في رمضان من عام 2001 وبعد أيام من أحداث 11 سبتمبر 2001 قامت القوات الأمريكية بحملتها الشاملة على أفغانستان, والسبب المعلَن هو إسقاط نظام الطالبان الذي رفض تسليم زعماء القاعدة الذين اعترفوا في تصريحات علنية بمسئوليتهم عن أحداث سبتمبر، وقد تسلحت الولايات المتحدة بقرار من مجلس الأمن يُدين الجناةَ دون تحديد، ويرخِّص للولايات المتحدة بممارسة حقّها في الدفاع الشرعي عن النفس, مع الاستعداد الهائل على مستوى العالم بقبول ما تراه واشنطن وتقدِم عليه؛ إطفاءً لنار الثأر لديها وتأديب الجناة.

 

وبالطبع فإن واشنطن بدأت حملتها في أفغانستان بدعم عالمي وإقليمي هائل، خاصةً من باكستان وإلى حدٍّ ما إيران, وبعزمٍ أكيدٍ على تخليص الشعب الأفغاني مِن حُكمٍ اتهمته بالإرهاب والاستبداد، ووعدت بإبداله بنظام حكم ديمقراطي يمثله كرزاي، الذي أنشأته واشنطن، على أمل أن يصمد بعد ما تصوَّرته من سقوط طالبان ورحيل القاعدة, وظنًّا منها أنها قضت نهائيًّا بعد أعمال القصف الوحشية للبلاد على هذا النظام السياسي وعلى عناصر القاعدة.

 

خلال السنوات السبع الماضية هبَّ حلف الأطلسي لمساندة المهمة الأمريكية في أفغانستان، وهي كالعادة: إسقاط النظام البائد، وإحلال نظام ديمقراطي محله، تمامًا كما فعلت في العراق، ولم تنس واشنطن- خلال القصف الذي تمَّ دون أدنى مقاومة من الطالبان- أن تقضي على ربع مليون أفغاني بريء في هذه الملحمة التي انتقد بسببها وزير الدفاع الأمريكي السابق رامسفيلد؛ لأنه بدأ القصف في رمضان، وخاصةً عند أذان المغرب، وعند إفطار الصائمين, وقد أفتى "سماحته" بأن المسلمين أنفسهم لا يحفظون لهذا الشهر الحرام حرمةً، وذكَّرَنا بملحمة الصراع الإيراني العراقي طيلة ثماني سنوات تخلَّلتها كل الأشهر الحرم, وهو صراع لصالح واشنطن أيضًا كما نذكر.

 

خلال هذه السنوات السبع تجدَّد الصراع بين دول الأطلسي بقيادة واشنطن وحركة طالبان التي بدأت تستجمع قواها وبمساندة القاعدة، والتي حاولت الانتشار والتمركز في مناطق عدة، حتى وصلت السعودية واليمن ولبنان والعراق، وربما مصر والجزائر والمغرب وغيرها، وقد سكت العالم على سقوط الطالبان؛ لأن واشنطن جعلت صورتها أسوأَ من أن يتم الدفاع عنها أو الرحمة بها, رغم أن واشنطن هي التي أنشأت الطالبان، ودفعت دول العالم إلى الاعتراف بها قبل أن تنقلب عليها، ولكن جزءًا من الفقه الأمريكي بدأ يؤكد أن غزو أفغانستان وإسقاط النظام الحاكم ومطاردة القاعدة- باعتبارها منظمة إرهابية- هي سلة واحدة بها ثلاثة عناصر، لكلٍّ وضعُه القانوني, وانتهَوا إلى أن الغزو عدوان، وأن إسقاط النظام تدخُّل مذموم في شئون دولة أخرى, وأن تجنيد الأطلسي واستمرار خسائر قواته واستهداف الطالبان لكل الجنسيات المشاركة فيها عسكريًّا أو مدنيًّا هو ثمن باهظ للإبقاء على نظام أتت به الدبابات الأمريكية، ولا يقوَى على الوقوف على قدميه, فكان الثمن العسكري والإنساني والمادي من الجانبَين الأفغاني والأطلسي باهظًا، بل إن اشتداد القتال في أفغانستان بدأ يلحُّ في طرح السؤال الحتمي: إلى متى وبأي ثمن يظل الوضع في أفغانستان؟!

 

ولكن أحداث العراق طغَت على أوضاع أفغانستان, فإذا أخذنا الوضعَين معًا لاتَّضح لنا أن ورطة واشنطن في أفغانستان لا تقلُّ عن فضيحتها في العراق, وكلاهما موقِعان لإنهاك القوة الأمريكية وإحراجها؛ ولذلك لا مفر لواشنطن وحلفائها في أفغانستان والعراق من أن تفصح لشعوبها عن الأسباب الحقيقية للغزو والاحتلال حتى تبرِّر على الأقل كل هذه الخسائر.

