجات البيانية من خلال البرامج الإلكترونية التي تمت تحت إشراف اللجنة الحكومية الدولية للتغيرات المناخية IPCC فإن الزيادة المتوقعة لمنسوب البحار تتراوح بين 10سم و88 سم خلال الفترة من عام 1990 حتى عام 2100، وأن متوسط ارتفاع سطح البحر في السيناريوهات المختلفة هو 48 سم. وأن هذا الارتفاع يرجع إلى التأثير الحراري المتوقع والكمية المفترضة للثلوج الذائبة، دون أي اعتبارات أخرى. ومعنى ذلك أن هذا المتوسط قابل للزيادة بفعل العواصف التي قد تنشأ بسبب التغيرات المناخية. كما أن هذا المتوسط لا يعبر عن كمية المياه التي ستغزو السواحل المطلة على البحر أو المحيط. فالكمية تتوقف على طوبوغرافيا السواحل.

 

فإذا كانت هناك يابسة ما تعلو سطح البحر بمقدار أكبر من المتوسط العام للارتفاع المتوقع لمستوى سطح البحر فإنها ستنجو من الغرق، أما إذا كانت هناك يابسة يقل ارتفاع سطحها عن المتوسط العام لارتفاع مستوى سطح البحر فإنها ستتعرض لغزو بحري عنيف يفوق فيه ارتفاع الماء المتوسط العام لارتفاع مستوى سطح البحر.

 

وحيث إن أراضي الدلتا المصرية تمثل 25% من جملة الأراضي الرطبة المنخفضة حول حوض البحر الأبيض المتوسط- لذا فإنه من المتوقع أن تستقبل هذه المناطق كمية الماء الزائد في البحر الأبيض المتوسط دون غيرها من المناطق المرتفعة. وبمعنى آخر فإن الماء الزائد في البحر سوف يتدفق نحو الأراضي الساحلية المنخفضة بكميات تختلف باختلاف مساحات هذه الأراضي، ودرجة انخفاضها الطوبوغرافي، وموقعها الجغرافي بالنسبة لمضيق جبل طارق وهو المضيق الذي يمكن التحكم من خلاله في كمية المياه الواردة إلى البحر الأبيض من المحيط الأطلنطي.

 

لهذا فإن بعض الخبراء يشيرون إلى إمكانية عمل قنطرة على جبل طارق للتحكم في كمية المياه الواردة من المحيط الأطلنطى. لكن هؤلاء الخبراء لم يقولوا لنا من الذي سيتحكم في هذه القنطرة؟ وكيف يمكن لدول البحر الأبيض المتوسط أن تأمن على مصالحها من ملاك جبل طارق أو أصحاب القرار في فتح القنطرة أو إغلاقها؟ وكيف للدول المعرضة للغرق ومن بينها مصر أن تعيش في ظل الابتزاز الدائم والمستمر من جانب أصحاب المصالح في جبل طارق؟

 

والحل الأمثل والصحيح هو بدء الإجراءات من أجل مقاومة هذه التغيرات المناخية بمعاونة الأمم المتحدة. ووضع برنامج قومي يعتمد على سياسة إستراتيجية لحماية الشواطئ والتأقلم على التغير المناخي. مع ضرورة التعاون الدولي مع كل دول حوض البحر الأبيض لوضع سياسة مشتركة لدول الحوض حتى لا تضار دولة لحساب دولة أخرى- فالخطر يداهم الجميع ولا بد من تداركه من خلال سياسة مشتركة متفق عليها حول البنى المخصصة كدفاعات عن السواحل، وأنسب الطرق لنزح المياه الزائدة من على اليابسة وطرق تصريفها، ومقاومة الأمراض المتوقع انتشارها.

 

ولكي نقدر أهمية الموقف فإنني أسوق للقراء النتائج التي يتوقعها فريق من علماء البيئة في النمسا ومصر بالنسبة للدلتا المصرية من جراء تأثير التغيرات المناخية خلال القرن الحالي (انظر الراى وآخرين 1995، 1996، 1997، El-Raey et al.,- الخولي 1955- استرزبك وآخرين 1996، Strzepek et al.,) والتي يلخصها الراى 1996 في Environmental software and services Gmbh Australia:

 

أولاً: سيتعرض النطاق الساحلي الشمالي لمصر إلى تغيرات خطيرة نتيجة زيادة منسوب سطح البحر الأبيض المتوسط. وأن هذه التغيرات سوف تتركز في المناطق المنخفضة من شمال الدلتا، حيث تشمل مساحات شاسعة من محافظات الإسكندرية والبحيرة ودمياط وبورسعيد.

