هذا هو التحضير الأهم لمؤتمر الخريف المزمع عقدُهُ في واشنطن لتصفية القضية الفلسطينية والتطبيع مع الكيان الصهيوني، فمن المعروف أن هذا المؤتمر بشهادة الجميع (الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس) لا يهدف إلى مناقشة قضايا الحل النهائي، ولكنه اجتماعٌ عامٌ للتطبيع يضم "إسرائيل" ومعظم الدول العربية.
وللتجهيز للمؤتمر اعتبرت أمريكا و"إسرائيل" غزة كيانًا معاديًا، ولاحِظ معي الفرق في القول بأن حماس أو أي جهة كيان معادٍ، وبين غزة كيان معادٍ، وهو يعني استهداف كل القطاع، الأرض والشجر والحجر والبشر، وهي ليست سياسة العقاب الجماعي لسكان القطاع، بل سياسة الأرض المحروقة، يعني القطاع مستهدف لتدميره بالكامل؛ لأن هدف الكيان الصهيوني هو إسقاط حكومة حماس نهائيًّا، كما أعلنت الحكومة الصهيونية في اجتماعها الأخير، وهذا لن يتحقق في استهداف حماس فقط، ولكن في استهداف كل القطاع اقتصاديًّا وعسكريًّا.
والغريب أن تصريح غزة كيان معادٍ لم يصدر من حكومة الكيان الصهيوني فقط، بل بشَّرت به كونداليزا رايس أثناء زيارتها للكيان الصهيوني 19/ 9/ 2007م، في الطائرة الخاصة بها للصحفيين وهي تحضر لمؤتمر الخريف في واشنطن، في تناغم غريب وتوافق عجيب مع الكيان الصهيوني وكأن الأمر يصدر في واشنطن لتنفذه حكومة الاحتلال أو العكس يصدر القرار من حكومة الاحتلال وتنفذه واشنطن.
والأغرب والأعجب أن هذا القرار اتخذته حكومة فياض في رام الله التي عيَّنها عباس على اعتبار أن القطاع كيان معادٍ بقطعها الرواتب عن جزء كبير من الشعب الغزاوي، حتى طال أعضاءً من حماس في المجلس التشريعي، وكأن حكومة فياض تملك هذه الأموال وليس الشعب الفلسطيني، وتساند سياسة الحصار وإغلاق المعابر وقطع الكهرباء والوقود عن القطاع؛ حتى يصلوا إلى خنق وتدمير القطاع اقتصاديًّا؛ مما يؤدي إلى انهيار الحكومة التي ترأسها حماس، ويراهنون أيضًا على تمرد السكان على حماس؛ بسبب الأوضاع الاقتصادية البائسة للوصول إلى ما يسمى بثورة الجياع، ومن ثم القضاء على حماس في غزة شعبيًّا، وتكمل "إسرائيل" القضاء على حماس عسكريًّا في مقابلة لمشروع عباس- دايتون في الضفة للقضاء على حماس، لاحظ معي تصريحات عباس المتكررة عن حماس أنهم حفروا قبورهم بأيديهم.
وتكون المحصلة النهائية إقصاء الحركة تمامًا عن الساحة السياسية؛ تمهيدًا لتصفية القضية الفلسطينية، والتطبيع مع الدول العربية بدون مقابل في مؤتمر الخريف الذي دعت له الإدارة الأمريكية.
واللافت في الموضوع أنه لا أحد حتى الآن راضٍ عن هذا المؤتمر حتى حلفاء واشنطن في المنطقة؛ فقد أعلنت مصر والسعودية وكثير من الدول العربية عن عدم رضاها عن هذا المؤتمر؛ لأنه لا يحمل أي أجندة واضحة، ولم يتم التحضير له بصورة تقبلها الدول العربية في الحد الأدنى من مطالبها، وأعلن الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى عن استيائه من هذا المؤتمر، ونصح الدول العربية بعدم حضوره في حالة عدم تحقيقه الأهداف الموجودة في المبادرة العربية، ومن اللافت أيضًا أن محمود عباس أيضًا غير راضٍ عن هذا المؤتمر، وهناك أنباء تفيد بأن قيادات فتحاوية بارزة تضغط على عباس لعدم حضور هذا المؤتمر.
إذًا المؤتمر فشل قبل أن يبدأ..
أما الهدف الأمريكي الصهيوني منه فلن يخرج عن أمرين، الأول: في حالة نجاح الكيان الصهيوني في إخماد المقاومة المسلحة في الضفة وغزة- لا قدر الله- سيتم حسم قضايا الوضع النهائي حسب الأجندة "الإسرائيلية" والتي رفضها عرفات في كامب ديفيد وواي ريفر.
الثاني: في حالة فشل الكيان الصهيوني في القضاء على المقاومة يبقى المؤتمر جلسات علاقات عامة؛ تهدف للتطبيع بين "إسرائيل" والدول العربية وتأجيل قضايا الوضع النهائي (حدود الدولة الفلسطينية واللاجئين)، في المراهنة على الزمن لتحقيق مكاسب "لإسرائيل" وهي الخطوة التي بدأت بالفعل حين زار وزيرا خارجية مصر والأردن "إسرائيل" للتفاوض حول المبادرة العربية باسم الجامعة العربية.
وفي كل الأحوال يتم التفرغ لإيران تمهيدًا لضربة قاسمة لها كما تخطط واشنطن ربما تكون بعد الخريف المقبل، وبما أن الهدف الأول والثاني يتمحوران حول المقاومة، تبقى المقاومة هي الرهان الأوحد والأخير لإفشال تلك المخططات، بل لن أذهب بعيدًا حين أقول إفشال المشروع الصهيو أمريكي كله في المنطقة.
صحيح أن المقاومة- وبخاصة في غزة التي سميت من قبل الاحتلال كيانًا معاديًا- هي بخير وأكثر قوةً وأحسن تجهيزًا وإعدادًا منذ الحسم العسكري الحمساوي فيها، لكن اللافت هنا والسؤال الذي يطرح نفسه: ما هي مقومات الصمود لتلك المقاومة؟! الأمر الذي يُلقي بالكرة في ملعب الشعوب العربية والإسلامية- ولن أقول الأنظمة- في إيصال الدعم اللازم لهذه المقاومة بعد الله سبحانه وتعالى.