منذ أن نفَّذت حركة حماس حملةَ التطهير منتصف شهر يونيو في غزة والجدل والصخب التحليلي والإعلامي مستعر فلسطينيًّا وعربيًّا، فهناك الكثير من الحقائق التي تعجز حماس عن توضيحها بشكل أكثر كفايةً؛ بسبب ضعف إمكاناتها الإعلامية، في حين تمتلك فتح كمًّا هائلاً من المنابر المرئية والمقروءة التي تستطيع من خلالها أن تروِّج لسَيْلٍ من الأكاذيب لا ينقطع.
في مثل هذه الأجواء من النقاش المحتدّ والتراشق الإعلامي- حماس بحقها المطارد وفتح بباطلها الذي تشرع له الأبواب- يستفيد منهج الانحراف كثيرًا؛ لأن إغراق الجمهور بالبيانات والمواد وما يستتبعه ذلك من حيرة، يخدم قضية الشر خدمةً عظيمةً، فليس فريق الإرجاف يطمع في أكثر من أن يتأجَّل حكم الجمهور عليه ويختلط ببعض الشبهات الموهومة، وأي تأجيل لحسم قضية وَسْمِ الباطل بأنه باطل محض فيه إضرار بمشروع الخير وزيادة في معاناته مرتين: مرةً بإطالة أمد العدوان عليه، ومرةً أخرى لعجزه عن نقل الصورة عن عدالة قضيته للجمهور بوضوح تام وحسم- بسبب قلة منابره ومحاربتها كما تقدم- وما يستتبعه ذلك من تفاقم الإحساس بالقهر والظلم.
لذلك نحاول أن نجعل المعطيات المجرَّدة تتكلم عن نفسها قبل أن نسبق للقارئ بالرأي في مواقف وتصرفات حماس وفتح في المرحلة الأخيرة من المواجهة، وأحد أهم ميادين دراسةٍ مقارنةٍ كهذه هو فحص سلوك فتح وحماس، كلّ منهما في مناطق نفوذه النسبي في الضفة وغزة على التوالي، ومحاولة قراءة المعطيات للوصول لحكم عادل بين الطرفين يفصل بين القويّ المسئول فيهما والقويّ الجبان، هذا الحكم على سلوك كل طرف في ساحته سيُفضي أيضًا إلى إطلاق أحكام على الأطراف الأخرى ممن تأخذ مواقف مما يجري، وتوضيح ما إذا كانت تنتصر للحق أو أنها قبلت أن تتحوَّل لبيدق في يد الباطل
![]() |
|
القوة التنفيذية تنتشر في شوارع غزة |
سياسيًّا: تحولت حماس في الضفة إلى تنظيم محظور تستأهل العضوية فيه التحويل للمحاكم العسكرية، ويعرض عضو حماس في الضفة نفسه للاستباحة في دمه وحريته وأملاكه الخاصة ومكان عمله، أما في غزة فلا زال بوسع فتح عقد الندوات والفعاليات التي تنتقد حماس بشدة، وتستطيع فتح أن تنظِّم المظاهرات التي لا يتم التعامل معها إلا حين تتحول لمناسبة للفتنة ورمي الحجارة على الأملاك الخاصة والعامة، بل إن حفل ذكرى الانطلاقة لتنظيم مجهري لم يسمع به 95% من الفلسطينيين- ولا تكترث به الـ5% الباقية- كان مناسبةً لقادة فتح في القطاع وقادة فصائل أخرى للحملة على حماس بكل شدة، وبعد الحفل ذهب جميع القادة لبيوتهم دون ملاحقة أو اعتقالات ودون استهداف منازلهم بالصواريخ أو مواكبهم بالأسلحة الرشاشة، كما كان يحصل مع كبار قادة حماس قبل تطهير غزة.
وقد دعا قائد فتح في غزة إبراهيم أبو النجا في بيان- لم تسلم حتى الآيات القرآنية فيه من الأخطاء الإملائية!!- إلى تنظيم صلوات الضرار في ساحات غزة؛ حيث اختلط شرب العصير وتدخين التبغ بسباب الذات الإلهية والصخب والرفث وقليل من الركوع والسجود!! فهل بوسع حماس أن تنظم عملاً كهذا في الضفة وتأمن عواقبه على الناس؟!
قادة حماس وكل فعاليات الحركة في الضفة ممنوعون من العمل، بل ممنوعون حتى من تنظيم حفل صغير لتكريم الطلبة الناجحين في الثانوية العامة، ولا تسأل بعد ذلك عن حظر الكتل الطلابية الإسلامية في الجامعات أو مطاردة المسئولين المنتخبين من أعضاء البلديات واعتقالهم وتهديدهم بالقتل وإجبارهم على تقديم الاستقالة.
وهكذا فيما فتح تتحرك على مستوى القادة والأفراد في غزة بأريحية ويسر- وصل لمستوى مسفٍّ من طراز الغناء للهالك سميح المدهون وتعليق صوره- فإن حماس في الضفة صارت ه