 

ثانيًا: إن مدينة الإسكندرية وهي من أقدم المدن على ساحل البحر الأبيض، ومن أهم المدن السياحية والصناعية والتجارية، والتي تمتد على طول الساحل بنحو 60 كيلو مترًا اعتبارًا من خليج أبي قير شرقًا إلى سيدي كرير غربًا، ويتركز فيها نحو 40% من الصناعات المصرية، هي أكثر المدن تضررًا من ارتفاع منسوب سطح البحر. حيث أوضحت السيناريوهات المصممة بناءًا على المعلومات المتاحة أن زيادة في منسوب سطح البحر بمقدار 50 سم سوف يتأتى عنها فقدان نحو 51% من جملة مساحة محافظة الإسكندرية، و48% من المواقع الأثرية، و20% من الأسواق التجارية، و90% من جملة الأراضي الزراعية بالمحافظة، و65% من جملة المصانع بالمحافظة. كما يترتب عن هذه الأضرار تشريد 1.5 مليون شخص في الإسكندرية وحدها، كذلك فقدان نحو مائتي ألف وظيفة بحلول منتصف القرن، كما سيخسر القطاع السياحي نحو 55% من حجمه الحالي.

 

وتندرج هذه الخسائر والأضرار بمرور الوقت اعتبارًا من عام 2010 حتى عام 2050 على النحو التالي:

 الزيادة في منسوب البحر  العام  خسائر المساحة  الخسائر البشرية  عدد الوظائف المفقودة
 18 سم  2010  144 كم2  252000  32509
 30 سم  2030  190 كم2  545000  70465
 50 سم  2050  317 كم2  1501200  195443

 

أما في بورسعيد فتقدر جملة الخسائر البشرية بنحو 28191 نسمة، والخسائر في عدد الوظائف 6759 وظيفة وخسائر المساحة بنحو 23 كيلو مترًا مربعًا بينما تتعرض دمياط إلى خسائر فادحة ما زالت تقديراتها محل الدراسات الحالية- إلا أن المؤشرات تجزم بغرق مدينة دمياط ورأس البر وجمصة وما حول بحيرة البرلس وبحيرة المنزلة وبحيرة البردويل خلال الفترة من عام 2040 إلى 2050. ونظرًا لعدم إستواء طوبوغرافية المنطقة الساحلية الممتدة بين دمياط ورشيد فإن هذه المنطقة ستتحول إلى مناطق أشبه بالجزر المنفصلة تحيط بها المياه من كل مكان.

 

 الصورة غير متاحة

ثالثًا: أن الغزو البحري لمياه البحر شمال الدلتا سوف يدفع بالسكان إلى هجرة أراضيهم ومساكنهم ويقدر إجمالي عدد المهجرين المحتملين في حالة زيادة منسوب سطح البحر 50 سم بنحو 3.8 مليون شخص.

 

رابعًا: ما لم تتحقق إجراءات الحماية فإن القطاع الزراعي سوف يكون أكثر القطاعات ضررًا حيث تفقد 90% من مساحة الأراضي الزراعية الواقعة على الساحل الشمالي. فطغيان البحر والقصور في مصادر مياه الري سوف تجبر المزارعين على الهجرة.

 

خامسًا: جميع الشواطئ سوف تتقلص مساحاتها مما يقلص عدد السياح.

 

سادسًا: بالنسبة إلى مصر عمومًا فإن زيادة الحرارة مع قلة الموارد المائية المتوقعة سوف يؤدي إلى زيادة معدلات التصحر، وزيادة معدلات النحر الجوي، وزيادة نسبة الغبار الجوي مما يؤثر على الصحة العامة. كما أن التغير في متوسط درجة الحرارة سوف يؤدي إلى تغيير نظام الدورات الزراعية- علاوةً على النقص المرجح في كمية الإنتاج الزراعي بسبب ارتفاع الحرارة.