 

فهل يصدق عاقل أن واشنطن مقتنعة حقًّا بأن هذه العناصر الإرهابية المتخلِّفة هي التي نفَّذت بهذا الاقتدار هجوم 11 سبتمبر؟ وهل بدأت واشنطن تراجع نفسها للاعتراف للعالم بأن الخطة الفورية الجاهزة يوم هذه الأحداث كانت تقضي بغزو العراق فارتأت القيادة الأمريكية أن تبدأ التجربة في أفغانستان حتى يتم التمهيد الكافي للعراق؟ وهل يكفي رفض الطالبان تسليم بن لادن سببًا لكي تقوم واشنطن بقتل عشرات الآلاف ودكّ البلاد دكًّا بكل أنواع الأسلحة، وإسقاط نظام واهن، لا يملك أية قدرات للمقاومة، وإن كان يملك حقد العالم على الولايات المتحدة وحلفائها.

 

وإذا كان هدف الغزو هو إسقاط النظام وإنهاءه فقد سقط ولم ينتَهِ بل يعاود الظهور، وإذا كان الهدف هو القبض على الملاَّ عمر وبن لادن فلم يتحقق هذا الهدف, وإذا كان الهدف هو شفاء الغليل والانتقام من شعب فقير أعزل، فقد زرعت واشنطن الكراهية في كل النفوس واستفزَّت القاعدة، فانطلقت كالزنابير في الأوطان العربية تهدد الأبرياء والاستقرار فيها، لمجرد أن حكومات هذه الدول حلفاء لواشنطن.

 

أما إذا صارح الحلفاء شعوبهم بأنها موجةٌ جديدةٌ من الاستعمار الجماعي بذرائع بالية، وأن الهدف الحقيقي هو محاصرة الصين وإيران وتقويض النفوذ الروسي في الجمهوريات السوفيتية السابقة, فقد يكون للتضحية معنى, كما يسهل قياس معدل النجاح والفشل قياسًا على هذه الأهداف.

 

ولا شك أن باكستان كانت الأكبر عونًا في الغزو وهي التي مكَّنت واشنطن من أفغانستان, ولكنَّ واشنطن- كعادتها- لا تحفظ جميلاً وتنكَّرت لتضحيات باكستان، وفضَّلت عليها الهند التي ترفَّعت على واشنطن وأخضعتها لأولوياتها واضطَّرَّتها إلى الانحناء في ملفها النووي بشكل مذهل، ولا شك أيضًا أن روسيا والصين والهند وإيران تدرك أن توحُّش القوة الأمريكية في غير صالحها؛ ولذلك لا يستبعد أن يكون موقفها من الطالبان أكثر من مجرد الرضا عن ظهورها مرةً أخرى, وخاصةً إيران التي تخوض حربًا سياسيةً ونفسيةً قاسيةً مع واشنطن، رغم كل تضحياتها لصالح الغزو الأمريكي وبعده لأفغانستان.

 

وهناك عددٌ من المؤشرات على أن التضحية في أفغانستان لها مقابل إستراتيجي, وأهم هذه المؤشرات هي أن الكونجرس لم يطلب يومًا مناقشة الوضع في أفغانستان على ضوء التطورات فيها، وإن أبدى قلقه بصور مختلفة من تحوُّلات الموقف فيها، ويبدو أن واشنطن بدأت تدرك أن وضعها في أفغانستان والعراق- وإن اختلف في الكثير من جوانبه- يزيد ورطتها في ملفين لهما معطيات معقدة، وهناك سبب آخر يفسِّر تجاهل واشنطن ملف أفغانستان، وهو تواضع خسائرها في أفغانستان قياسًا على حالة العراق، والسبب الثالث هو أن ملف أفغانستان أمريكي أطلسي، وله علاقة بالوضع الإستراتيجي للتحالف الغربي, أما ملف العراق فإن المستفيد الأول منه هو "إسرائيل" التي أسعدها أن يسفر الغزو عن تمزيق العراق الذي لم يخُض حربًا مع "إسرائيل".

 

إن التناقض بين الأهداف المعلَنة والأهداف الإستراتيجية الخفية في أفغانستان واستمرار ظهور الطالبان وتراجع نظام كرزاي.. سوف يدفع واشنطن في النهاية إلى الاعتراف بالأهداف الحقيقية، وربما الاعتذار للشعب الأفغاني الذي كان ضحية صراع بين نظام يناسب طبيعته ومخطط استخدام الإرهاب ذريعةً لغزو بلاده, ولكني لا أظن- للأمانة- أن الشعب الأفغاني أو الطالبان طرفٌ في هذا المخطط الكبير.