 

سابعًا: التغير في أنماط المطر على طول السواحل سوف يقلل من كمية المخزون المائي الجوفي لهذا الساحل. كما أن تداخل مياه البحر في التربة سوف يزيد من ملوحة الخزان الجوفي.

 

ثامنًا: التغير في النظام البيئي للبحيرات الساحلية سوف يؤدي إلى تقليص مهنة صيد الأسماك وكمية الأسماك.

 

تاسعًا: إن زيادة الحرارة والرطوبة ستؤدي إلى زيادة تدهور أحوال المناطق الأثرية في مصر.
عاشرًا: إن زيادة معدلات البطالة سوف يهدد النظام السياسي، كما أن نقص موارد المياه العذبة قد يدفع بالاحتكاك بين دول المنطقة.

 

هذا كله بافتراض زيادة منسوب سطح البحر بنحو 50 سم فقط، أما في حالة زيادة هذا المنسوب إلى 100 سم فإن الأمر يعد كارثةً بكل المقاييس؛ فسوف تغرق الإسكندرية كلها وتمتد المياه جنوبًا لتغطي غرب محافظة البحيرة حتى وادي النطرون، وشمال طنطا والمنصورة وشمال شرق الدلتا وجنوب بورسعيد بالإضافة إلى غرق مساحات شاسعة من محافظات الإسماعيلية والسويس والبحر الأحمر. وتقدر الخسائر البشرية في هذه الحالة بنحو 6.1 مليون شخص.

 

 الصورة غير متاحة

وعلى الرغم من أن مدنًا مثل الإسكندرية ودمياط وبورسعيد يمكنها التعايش في ظل ظروف بيئية شبيهة بالظروف الحالية لمدينة البندقية بإيطاليا- إلا أن التأقلم على مثل هذه الظروف يستوجب المئات من المليارات لإعادة تخطيط وسائل النقل والانتقال والتجهيزات الكهربية ووسائل الصرف والتغذية بمياه الشرب في هذه المدن. والمشكلة لا تكمن في النشاط البشري فحسب، وإنما أيضًا في النشاط الزراعي بسبب زيادة ملوحة الأرض الزراعية؛ الأمر الذي سوف يؤدي إلى تلف ملايين الأفدنة الزراعية الخصبة في شمال الدلتا.

 

فإذا أضفنا إلى ذلك النقص المتوقع لحصة مصر من مياه حوض النيل والذي يهدد بانخفاض حصة الفرد من المياه إلى النصف أو الثلث مع استمرار الزيادة السكانية بالمعدل الحالي وهو 1.8% فإن المشكلة تكون قد بلغت حدًّا من الخطر لا يمكن تجاهله أو الصمت عنه. ولا يخفف هذا الخطر المشروعات التي اعتمدها المجلس المصري للآلية النظيفة في أبريل 2007 بغرض ترشيد استخدام الطاقة وتحسين كفاءتها وتحويل الوقود التقليدي إلى الغاز الطبيعي بقصد تخفيض انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون. فهذه المشروعات وإن كانت تعمل على تحسين فرص المعيشة من خلال استخدام التكنولوجيا النظيفة- إلا أنه لا تأثير لها فيما ستتعرض له مصر من تغيرات مناخية، وكوارث بيئية في شمال الدلتا خلال هذا القرن. فزيادة الاحتباس الحراري لا مفر منها. ومن ثم فإن مصر تحتاج في الوقت الراهن وقبل فوات الأوان إلى مجلس قومي لمقاومة التغيرات المناخية والتفكير فيما بعد التغيير المناخي من خلال التنسيق بين الحكومة والمؤسسات الخاصة. لأنه بغض النظر عن الإجراءات التي تتبعها الدول في هذا الشأن- فإن سخونة الأرض حاصلة لا محالة.

 

مواقف الدول الكبرى من التغيرات المناخية

المؤسف أن هناك تناقضًا في مواقف حكومات الدول العظمى يحول دون توحيد سياسة الدول تجاه التغيرات المناخية. ومرجع هذا التناقض هو اختلاف آثار التغيرات المناخية بالنسبة للدول. فكما ذكرنا فإن دول الشمال هي أكثر الدول استفادةً من هذه التغيرات؛ حيث تحقق هذه التغيرات نوعًا من الازدهار الاقتصادي لهذه الدول. والولايات المتحدة الأمريكية تأتي على قائمة الدول المستفيدة. فبذوبان كتلة جرينلاند الجليدية التي تبلغ مساحتها نحو مليون كيلو متر مربع سوف تزداد فرص استخراج النفط والغاز الطبيعي قرب الشواطئ؛ حيث اتضح أن 25% من نفط وغاز كوكب الأرض موجود في القارة القطبية الشمالية، إذ تحتوى هدرات الغاز الطبيعي وهي بلورات صلبة شبيهة بالجليد محتجزة تحت الطبقة المتجمدة- تحتوى نظريًّا على طاقة أكثر من احتياطات النفط والغاز الطبيعي والفحم الحجري التقليدية مجتمعة. وفي هذا الشأن يقول توم لوفتوس السفير الأمريكى السابق لدى النرويج: ليس هذا نفطًا من الشرق الأوسط، قد يكون نفطًا مرتفعَ الثمن لناحية استخراجه، ولكن الثمن السياسي لاستخراجه بالنسبة إلى البرميل هو أقل سعرًا!.

 

كما أن صناعة النفط تستعد للازدهار قبالة الساحل الواقع فوق الدائرة القطبية. ولهذا فقد تم استنفار خطط شركة النفط الروسية المملوكة للدولة غاز بروم لتطوير حقل الغاز الطبيعي شتوكمان. كما تم اندماج كبريات شركات الطاقة النرويجية ستاتويل ونورسك هايدرو في شركة قومية كبرى بغرض استكشاف نفط المنطقة القطبية.

 

 الصورة غير متاحة

كما أن المنطقة بكاملها الممتدة من آلاسكا إلى الطرف الشمالي لسيبيريا بدأت تكتسب أهميةً اقتصاديةً وإستراتيجيةً جديدةً. كذلك فإن شركات الشحن تتحدث عن خطوط بحرية على مدى العام عبر قمة العالم، وهو ما سيخفض من عدد ساعات سفر الرحلات البحرية، وروسيا التي طالما كان نصفها أراضي جليدية غير مستكشفة ستجد حدودها الداخلية مفتوحةً على بعضها بعضًا فيما تتحول التندرا السيبيرية إلى مرج خصب.

 

كما بدأت الدول الثمانية المحاذية لمحيط القطب الشمالي تستبق حول كيفية الاستفادة من الموارد الطبيعية التي يغطيها اليوم الجليد القطبي باعتبارها ستصبح طرقًا بحريةً جديدةً في المنطقة العليا من العالم.

 

لهذه الأسباب... فإن الإدارة الأمريكية لا تلقى بالاً لما سيحدث في جنوب العالم فالمكاسب الاقتصادية العائدة عليها وعلى كندا ودول الشمال الأخرى تفوق الخسائر بكثير. ولهذا دأب الرئيس بوش على التقليل من شأن التغيرات المناخية وتراخت أمريكا كثيرًا فلم توقع على المراسيم الدولية التي تطالبها بالحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون. ويلخص عالم الاقتصاد البريطاني نيكولاس ستيرن في تقريره عن عام 2005 حول الاحتباس الحراري عن الاحتمالات المستقبلية لدول الشمال كالآتي:

 

"في مناطق واقعة على خطوط عرض عالية مثل كندا وروسيا وإسكندنافيا قد يؤدي التغير المناخي إلى مزايا واضحة من خلال محاصيل زراعية أوفر، ومعدلات وفيات أدنى في الشتاء، وتكاليف تدفئة أقل، وإمكانية انتعاش في القطاع السياحي".

 

وأغلب الظن أن الولايات المتحدة ستركز سياساتها حول إعادة تخطيط حدودها البحرية مع كندا في مناطق بحر البوقور بين يوكون وآلاسكا، وحول شق الطرق البحرية الشمالية والتفرغ لحفر الآبار في سواحلها الشمالية المحاذية للقارة القطبية الشمالية، أما الدنمارك فتضغط الآن من أجل إقرار تشريعات للتحكم في موارد جرينلاند الخاضعة لهم سياسيًّا.

 

كذلك فإن كندا تصر على اخضاع الممر الشمالي الشرقي- الذي سينشأ بعد ذوبان الجليد عبر الجزر المقابلة لليابسة الكندية- للسيطرة السياسية الكندية بينما تصر الولايات المتحدة على أنه سيكون ممرًا دوليًّا بحريًّا مفتوحًا أمام وسائل النقل البحرية والسفن الحربية لجميع الدول. أما روسيا فتدعي المطالبة بالقطب الشمالي كله أصلاً لدى الأمم المتحدة. وهي تريد أن تبدأ باستعمال ما تسميه الجسر القطبي- وهو طريق حول قمة العالم- لكن ليس لأغراض دفاعية بل إنها تريد أن تستعمل هذا الخط لتسريع وصول صادراتها من النفط والغاز إلى الأسواق الغربية. ولهذا فإنهم يتحدثون عن أيام عز مقبلة لميناء مورمانسك الروسي، وهو أحد المناطق الخالية من الجليد على مدار السنة. كما ينهمك الجيولوجيون في تعيين مساحة الرفوف القارية تحت الماء لبلدانهم وهو إجراء رئيسي يحدد من يمتلك ماذا من قاع البحار؟، حيث يتوقع العثور على موارد غنية من قاع البحر الشمالي لتعوض المخزون المتناقص من الأسماك في العالم.

 

وتقوم بلدان أخرى ميسورة بدراسة إمكانات التكيف مثل هولندا واليابان وذلك من خلال بناء الجدران البحرية والسدود والحواجز وتطوير نظم التحذير والإخلاء وإنشاء الدفاعات ضد التأثيرات المحتملة للتغير المناخي، كذلك مساعدة المزارعين على الاعتماد على محاصيل جديدة مع بروز التغيرات الزراعية. وعلى الرغم من أن بعض الولايات الزراعية الأمريكية قد تعاني طقسًا مرتفعَ الحرارة بصورة غير متناسبة- فإن قطاع الزراعة الأمريكى سيحقق زيادةً بنسبة 4% حتى عام 2009 حسب إحصاءات جامعة كاليفورنيا ومعهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا. وهو ما يدل على أن مستقبل الزراعة يعتمد على قدرة المزارعين على فهم التغيرات المناخية والتحكم فيها والتكيف معها للمستقبل. ولحسن الحظ فإن المزارعين يقومون بذلك منذ آلاف السنين (Newsweek, 8 Mai 2007).

 

ومع ذلك فإن الرابحين في الأمد القصير سيواجهون العقبات إن لم تستو درجات الحرارة عند مستوى معين قريبًا. ولكن إذا استمرت درجات الحرارة في التغير بصورة مفاجئة وحادة- خاصة بعد أن يتحرر الكربون المحتبس في القارة القطبية الشمالية، ويقل الأكسجين في أسطح البحار نتيجة امتصاص نحو 20% من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون- فإن النتيجة المتوقعة ستكون عواصف ورياحًا ونيرانًا في الغابات وفيضانات واختناقات وانقراضات للأحياء.

 

فأين مصر من كل ذلك؟ وماذا قدمت الحكومة المصرية؟ وهل يعلم المسئولون الحكوميون شيئًا عما سيحدث في العالم خلال النصف الثاني من هذا القرن؟ هل لهم دور أم أن مؤسسات مصر الجامعية والبحثية والمجمعات العلمية قد سقطت جميعها في براثن أهل الثقة من أعضاء الحزب الوطني بعد إقصاء العلماء والمفكرين وأهل الخبرة من الساحة في مصر؟.

هل من رشيـــد؟ ألا من نصيـــر؟

من ينقذ مصـــر؟.

-------------------------------

* أستاذ الطبقات والحفريات بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم- جامعة أسيوط، نائب رئيس الفريق الجيولوجي الدولي ورئيس الفريق الجيولوجي المصري، والمحبوس احتياطيًّا على ذمة الانتماء إلى "الجماعة المحظورة" منذ يناير 2007م.